الرئيسية » مقالات » الهجرة النبوية المباركة( دروس وعبر وعظات)

الهجرة النبوية المباركة( دروس وعبر وعظات)

بسم الله الرحمن الرحيم:
للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصران الله ورسوله أولئك هم الصادقون ) الآية 8 – الحشر.
يحتفل العالم الأسلامي كل عام من أول محرم بحدث جليل وعظيم له معان ودلالات أنسانية كبرى وفيه الكثير من المعاني والدروس والعبر لمليار ونصف المليار مسلم تجمعهم شتى أرجاء الأرض على كلمة الأسلام العظمى ( أشهد أن لاأله ألا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ) تلك هي ا لهجرة المباركة العظيمة التي قام بها خير البشر وأنبلهم وأكرمهم وأعظمهم خلقا نبينا محمد ص مع كوكبة من أصحابه المنتجبين المخلصين الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم وقبضوا على دينهم كمن يقبض على جمرة من نارفتجسدت في تلك الهجرة من مكة ألى يثرب التي أطلق عليها أسم المدينة المنورة تيمنا بدخول سيد الهداة محمد بن عبد الله ص مع صحبه النجباء. أنبل القيم والمشاعر الأنسانية التي بشر بها الله جل وعلا في كتابه الخالد القرآن العظيم وعلى لسان نبيه الكريم محمد بن عبد الله ص. وبعد أيام قليلة ستحل تلك الهجرة المباركة بين ظهرانينا فحري بنا نحن المسلمين أن نتوقف عندها ونستخلص منها القيم النبيلة والدروس والعبر والعظات البالغه.
لقد كانت تلك الهجرة انعطافا حاسما في تأريخ المسلمين الأوائل وكان جوهر دلالاتها الأيثار والتضحية والبذل في سبيل العقيدة والمبدأ فكانت خير دليل لكل ألجيال الأسلامية ألى يومنا هذا.
لقد مضى على تلك الهجرة المباركة ألف وأربعمائة وثلاثون عاما ولابد أن نتوقف عندها لنصلح من حالنا بعد أن تغلغلت الفتن الطائفية والعنصرية المقيته ألى الجسد الأسلامي الذي كان جسدا واحدا لايفرقه مفرق ولا منافق ولا دعي حاقد. ففي الهجرة ازداد تمسك المسلمين بعقيدتهم ونركوا كل متاع الدنيا وملذاتها ومغرياتها وأثبتوا للتأريخ وللدنيا برمتها تلك الحقيقة الرائعة أن لاحياة مع الذل والعبودية والظلم لأن الأسلام جاء ليقضي على ظلم الأنسان لأخيه الأنسان وأن هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس رغم انحراف المنحرفين ودعوات الضالين القتلة والتكفيريين الذين اساءوا أساءات بالغة ألى هذا الدين الناصع النقي القويم الذي يرفض الباطل وسفك الدماء والعنف الأهوج ويدعو ألى السلم والمحبة والتعاون والأخاء والخلق القويم حيث أطلق رسولنا الكريم ص قولته الشهيرة ( أني لم أبعث لعانا وأنما بعثت رحمة ) فجاء قوله مطابقا لفول الله جل وعلا بسم الله الرحمن الرحيم ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم )128 – التوبه. وقال ص ( أنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) فكان قوله ص وما أصدقه مطابقا لقول الخالق العظيم بسم الله الرحمن الرحيم( وأنك لعلى خلق عظيم )4- القلم.
وعندما يكون المسلم جميل الخلق طاهر القلب ويرحم ويعطف ويساعد ويضحي في سبيل الآخرين يكون قد اهتدى بدين الحق واقتدى بخلق رسول الأنسانية ص.الذي قال ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد أذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرالأعضاء بالسهر والحمى) وأتساءل ويتساءل معي الكثيرون أين نحن الآن من هذه القيم التي حملها لنا هذا الدين القويم النقي ؟ بالأمس تسلل ذئب بشري يدعي الأسلام ألى أحد المطاعم وفي عيد الأسلام وفجر جسده النتن النجس بين حشد من الأطفال والنساء ليبعثر أشلاءهم وتختلط دماءهم ببعضها وتصعد أرواحهم ألى السماء تشكو هذا الظلم الذي قل نظيره في التأريخ. وأتساءل كم من الدول الأسلامية ومن يطلق على نفسه أسم( داعية أسلامي )و (علامة ) ينظر ويتحدث طويلا عن الشريعة والحياة في الفضائيات فقط أحتج على هذا العمل الوحشي البربري الذي ترفضه كل قوانين الأرض والسماء منذ أن خلق الله آدم وليومنا هذا بعد تلك التصريحات المخجله التي كانت غايتها الرئيسية زرع الفتن الطائفية بين المسلمين . أنهم ظلوا ساكتين !!! وفي السكوت بلاء عظيم ومخالفة لله وللرسول ولقيم الأسلام ولكل شرائع الأرض والسماء سيوصل هذه الأمة ألى أدنى درجات الضعف والأنحلال.
ليتذكر هؤلاء كيف استقبل الأنصار أخوانهم المهاجرين وكيف كانوا رحماء بهم وكيف شاركوهم في الملبس والمأكل ولم يبخلوا عليهم بشيئ واليوم صار الظلم الذي يمارس في العالم لانرى من يحتج عليه حتى بالكلام!!!. وأول الذين تقع عليهم المسؤولية الشرعية هم علماء الدين ودعاته .
كان كل واحد من أولئك الأفذاذ يحمل بين جنبيه قلبا زكيا وروحا طاهرة ونفسا عالية نزيهة عن كل أطماع الدنيا سداها ولحمتها والفداء والتضحية بالنفس والأيثار من أجل اخوانهم في الدين من الذين لجأوا أليهم. فآووهم وأكرموهم وأحسنوا أليهم بدافع من عقيدتهم النيرة التي أمرتهم بذلك .فنزلت بحقهم الآية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم ( والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم.)74 – الأنفال.
أن تلك الكوكبة النيرة التي هاجرت مع خير البشرية ص تحملت عبء الأمانة وقطعت الفيافي والقفار ولم تشك من كل الأذى الذي لحق بها فانتقلت تلك الأرواح الطاهرة ألى بارئها قريرة النفس راضية مرضيه بسم الله الرحمن الرحيم ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي ألى ربك راضية مرضيه فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) الآيات الأخيرة من سورة الفجر.
أنهم تحملوا مالا تطيقه النفس البشرية وأصروا على التمسك بدينهم وعقيدتهم رغم الظلم والجور والتشريد وسلب البيوت والأموال فجسدوا مقولة الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري الخالده( القابض على دينه كالقابض على جمرة من نار)
لقد قال عتبة بن غزوان أثناء تلك الرحله (أني وأصحابي قد دميت أفواهنا من أكل خشاش الأرض) وكان يضع كل واحد منهم حجرا على بطنه ليدرأ عنه غائلة الجوع.
لقد خرج رسول الله ص مع صاحبه أبي بكر رض في تلك الليله ألى غار جبل ثور وتبعهما المشركون حتى بلغوا مدخل الغار واقتربوا منه ولو نظروا ألى أقدامهم لرأوهما وفزع صاحبه في تلك الليلة العصيبة فقال يارسول الله أنما نحن اثنان فأجابه ص بصوت ممزوج بالطمأنينة والثقة بالله ( ما أظنك باثنين ثالثهما الله لاتحزن أن الله معنا). فنزلت الآية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم (ألا تنصروه فقد نصره الله أذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين أذ هما في الغار أذ يقول لصاحبه لاتحزن أن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه . وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم.) 40 – التوبه.
ووعدت قريش بأن من يأتي به ص له جائزة كبرى قدرها مائة من الأبل فخرج سراقة بن جعشم راكبا فرسه شاهرا رمحه والرسول ص هادئ النفس مطمئن القلب لأنه كان يدرك تماما أن الله حاميه ألى أن يكمل هذا الدين الحنيف ويؤدي رسالته ألى آخر الشوط وما أن أنجاه الله جلت قدرته وبلغ المدينة المنوره لم يأمن غوائل قريش ومكائد اليهود الذين كانوا يتربصون به الدوائر وكان محاطا بالأخطار من كل جانب . وكان البطل الضرغام علي بن أبي طالب أبا الحسنين ع أول فدائي في الأسلام بعد أن نام في فراش الرسول العظيم ص وعندما سألوه أين محمد أجابهم بكل شجاعة ورباطة جأش لاأعلم .
وبعد أن وصل المدينة المنورةهب أهل المدينة عن بكرة أبيهم واستقبلوا نبيهم ومبعوثهم ص بالأفراح والمسرات ونقر الدفوف وهم بنشدون ( طلع البدر علينا من ثنيات الوداع – وجب الشكر علينا مادعا لله داع- أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع- جئت نورت المدينه – جئتنا ياخير داع ) فما أعظمها من لحظات وأروعها من كلمات تستحق أكثر منها بلاغة ومدحا ياسيدي يارسول الله ص أي نعم والله أنت خير داع جئت لهذه الأمه ولكن قسم من هذه الأمه لن يرعى عهدك ولن يصون الأمانه فذهب شرقا وغربا في طريق الأنحراف والتكفير وذبح الأبرياء وقتلهم وزاد من ظلمه وعتوه وباطله . فاشهد ياسيدي يارسول الله على هؤلاء الظالمين لأنفسهم وأخوانهم يوم القيامه .
لقد قال الله في محكم كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم ( والله أعلم حيث يجعل رسالته) 124 -الأنعام . وقال سبحانه وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم:( ياأيها الرسول بلغ ماأنزل أليك من ربك وأن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس أن الله لايهدي القوم الكافرين )67 – المائده. فخرج ص لساعته من خيمته وقال للذين يحرسونه ( أذهبوا فأن الله وعدني بعصمته وتولى حفظي) بعد ذلك تفرغ للمؤاخاة بين الأوس والخزرج فأعانه الله على ذلك وغلبت الفئة القليلة المؤمنة الصابرة الفئة الكبيرةالباغية المعتدية لتقواها واستقامتها وأخلاصها لدينها وحبها لنبيها ص. وأدرك الجميع عظمة الأسلام وجوهره الأنساني المبني على الفضيلة والخلق الكريم والأيمان والتقوى ونبذ الشرك والعنصريةوالضغينة والحقد والفتن التي هي من ألد أعداء البشرية .بسم الله الرحمن الرحيم ( المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) 71 – التوبه. فلا عصبية ولا استعلاء ولا ظلم ولا جفاء ولا سفك دماء وبغي وفساد ومراء ولا غش وكذب واستباحة للحرمات. وأصبح المسلمون بفضل تعاليم السماء يتسابقون لنيل رضا الله ورسوله الكريم ص وأصبحوا كالشمس المضيئة تنير أشعتها قلل الجبال وبطون الأودية وصحارى الأرض ووهادها وبطاحها وكان الأسلام كالغيث الذي هطل فأحيا الأرض بعد موتها وتلألأت أنواره الساطعة لتنير المعمورة وكانت تلك الرحلة القدسية عبرة لكل ذي قلب وبصيرة . وكان رسول الله ص يعفو ويصفح عن كل من أساء أليه ولم ينتقم من أحد لنفسه ولم يضرب غلاما أو أمة أو عبدا أو خادما وألغى نظام الرق والعبودية وانتزع حق المرأة من الذين كانوا يهضمونه ويعتبرون المرأة كيانا ضعيفا وهزيلا لايستحق الأحترام والأهتمام. فنزلت الآية الكريمة : بسم الله الرحمن الرحيم ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لآنفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فأذا عزمت فتوكل على الله أن الله يحب المتوكلين ). وكانت نتيجة الهجرة معركة بدر الكبرى التي أرست دعائم الأسلام وقوت شوكته أمام أولئك العتاة البغاة الذين أرادوا بالأسلام وبنبي الأسلام ص السوء والغدر والكيد وبعد تلك المعركه وقف الذين اتبعوا شتى أصناف الأذى للرسول الكريم ص مطأطئي الرؤوس ترهقهم ذلة غارقين في ندمهم وخذلانهم وجناياتهم حين سألهم الرسول الكريم ص ( ماذا ترون أني فاعل بكم ؟) قالوا ( أخ كريم وابن أخ كريم ) فقال ص (قول لكم ماقال يوسف لأخوته لاتثريب عليكم اليوم أذهبوا فأنتم الطلقاء)!!!
هذه هي رسالة الأسلام وهذا هو سر عظمته رغم كل أعداءه والمسيئين أليه من البعض الذين يحملون هويته زورا وكذبا وعدوانا عليه.
فما أحوجنا اليوم للأهتداء بهدي الرسالة المحمدية الغراء وجعل يوم الهجرة العظيمة نبراسا لوحدة الأمة الأسلامية وتكاتفها واتحادها ورص صفوفها ضد كل قوى الشر والجريمة والضلالة لأنقاذ الأمة من هذا الظلام الذي يحيط بها .
أن الأمة التي أنجبت محمدا ص هيهات أن تموت مهما ضلل الأعداء وتخرص المتخرصون وأساء المسيئون وستظل نابضة بالأمل متوهجة بالعطاء مهما تكالبت عليها قوى الظلم والظلام ومهما لحق بها من تشويه (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال) 17- الرعد.
جعفر المهاجر – السويد