الرئيسية » مقالات » تعلموا من الدالاي لاما

تعلموا من الدالاي لاما

کلما تابعت خبرا متعلقا بالشخصية الدينية التبتية المعروفة الدالاي لاما ورأيت صورته، تطالعني بسمته الرائقة و وجهه النضر البشوش على الدوام، هذا الرجل الذي يقارع واحدة من أقوى الانظمة الدکتاتورية في العالم و لايکاد يکل أو يمل من نضاله”الوردي”و الرقيق، لا يکف عن نثر عذب إبتساماته على کل الذين يقابلونه سواء کانوا من أعظم القادة أو من بسطاء الخلق و عوامهم. وفي کل مرة أرى الرجل فيها تزداد درجة إعجابي به و أستمد منه معاني العزم الحقيقي و الايمان القطعي الراسخ و الصادق بالقضية، هو لايهدد الصين بقنابل بشرية و لا بخطف طائرات و حافلات نقل الاطفال و لا يبادر الى تکفير أو تجريم هذا أو ذاك بسبب من إختلافه معه، کما لا يفتي برش ماء النار على سيقان و صدور النساء المتبرجات و لا بحرق محلات التجميل و المنتديات الفنية و لايأمر بنحر و قتل کتاب و مفکرين بسبب من توجهاتهم، إنما هو يکتفي فقط بالابتسامة و يجابه أسلحة أعدائه بالحب و الحب لوحده وهو بذلك کسب قلوب و أفئدة الملايين من البشر في مختلف أرجاء العالم و باتت مختلف العقول تشرئب إليه و تنصت الى کل کلمة يقولها.
الدالاي لاما، لم ينل الشهرة التي نالها في سائر أرجاء العالم لأنه رجل ديم معارض لدولة کالصين، وحتى إنه لم يحظ بهذه المنزلة الکبيرة لکونه”حصان طروادة”الغرب بوجه الصين أو ورقة ضغط قد ترفع يوما بوجهها، لکنه وصل الى ماوصل إليه لأنه بحق رجل سماوي و ينادي بقيم حقة سيما عندما لم يلجأ لتوظيف الدين من أجل أهداف و مآرب محددة ليستغل بذلك بسطاء الناس من الذين تکون القيم الدينية لديهم مترسخة بقوة بل وأن هذا الرجل قد أثبت بحق إنه يحب الناس کما يحب نفسه و يدافع عنهم کما يدافع عن ذاته وهو ليس کالذي يتخفى تارة کالمرأة و تارة في مربض حيوان أو بين جمع من المدنيين و النساء و الاطفال أو يجعل من أبناء شعبه”سواتر دفاعية” لکي يحمي نفسه و”سلطانه”!! إنه يظهر بکل جلاء و وضوح أمام أعدائه و أنصاره و مريديه ويتلو عليهم دروسا في الحب و السلام و المعاني السامية وبذلك يظهر الماهية الانسانية للعامل الديني و يجعله مترفعا عن کل المسائل الاخرى.
الدالاي لاما، بفضل اسلوبه الحضاري في طرح أفکاره و مبادئه و مطالبه، فإنه قد دفع الملايين من البشر لکي يطلعوا على الافکار و القيم الدينية التي يدعو إليها و يتعاطفوا معها بشکل أو آخر وهو بهذا يمنح قوة و زخما لأتباعه و مناصريه و يزرع في أعماقهم الامل و البشارة بالغد الافضل، أما أولئك الذين جعلوا من أفضل الکائنات و أشرفها مجرد”قنابل”و”أسلحة”رخيصة الثمن بوجه کل من يخالفهم، فإن الامر مختلف تماما، ذلك أنهم بوجوههم المتجهمة المتعبسة المليئة بکل أنواع الحقد و الکراهية ليس بإمکانهم سوى أن يلقنوا أتباعهم دروس الموت و الدمار و لأجل ذلك فإنهم في النهاية لن يقبضوا من العالم إلا النفور و الإشمئزاز و القرف.