الرئيسية » المرأة والأسرة » المرأة الكوردية و العمل

المرأة الكوردية و العمل

هذه المقالة تسلط الضوء على وجهة نظر المجتمع الكوردي إلى المرأة من نواحي الحياة المختلفة و خاصة في قضية العمل و كيفية رؤية المجتمع للمرأة و هي تعمل خارج المنزل للأشتراك في بناء الحضارة و المشاركة الفعلية إلى جانب الرجل في كافة مجالات الحياة على أنها النصف الآخر المكمل للمجتمع.

أقدمت الحضارات القديمة على أضطهاد المرأة بأشكال و أساليب مختلفة فقد كانت المرأة تشترى و تباع كأية سلعة, فمنهم من عاملها على أساس أنها جارية و عبيد للرجل كما كان حالها عند الأشوريين و منهم من حرمها من حق الطلاق من الرجل و من الحصول على حق الميراث كما كان عند الرومان و الأغريق و منهم من حرم الأرملة من الزواج بعد وفاة زوجها كما كانت عند الصينيين القدماء و منهم من سلب منها حق الحياة و ألقاها في النار بعد وفاة الزوج كما كانت في بلاد الهند و منهم من دفنها في التراب و هي على قيد الحياة كما كان الحال عند العرب و منهم من أعطاها حكم البلاد كما كان عند الفراعنة التي أنحصرت عند الأثرياء و الطبقة الحاكمة فقط و كانت ترمى في نهر النيل لكسب رضى الآلهة و منهم من منحها حق التملك و أختيار الزوج و أدارة شؤون حياتها كما كانت عند الزرادشتيين في بلاد الآريين حيث لازالت المرأة الكوردية تتمتع بحريات كبيرة و ثقافة عريقة.

عانت منطقة ميزوبوتاميا أي أراضي الأكراد الكثير من الحروب و الغزوات بسبب أعتبارها أرض مقدسة حيث الأعتقاد السائد أنذاك على أنها أرض مهد البشرية الثانية بعد طوفان نوح و أعتبرت أرض مولد أب الأنبياء إبراهيم, وكانت موقع أستراتيجي مهم في العالم القديم فقد خلفت ورائها الأمبراطوريات المتعاقبة جملة من الثقافات المتعددة و صولا” إلى مرحلة الأسلام التي كان لها التأثير الأكبر على الأمة الكوردية.

و على مر الزمن أختلفت الثقافات من منطقة إلى أخرى من حيث وجهة النظر إلى ماهية المرأة و قيمتها و عملها في الحياة من الناحية القانونية و الفلسفية و الدينية بالأضافة إلى العادات و التقاليد التي توارثتها الشعوب من جيل إلى جيل.

لعل أبرز أوجه الأختلاف أنبثقت بعد ظهور الديانات السماوية الثلاث ( اليهودية و المسيحية و الأسلام ) ونظرتهم إلى مكانة المرأة في المجتمع من حيث الحقوق و الواجبات من الناحية العملية والدينية و الأسرية كمكمل لطبيعة الحياة التي وجدها الأنسان منذ ظهوره على وجه الأرض و لغاية الأن و التي كان لها التأثير الأكبر على العالم الحالي الذي نشاهده اليوم بالتزامن مع ظهور قوانيين جديدة لحقوق الأنسان ضمنها حقوق المرأة في كافة مجالات الحياة حيث تبنتها الكثير من الدول الأوربية الغربية و التي تسعى إلى نشره في كافة أنحاء العالم لحماية المرأة من الأضطهاد و لتحقيق التوازن الفعلي و العملي.

لقد ساهمت العوامل الطبيعية و الفيزيولوجية قي بقاء عمل المرأة داخل المنزل و ليس خارجه من حيث عملية الحمل وصولا إلى الولادة إلى تربية الأطفال و القيام بالواجبات المنزلية الملقى على عاتقها من عمليات إعداد الطعام و التنظيف و أدارة الشؤون, فمن حكم طبيعة قوة المرأة الجسدية التي لم تسمح لها بالقيام بالأعمال الشاقة أسوة بالرجال, ففضلت بعض النساء العمل داخل المنزل و البعض الآخر فضل العمل خارجه ضمن التطور العلمي الذي نشهده, فشغلت المرأة وظائف عدة لا تلزمها تلك القوة الجسدية التي يمتلكها الرجل.

ففي مقال للكاتبة الأمريكية (فيليس ماكجنلي) بعنوان (البيت.. مملكة المرأة بدون منازع) تقول: (وهل نعد نحن النساء ـ بعد أن نلنا حريتنا أخيراً ـ خائنات لجنسنا إذا ارتددنا لدورنا القديم في البيوت؟ وتجيب على هذا التساؤل بقولها:

(إن لي آراء حاسمة في هذه النقطة، فإنني أصر على أن للنساء اكثر من حق في البقاء كربات بيوت، وإنني أقدر مهنتنا وأهميتها في الحقل البشري إلى حد أني أراها كافية لأن تملأ الحياة والقلب).

(وإذا قيل لنا على نحو تعسّفي: إن من واجبنا أن نعمل في أي مكان غير المنزل، فهذا لغو زائف، فإنه لا يوجد عمل يستحق أن يمزق شمل الأسرة من أجله).

شاركت المرأة الكوردية على مر التاريخ في العمل إلى جانب الرجل في تحمل متاعب و مشقات الحياة و قد ساهمت في القسم الأكبر للحفاظ على حماية الأسرة و تربية الأطفال فقد كانت تعمل داخل المنزل و خارجه فلا زالت المرأة في الريف تعمل في مجال الزراعة و تربية المواشي و ألتحقت المرأة في المدينة إلى مجال التعليم و شغلت الوظائف و عملت في مجالات عدة و منها السياسة و منهم من أصبح مناضلات في أعالي سفوح الجبال دفاعا عن الحرية و لرفع الظلم و الأضطهاد الممارس بحق أبناء شعبهم من قبل الدول المحتلة لأراضيهم. و لكن من جملة المفارقات التي أخذت طابعا غريبا عن الثقافة الكوردية القديمة التي كان للأسلام التأثير الأكبر الأكثر سلبية على المجتمع من حيث حق المرأة في العمل خارج المنزل و التي تعود في محرماتها إلى عدم الأختلاط مع الرجال. فعلى مر الزمن ساهم الأسلام السياسي على فرض عادات و تقاليد غريبة عن المجتمع الكوردي أدى بهم الحال إلى أضطهاد المرأة في الكثير من القضايا ومنها جرائم الشرف فسيطرت الفكرة القبلية و العشائرية التخلفية على المجتمع الكوردي التي أصبحت العائق الأساسي لتطور المجتمع.

بالرغم من أختلاف طبيعة الحقوق و الواجبات أتجاه المرأة في كل مرحلة من المراحل في التاريخ البشري القديم و الحديث ظل الأختلاف يدور على أهمية و قدرة المرأة على الأنتاج و العطاء بحسب أحتياجات الأسرة من ناحية العمل داخل المنزل أو خارجه و ظلت أوجه الأختلاف تنظر إلى أحقية المرأة في العمل من حيث وجهة النظر الفلسفية و العلمية و الدينية لتلك الفئة السكانية المعينة التي تعيش في منطقة ما تحمل ثقافة الأمثل حسب أعتقادهم الفكري و الروحي على أن مكانة المرأة هي نفس مكانة الرجل أو أدنا منه في المجتمع

حيث أعتبرها البعض المكون الأساسي في المجتمع في كافة مجالات الحياة بينما أعتبرها البعض الأخر المكون الأساسي في الحياة من ناحية الجنس و النسل. و من هنا تقول الكاتبة سيمون دي بوفوار: “ستظل المرأة مستعبدة حتى يتم القضاء على خرافة الأسرة”. فمن حسب و جهة نظر الأراء المختلفة يمكن القول أن القوانيين وحدها لا تكفي لمنح المرأة حقوقها و خاصة حقها في العمل بالقدر الذي تتحمل فيه الأنظمة السياسية الحاكمة لأراضي الكورد و الثقافات الدينية و العشائرية للمجتمع الكوردي المسؤولية الكبرى أتجاه حقوق المرأة و تفعيلها و من ثم يمكن للمرأة أن تختار لنفسها أحقية العمل داخل المنزل أو خارجه.