الرئيسية » مقالات » يكرهون السياسة ويحبونهاْْْ!!!!!!

يكرهون السياسة ويحبونهاْْْ!!!!!!

يبدوأن هناك تناقضا ً ملحوظا ً في عنوان المقال فكيف يجتمع النقيظان ؟ فالنقيظان لا يجتمعان على رأي المنــــاطقة ولكن هذه المرة إجتمعــــا كيف هذا ؟ ذلك هو السؤال.
هناك مثل شائع بين العراقيين وهو مأخوذ من قصة مفادها أن عابرا سبيل في إحدى الدول الاوربية مرا بعد منتصف الليل ورأيا مصباح مضيء في غرفة في الطابق العلوي فسأل أحدهم الآخر من ياترى مستيقظ في هذا الوقت ؟ قال أحدهم لصاحبه وبدون تردد عراقيون ساهرون يتحدثون بالسياسة ويذمونها .
ينظر كثير من الناس الى السياسة على أنها فن المكر والخداع والمساومة والتسوية وأنها لقيطة الفكر الإنساني ويذكر ديزرائيلي ( أن السياسة هي فن حكم البشر عن طريق خداعهم) لكنهم في ذات الوقت لا يستطيعون الاستغناء عن الحديث بها في الفاكهة المرة والحلوة معا ً وقد يقود أكلها الى تقاطعات كبيرة وهم يعلمون ذلك,لقد قرأت ذات يوم كتاب في الفكر السياسي وقد نقل هذه القصة المنقولة عن جريدة الجهاد الصادرة في طهران باللغة العربية والناطقة باسم حزب الدعوة الإسلامية.
في عددها الأول سنة 1982م حوارا ً ظريفاً دار بين مدير الامن العام الإيراني أبان حكم الشاه والسيد الكاشاني . قال مدير الامن للكاشاني ( سيدنا , السياسة عبارة عن الكذب والخداع والتضليل , ولا تجلب غير الأذى للنفس فدعها لنا ). تكشف هذه الآراء النظرة الشعبية للسياسة والتي إرتبطت دائما بها, وهكذا كان الأمر في العراق وليس العراق بدعاً من الدول والشعوب الأخرى .
لم تكن السياسة أمرا ً محبباً ولم تدخل في دائرة إهتمام العراقيين إلا في بدايات القرن العشرين, لا لكونها أداة ومسؤولية من أجل البناء وإدارة المجتمع بل لكونها حدا ً فاصلا ُ بين الحياة والموت وعملاً غير محمود العواقب, ورغم كل هذا والعراقييون أكثر الشعوب تحدثاً بالسياسة وحينما نذكر مساوئ الحكام يتناقل الناس مقولة مشهورة هي ( مالنا والدخول مع السلاطين ) وقد أوجز الدكتور الوردي في الجزء السادس من ( لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث ) الأسباب الكامنه وراء عدم إهتمام العراقيين بالسياسة بجملة نقاط هي :

1- عدم حب الناس للسياسة أو الاهتمام بها .
2- لخطورتها وعدم الاستفادة منها.
3- لسيطرة الوعي الديني على العقل العراقي.

ولربما أصاب الوردي بعض الشئ ولكن من ناحية الواقع الإجتماعي فحسب , أما أن العراقيين لا يحبون السياسة فهذا الرأي فيه شئ من الاجحاف بحقهم لأن الوعي السياسي هو مسؤولية وطنية ودينية وهي بذات الوقت ضرورة وحاجة متمخضة عن التفاعلات الاجتماعية وناتجة عنها, وان الوعي السياسي في العراق هو وعي سياسي ممزوج بالديني فليس هناك وعيا ً سياسيا ً محضا ً , وهو أمر راجع الى الفلسفة الأجتماعية القائمة في المجتمع والمبنية على الفكر الديني أساسا ً, ولا يمكن التفريق في الفكر اللإسلامي بين ما هو ديني وما هو سياسي,, والامر الآخر الذي أود قوله هنا أن الفعل السياسي يختلف عن الرأي السياسي فلربما لم نشهد فعلا ً سياسيا ً عراقيا وذلك للخطورة التي أشار اليها الدكتور الوردي , ولكن شهدنا آراء ً سياسية كثيرة , إذن ليست السياسة خارجة عن إهتمام العراقيين وليس هناك حالة من القطيعة بين السياسة والعقل العراقي بقدر وجود سيطرة للفكر الديني على الشارع العراقي وهذا لألأامر الذي أوضحناه سابقاً , وقد أصاب الدكتور الوردي في رأيه الأخير وهو حلول الوعي الديني المسيس محل الوعي السياسي الديني وهذه الجدلية الكبرى في الفكر الاسلامي وهي الفرق بين تسييس الدين أم تديين السياسة, أو يمكن القول أن الوعي الديني السياسي غير منفصل عن الوعي السياسي العام, وقد يعتبر في كثير من الأحيان واحد لا يتجزأ, وربما ما أراده الوردي قد يكون التسييس الديني , وقد أثر هذا الأمر على مسيرة تطور الأمة والشعوب الإسلامية تأثيراً سلبيا وقاد الى نشوء أنظمة الغلبة والاستبداد, جراء سيطرة رجال الدين ( وعاظ السلاطين) على مراكز القرار ويجب أن أنبه هنا الى أن كلمة رجال الدين لا أعني بها علماء الأمة والواعين منهم الذين كان لهم دوراً فاعَّلاً في بناء العقل السياسي العراقي وسجلوا منعطفات مهمة في حركة الوعي السياسي وحملوا دائما ً عقلية الدولة لا عقلية السلطة , وهم ينكرون الاستبداد والتسلط ويعيبون الثقافة التبريرية لوعاظ السلاطين, كما أشار الكواكبي أحد أهم رجال النهصة الى ذلك بقوله (( لقد حصل عندي إن أصل كل داء ابتلينا به هو الأستبداد)) وهناك رأي مثير للجدل عن تدخل رجال الدين المتزلفين للحكام بالشأن السياسي وإستبدادهم, وهو لأحد رموز الحركة الدستورية الميرزا حسين النائيني وهو أن (( الاستبداد الديني أشد من الاستبداد السياسي لقدرته على التلبس بالدين وإرتداء الشرعية وإخفاء الحقيقة فيمارس صاحبه الإستبداد باسم الدين والشريعة )) . وهذا يدل على أن الوعي الديني لا يمكن تعميمه على الجميع كما اشار الدكتور الوردي, ولكن هناك إتجاهان للفكر الديني الأول هو الفكر التبريري وتعليب الفتاوى حسب الطلب والآخر هو فكر عقائدي بحت لايتخذ فيه رجل الدين الدين لتضليل العقل الجماهيري خدمة للحاكم , وإذا أردنا أن نأصل الى أصول الضعف في مجتمعاتنا العربية والإسلامية يمكن القول هنا أن الفكر التبريري هو الذي أوصل الأمة الى هذا المنحدر الخطير وهذا الظلام الدامس الذي غلف العقل وغشاه بالجهل. فلولا ممارسات المتلبسين بالدين في تزييف الحفائق وإضفاء المقدس على فعلهم السياسي لما تمكنا من نيل كسب ثقة الشعب وتمرير مخططاتهم اللاإنسانية بحق المستضعفين , فبين التدين والنفاق خيط رفيع لا عرفه إلا ذو العقول الراحجة والواعيين من أبناء الأمة , لقد كان لرجال الدين الحقيقيين وقفات كبيرة ومهمة إتجاه عملية التحرييف الديني وتسييس الدين ولعل الشيخ البهائي العاملي واحدا ً من هؤلاء الافذاذ الذين وقفوا بوجه تيار التحرييف الديني وكتابه القيم (التدين والنفاق ) الذي أطلقه بلسان القط والفأر إنتقد فيه رجال الدين أنصاف المتعلمين الذين وقفوا عند ظاهر النص وأعرضوا عما هو جوهر الإسلام وكما يقول (عملهم قليل وقلوبهم خالية من العرافان وإدعاؤهم أكبر من عملهم يستغلون منصبهم ومعرفتهم من أجل مآربهم الخاصة). ورحم الله المتنبي حيث يقول :

أفي كل يوم تحت ضبني شويعرٌ ضعيف ٌ يقاويني قصير يطاول

فالعالم الحقيقي في نظر البهائي من يجمع الزهد والتقوى الى جانب علوم الدين , وينقل لنا مقولة مشهورة في كتابه الكشكول ( فسد الزمان وأهله وتصدَّر للتدريس من قل علمه وكثر جهله, وانحطت رتبة العلم وأصحابه وأندرست مراسمه بين طلابه) ونرى من بين هؤلاء أنصاف المتعلمين المنتشرين في العراق اليوم يذمون السياسة ولكن أنظارهم موجه نحو المناصب ولعل قولتهم الشهيرة قاتل الله السياسة .نعم قاتل الله السياسة عندما تكون أداة للتسلط والظلم والقهر ورحم الله السياسة حينما تكون أداة لتنظيم حياة البشرفنحن نحب السياية ونكرهها معا ً.


علاء الخطيب/ كاتب وأكاديمي عراقي