الرئيسية » مقالات » التكامل في تفسير الفكر و السلوك الإنساني – الجزء الثاني

التكامل في تفسير الفكر و السلوك الإنساني – الجزء الثاني

في الجزء الأول من هذا البحث انتهينا إلى أن الإنسان – في بحثه عن الحقيقة, و تعامله مع وقائع الحياة – بدأ يدرك المهمة الأولى في طريقه الصاعدة إلى فهم دروبها و مسالكها, و تلمّس مواقع أقدامه, و هو يخطو خطواته الأولى نحو ذلك البحث و التعامل , حفاظا على وجوده و ضرورات هذا الوجود أولا, ثم الانتقال بالتدرج نحو فهم عالمه, و إدراك محتواه , و الارتقاء بذلك التدرج أيضا إلى البحث عن سر الوجود, و حقيقة الكينونة الكبرى , و ما معنى الحياة ؟! و كيف تكوّنت الظُلمات و انبثقت الأنوار ؟! , و ما هو سرّ الكواكب و النجوم و الأفلاك , و ما مبعث الكائنات الحيّة, و من أين جاءت سنن الرياح و الأمطار و العواصف و الرعود و الزلازل و البراكين ؟! . كلّ ذلك كان بمثابة الانطلاقة الأولى لفهم العالم المحيط و أسراره , و الإنسان و دوره , و علاقة هذا الدور بالكائنات و الأعاجيب من حوله, و هو يفتح باصرته و بصيرته على الأحياء و الأشياء , في بحث متواصل عن الحقيقة, و محاولة للتلاؤم مع قوى الطبيعة و أسرارها, و كيفية التعامل مع هذه الأسرار , و الاستفادة من طاقاتها, و تجنّب أخطارها و كوارثها, و اتّقاء الوحوش الضارية, و الحذر من المجهول !! .
كانت الخطوات الأولى للإنسان – و هو يدرج إلى التصوّر و التصرف, و الفكر و السلوك – متعثرة زمنا طويلا , بانتظار اكتساب المعارف الأولية و الخبرات البدائية من تجاربه الأولى و من عثراته, ليخرج إلى تدوينها بعد أن حدد لنفسه الطرق التصويرية الأولى للمعاني , و صور الأشياء و دلالاتها في المسمارية ( الميخية ) و الهيروغليفية ثم السنسكريتية, و ما حُفظ في الألواح الطينية و الفخارية, و ما دلّت عليه المكتشفات الأثرية, في أحواض الأنهار الكبرى , و التلول و المخلفات الأثرية التي أشرنا إليها في الجزء الأول .
حتى إذا بدأ الإنسان – بتراكم معارفه و خبراته, و تدوينها – يدرك دقائق و معارف جديدة, و ميادين بدأ يكتشفها, في صراعه الدائب في سبيل البقاء و الامتداد, و بحثه الفطري عن المجهول , و توقه إلى طرق معالمه و التماس تفسير ظواهره , للوصول إلى قيم و قواعد بدأت تتضح – مع السنين المتطاولة, و في أجيال متلاحقة – أخذت معالم في البحث و المعرفة و سبلهما تتجلى أكثر , و بدا كأن الإنسان راح يدرك مسؤوليته عن عمارة الأرض , و البحث في سبلها عن طرق في التعامل و وفرة الإنتاج و تطويره , ليبحث من خلال ذلك عن أفضل هذه السبل , و أكثرها يسرا و سهولة, لتحسين أدائه في العيش , و أدوات ذلك ووسائله, مضيفا خبرة كل جيل إلى الجيل الذي سبقه ليضع اللبنات الأولى في صرح المعرفة, و البحث عن وسائلها, و التماس أوسع لسر الخليقة و كوامنه, ليكون ذلك المدخل الطبيعي للعتبة الأولى في عالم الحكمة و الفلسفة و سر الكون .
لقد فرضت ضرورة البقاء, والدوافع العضوية الأولى على الإنسان البحث عن وسائل البقاء وسر التواصل مع أعباء العيش ومستلزماته, فكان ذلك بداية البحث عن الملكية وحيازة أسباب الرزق ومدراته, وبداية يقظة الدوافع الموجبة لها, لتبدأ الصفحة الأولى في الاستئثار والتدافع حول مواطن الكلأ والأرض المنتجة بوسائل وأدوات وطرق محددة في الامتلاك وتوفير عوامل حمايتها وصيانتها والدفاع عن طرق استثمارها, لتبدأ قصة الصراع على الأرض, وتبدأ المسألة الأولى في الملكية, ويتعقد دور الإنسان كركن أساسي في المعادلة بين الاستثمار ووسائله ومشروعية التوسع في الحيازة والصيانة وتسخير القوى والطاقات الطبيعية والبشرية, ومدى مشروعية ذلك , لتبدأ مسيرة الصراع بين تلك القوى المؤثرة , وتزداد وتيرتها تصاعدا مع تراكم التجربة الإنسانية, سواء في طرق استغلال طاقات الإنتاج , أم في القدرة البشرية ومدى مشروعية تسخيرها وتفاوت درجة استغلالها ومداها, ليبدأ عصر الإقطاع واتساع الملكية , وتبدأ عملية التحول من المجتمع الرعوي وأساليبه البدائية مع فجر النشاط البشري, إلى مجتمع تحدد فيه الملكية وتتسع دائرتها وتتعقد ارتباطاتها, وتتراكم خبراتها وتتعارض الرغبات والضرورات والدوافع , ليخرج من رحمها بداية صراع, وبداية تحول في المفاهيم والإرادات والتصورات وما ينجم عن ذلك كله من سلوك إنساني, متعدد الأوجه والأدوار والمهمات مع الزمن وتراكم عوامل الصراع وأسبابه , وقصة البحث عن القيم والاعتبارات والموازين التي فرضتها وأفرزتها حياة الاستقرار والبحث عن صيغ حياتية تتخطى المرحلة البدائية للعيش ووسائله.
وقد تميزت هذه المرحلة – في تفسيرها للسلوك والتصور من ورائه – بفلسفة قوامها إعطاء أهلية التصرف في الموارد والأملاك منطق التميز والقوة والاقتدار , لما للطبقة المالكة والحاكمة بآن معا, من حق السيطرة وبسط السلطان على الإقطاعات الواسعة من الأرض واستغلال الإنسان وتبعيته لها , وكونه تابعا وملحقا بهذه الممتلكات, شأن أي ملحق بها من أدوات وإماء وجوار وسوام تعمل فيها ,يأكل من كده بمقدار حاجته, لا يزيد على ذلك ولا يطمح في أكثر منه, مما حدد من منافعه ومكاسبه وآماله, في حين تجاوز الملاك كل حد في الرفاه ورغد العيش وترفه دون جهد أو كد, يعمل الفلاحون و العمال الزراعيون و العبيد في الأرض مقابل رزق محدود و حيازة محدودة تعصمهم من الضياع و الحرمان المطلق لتشكل مع الزمن عوامل ثورة كامنة, تغيّر محتوى العلاقة برمتها مع بروز ظاهرة الانتقال إلى المدن و الخروج من ربقة الإقطاعي و عسفه و جوره ليمتلك نوعا من الحرية مع عصر الآلة و التقدم العلمي و التقني , و ينصرف الإنسان في ظل الوضع الجديد إلى نوع من ممارسة سلوك أكثر حرية و انعتاقا, حيث الحرية الفردية الواسعة, والتوق إلى مزيد من الانطلاق والتحرر, والبحث عن مناهج في التصور والسلوك أكثر وضوحا وتمدنا, إذ لم يعد الإنسان ملحقا بالأرض , و إن وقع ضحية علاقة أخرى , لا تكاد تقل قسوة عن الإلحاق بسلطة الإقطاعي و تصرفه المطلق , و تقييده للطموح الإنساني , في الخضوع لنظام عمل جديد يعتمد اقتطاعا واضحا من جهده, فيما يسمى في النظام الإشتراكي ( بالقيمة الفائضة ) في استغلال جديد لطاقة الإنسان و ساعات عمله, و استدرار الأرباح الناجمة عن القيمة الزائدة, و المضافة إلى سعر السلعة, إلى جانب الفوائد الربوية الهائلة الناجمة عن استغلال النظام الرأسمالي للبنوك و المصارف الممولة للمصانع و المؤسسات و المعامل , و التي تضيق بدورها عن السوق الوطنية للدولة المالكة لرأس المال , لتبحث عن أسواق الصرف في البلدان الأخرى , مما يستوجب استعمارها و اضطهادها و استغلال ثرواتها و طاقاتها, و تكديسها في أيدي الطبقة الرأسمالية الجديدة, و الواقفة خلف السلوك الإنساني الجديد القائم على الاستغلال و استعباد أفراد و جماعات و شعوب , في اكتناز هائل للثروة , و نهم متهالك على المال , و تسخير له في مزيد من الإنتاج و الصرف و التسويق , مما جرّ إلى حروب و ويلات و صراعات, أدمت الوجه الحضاري للبشرية, و أفقدتها جوانبها الروحية و الأخلاقية, بجعل العلم و التقنية و الحضارة وسيلة للثراء الفاحش , و التحكم بمقدرات الشعوب ,الأمر الذي دفع إلى مزيد من البحث عن البدائل في التصور والسلوك,والتماس العدالة , والخروج من عبودية رأس المال ووسائل الإنتاج وأدواته, وما تبع هذا النظام من هدر للطاقات والقوى والإمكانات , وسحق الإرادة الإنسانية , وإغفال لمتطلبات وحاجات أثمن عنصر في المعادلة المنتجة وهو الإنسان, ليأتي المفهوم الجديد محاولا على أيدي مفكرين وفلاسفة ومنظرين إعادة الاعتبار للفكر الجماعي والصور الجديد القائم على المكية الجماعية لوسائل الإنتاج وقيمها وموازينها وحتمياتها الجدلية والتاريخية على يد “ماركس وانجلز ولينين, وديدرو وفيورباخ…” – يتبع في العدد القادم , الجزء الثالث .