الرئيسية » مقالات » رحمة الله عليك يا ابو محمد

رحمة الله عليك يا ابو محمد

حرصاً وخوفاً مني على سلامته قبل سلامتي, كنت استجديه واتوسل اليه على الدوام, ان يخفض من نبرات صوته ويخفف من وضوحه وصراحته, فيستجيب ابو محمد طلبي للحظات قليلة فقط, ليعود بعدها وهو شبه صارخ لاعناً.
كنت طالباً في الجامعة, وابو محمد كان موظفاً حكومياً متقاعداً, ونحن الاثنين جيران نسكن العمارة نفسها, كان يدعونني لشرب القهوة بين الحين والاخر, ويعرفني حق المعرفة, فأنا الكردي المضطهد القادم من الجزيرة, واكره “البعث” وال “البعث” وميشيل عفلق والبيطار والحوراني… الى اخره من سلسلة الرفاق “القومجية” من اهل النفاق, وكنت بدوري اعرفه جيداً, فهو حلبي اصيل من اهل المدينة العريقة التي احبها, ويكره كل ما هو بعثي وسلطوي و…… اتذكر البلكونة المتواضعة الضيقة التي احتضنت نقاشاتنا السياسية وهمومنا الوطنية وطاولة الزهر والاركيلة وشتلة الريحان العبقة التي كان يرشها بالماء بين الفينة والاخرى, كما اتذكر كلماته وتعليقاته الساخرة, اتذكره وهو يتأفف عقب كل اعلان تلفزيوني على شاشة الارضية السورية الوحيدة في ذلك الوقت من منتصف الثمانينات من القرن الماضي “العرصات….ما بيعرفو الا العلاك المصدي…منشان هيك شاطرين بس بدعايات العلكة”, اما نشرات الاخبار الرئيسية, والتي كانت تبدأ وكعادتها بصور مكررة لحافظ الاسد وهو يحيي الجماهير العربية السورية على طريقته, بضم يديه ورفعهما الى الاعلى والاسفل, فقد كانت تثير حفيظة صديقي ابو محمد الحلبي, وتفقده صوابه, فيترك العنان لتعقيباته ويصرخ قائلاً : ” شوف بالله شوف عم بيئول راح اعصركم عصر” .
“ارجوك ابو محمد وطي صوتك منشان الله” اقولها له واترجاه الا يعيدها, فيهز برأسه ويسألني عن الامتحانات !
اليوم لا اخشى على سلامتي وانا اترك العنان لصوتي وصراحتي في بلاد المهجر في الخارج, ولا اخشى كذلك على سلامة صاحبي ابو محمد وهو لا يزال باق في بلاد الوطن في الداخل, فقد توقف قلبه عن الخفقان قبل اشهر وانتقل الى رحمته تعالى, وارتاح من الهم والغم والعذاب الدنيوي السوري الى الابد, اسكنه الله فسيح جناته وارحمنا وارحم اهل سورية واهل حلب .