الرئيسية » مقالات » باول ماتيك 1939 من مقاله الشيوعية المجلسية council communism

باول ماتيك 1939 من مقاله الشيوعية المجلسية council communism

2
رغم المحاولات الكثيرة , من المستحيل تفسير الحالة الحالية المزرية للحركة العمالية كنتيجة “لخيانات كثيرة” تمت بيد “المرتدين” , أو “غياب البصيرة” للحاجات الحقيقية للطبقة العاملة من جانب قادتها . كما أنه ليس من الممكن لوم أشكال معينة من التنظيمات , أو اتجاهات فلسفية بعينها , عن الهزائم الكثيرة التي حدثت . و ليس من الممكن تفسير تراجع الحركة بنسبته إلى “خصائص وطنية” أو “ميزات نفسية” . إن تراجع الحركة العمالية هو تراجع عام , كل المنظمات , بغض النظر عن أشكالها و مواقفها , مصابة بذلك , و ليس هناك بلد أو شعب تمكن من النجاة من هذا الاتجاه إلى الأسفل . ليس هناك أي بلد , و هو يراقب تدمير الحركة العمالية في بقية البلاد , تمكن من “استخلاص الدروس من هذه الهزائم” , و لا منظمة , و هي ترى انهيار الآخرين , تمكنت “من تعلم كيف تتفادى ذات المصير” . لقد جرى نسخ هذا الإخصاء لسلطة كل العمال في روسيا عام 1920 بسهولة في تركيا , و في إيطاليا , و الصين , و في ألمانيا , و النمسا , و تشيكوسلوفاكيا و إسبانيا , و الآن في فرنسا , و قريبا في إنكلترا . من الصحيح أنه في كل بلد , و بسبب ميزات التطور الاقتصادي و الاجتماعي , فإن تدمير منظمات العمال القادرة على العمل على هذا الأساس قد اختلف من حالة إلى أخرى , لكن أحدا لا يمكنه أن ينكر أنه في كل هذه البلدان تم القضاء على استقلالية حركة العمال . ما يستمر بالوجود تحت اسم منظمة العمال ليس هناك ما يجمعه بحركة العمال التي تطورت تاريخيا , أو أنه في البلاد الأكثر تخلفا , التي كانت في سياق عملية التطور , و التي كانت قد أسست للحفاظ على معارضة ملتصقة بالمجتمع المنقسم إلى العمال عديمي القوة و المستغلين الذين يسيطرون على كل السلطة الاقتصادية و السياسية التي استولوا عليها . ما يوجد هناك في شكل الأحزاب , النقابات , الجبهات العمالية و بقية المنظمات قد دمج بالكامل داخل الشكل الاجتماعي السائد بحيث أنها لم تعد قادرة على العمل إلا كأداة لهذا المجتمع .
أبعد من ذلك من غير الممكن لوم التعبير النظري الأكثر أهمية الذي جرى تطويره حتى الآن في حركة العمال – أي الماركسية – على العيوب الكثيرة في الحركة العمالية و عن تدميرها الراهن . هذه الحركة العمالية التي تحتضر اليوم يجمعها القليل جدا مع الماركسية . نقدا كهذا للماركسية يمكن فقط أن يصدر عن نقص في معرفة كل محتوياتها . كما أن الماركسية لم يساء فهمها , بل قد جرى رفضها سواء من قبل الحركة العمالية و منتقديها و لم تعتبر أبدا كما هي : ” مرشد غير دوغمائي للبحث العلمي و العمل الثوري ” ( 2 ) . في كلتا الحالتين من قبل أولئك الذين يتبنونها كعبارة خالية من المعنى و حتى أولئك الذين يقاتلون ضد هذه العبارة الخالية من المعنى , فقد استعملوها بالأحرى كأداة لإخفاء ممارسة تؤكد من جهة الصحة العلمية للعلم الماركسي الاجتماعي , و تعارض بقوة من جهة أخرى الواقع المطابق و المشوش .
رغم أنها قد تطورت تحت تأثير الماركسية فإن الحركة العمالية الآفلة قد تبرأت اليوم تماما من بداياتها الثورية , حتى عندما يصبح التصاقهما أو ارتباطهما اسميا فحسب , و هي تعمل اليوم على أرض برجوازية بالكامل . ما أن يتم إدراك هذه الحقيقة فلن توجد هناك حاجة للبحث عن أسباب انحطاط الحركة العمالية في فلسفة مركبة بشكل غامض و مهملة في الواقع , عوضا عن ذلك يصبح من الواضح تماما أن هذا الانحطاط يوازي انحطاط الرأسمالية . مرتبطة بالرأسمالية المتوسعة , و مندمجة تماما في مجمل النسيج الاجتماعي يمكن فقط للحركة العمالية القديمة أن تصبح راكدة مع ركود الرأسمالية و أن تنحط مع انحطاط الرأسمالية . لا يمكنها أن تطلق نفسها من المجتمع الرأسمالي , إلا إذا قطعت تماما مع ماضيها السابق , الشيء الممكن فقط هو بالقطع مع المنظمات القديمة , طالما استمرت بالبقاء . إن إعادة ولادة الحركة العمالية ممكن فقط كثورة للجماهير ضد منظمات”ها” . تماما كما تعيق علاقات الإنتاج , إذا استخدمنا عبارات ماركسية , تطور القوى المنتجة للمجتمع , و تكون بالتالي مسؤولة عن الانحطاط الرأسمالي الحالي , فإن المنظمات العمالية اليوم تعيق التطور الكامل لقوى البروليتاريا الطبقية الجديدة و محاولاتها القيام بأفعال جديدة تخدم المصالح الطبقية للعمال . هذه الاتجاهات المتناقضة بين مصالح الطبقة العاملة و المنظمات العمالية السائدة تم كشفه بشكل أكثر وضوحا في أوروبا , حيث توقفت عملية التوسع الرأسمالي و كان يمكن الشعور بالتناقض الاقتصادي بشكل أكثر حدة , مؤدية إلى أشكال فاشية للسيطرة على السكان . لكن في أمريكا أيضا , حيث استنفذت قوى الاقتصاد الرأسمالي بشكل أقل من أوروبا , انضم إلى قادة العمال القدامى المنظمات العمالية الجديدة , الأكثر تقدمية ظاهريا , في دعم الطبقة الرأسمالية التي تكافح للحفاظ على النظام حتى بعد أن اختفت قاعدته التاريخية و الاجتماعية .


4
من الموقف السلبي الذي طور هنا يمكن أن نرى بسهولة أن النشاط المستقبلي للطبقة العاملة لا يمكن أن يعلن “كبداية جديدة” , بل كبداية فحسب . لقد طور قرن الصراع الطبقي الذي وراءنا “معرفة نظرية لا تقدر بثمن , و أوجد كلمات ثورية أنيقة في تحدي للإدعاء الرأسمالي بأنه آخر نظام اجتماعي , و أيقظ العمال من يأس البؤس . لكن صراعه الفعلي كان يجري داخل حدود الرأسمالية , و كان عبارة عن فعل يجري داخل مجال القادة و يسعى فقط لينصب سادة رخوين مكان السادة القساة ” ( 3 ) . يجب اعتبار التاريخ الماضي للحركة العمالية فقط كمقدمة للعمل القادم . رغم أنه لا شك أن هذا التمهيد قد تنبأ بالفعل ببعض المعاني المتضمنة في الصراع القادم و مع ذلك فقد بقي مجرد مقدمة لما سيأتي و ليس ملخصا له .
لقد اختفت الحركة العمالية الأوروبية بعد نضال محدود لأن منظمتها ليس لها منظور مستقبلي , إننا نعرف أو نشعر أنه ليس لها مكان في نظام اشتراكي , و أن خوفها من زوال المجتمع الطبقي ليس أقل من بقية المجموعات صاحبة الامتيازات . كونهم قادرين فقط على العمل في ظل ظروف الرأسمالية , فإنهم يتأملون نهاية الرأسمالية بكراهية أو بازدراء* , إن الاختيار بين طريقتين للموت لم يمكنه أن يعيد إلى الحياة أيا كان . حقيقة أن منظمات عمالية كهذه يمكنها العمل فقط في الرأسمالية تفسر أيضا الأفكار الغريبة عما يمكن أن يشكل المجتمع الاشتراكي . كانت “اشتراكيتهم” , و ما تزال , “اشتراكية” تشبه الرأسمالية , إنهم رأسماليون “تقدميون” أكثر منهم اشتراكيون . كل نظرياتهم , من نظرية المحرف “الماركسي” برنشتاين , إلى نظريات “اشتراكية السوق” في موضة اليوم هي فقط طرق لتحقيق القبول في إطار الرأسمالية .
لذلك ليس من المستغرب أن نظاما شديد الوضوح لرأسمالية الدولة كالذي يوجد في روسيا يقبل عموما من قبلهم على أنه نظام اشتراكي بالكامل , أو مرحلة انتقالية نحو الاشتراكية . النقد الموجه لهذا النظام الروسي يتوقف فقط عند غياب الديمقراطية , أو سوء نية البيروقراطية المزعوم أو غبائها , و يشغل نفسه قليلا أو لا يكترث على الإطلاق بحقيقة أن علاقات الإنتاج الموجودة اليوم في روسيا لا تختلف بالضرورة عن تلك الموجودة في بقية البلدان الرأسمالية , أو حقيقة أن العمال الروس ليس لديهم أي رأي مهما كان في الشؤون الإنتاجية و الاجتماعية لبلدهم , بل أنهم معرضين سياسيا و اقتصاديا لظروف و أفراد مستغلين مثلهم في ذلك مثل عمال أي بلد آخر . رغم أن الغالبية العظمى من العمال الروس لم يعودوا يواجهون مقاولين أو أرباب عمل فرديين في نضالهم من أجل البقاء و في سبيل ظروف حياة أفضل , فإن سلطاتهم الحالية تظهر أنه حتى الطموحات القديمة للحركة العمالية , أي استبدال السادة القساة بآخرين محسنين لم تنجز هناك .
إنه يكشف أن اختفاء الرأسمالي الفردي فقط لا يؤدي لإنهاء الشكل الرأسمالي للاستغلال . و أن تحوله إلى موظف حكومي , أو استبداله بموظف حكومي , سيؤدي إلى المحافظة على نظام الاستغلال المميز للرأسمالية . يستمر فصل العمال عن وسائل الإنتاج , و إلى جانب ذلك يستمر الحكم الطبقي , في روسيا , مع إضافة جهاز استغلال شديد المركزية وطيد العزم مما يصعب أكثر نضال العمال في سبيل أهدافهم , لذلك فإن روسيا تكشف عن نفسها فقط كتطور رأسمالي معدل يجري التعبير عنه بتعابير جديدة . إن المحاولات لبلوغ كفاءة وطنية أعلى , و التي فرضت على روسيا , كما فرضت على بقية البلدان الرأسمالية , يحتفل بها الآن على أنها ” بناء الاشتراكية في بلد واحد ” . إن تمزيق الاقتصاد العالمي , الذي يفسر و يسمح بالتطور الإجباري لرأسمالية الدولة في روسيا , بوصف اليوم على أنه “الوجود جنبا إلى جنب لنظامين اجتماعيين مختلفين جذريا” . لكن يبدو أن تفاؤل الحركة العمالية يزداد مع كل هزيمة تعانيها . كلما زاد تقدم التمايز الطبقي في روسيا كلما نجحت الطبقة الحاكمة في قمع المعارضة نحو استغلال متزايد و محتفى به بشكل أكبر , كلما زادت مشاركة روسيا في الاقتصاد العالمي الرأسمالي و أصبحت قوة إمبريالية بين باقي تلك القوى , كلما حكم على الاشتراكية أن تتحقق بشكل كامل في ذلك البلد . تماما كما كانت الحركة العمالية قادرة على أن ترى تقدم الاشتراكية في التراكم الرأسمالي , فإنها تحتفي اليوم بالتقدم نحو البربرية مع كل خطوة نحو المجتمع الجديد .
مهما كان انقسام الحركة العمالية القديمة بسبب الاختلافات حول قضايا عديدة , فإنها تبقى متوحدة حول قضية الاشتراكية . تجريد هيلفيردينغ عن “الكارتل العام” , إعجاب لينين باشتراكية الحرب الألمانية و الخدمة البريدية الألمانية , تخليد كاوتسكي لاقتصاد القيمة – السعر – المال ( راغبا أن يقوم بشكل واعي بما قامت به الرأسمالية عبر قوانين السوق العمياء ) , شيوعية تروتسكي الحربية المسلحة بملامح العرض و الطلب , و اقتصاد ستالين التأسيسي – كل هذه الأطروحات يوجد في أساسها استمرار الظروف الحالية للإنتاج . إنهم في الواقع مجرد انعكاس لما يجري بالفعل في المجتمع الرأسمالي . بالفعل فإن اشتراكية كهذه يناقشها اليوم اقتصاديون برجوازيون بارزون مثل بيجو , حايك , روبينز , كينز , فقط لنذكر بعضهم , و الذين خلقوا قدرا هائلا من الأدب يلتفت إليه الاشتراكيون اليوم بحثا عن مادتهم . أكثر من ذلك فإن الاقتصاديين البرجوازيين من مارشال إلى ميتشيل , من الكلاسيكيين الجدد إلى المؤسساتيين المعاصرين , قد صبوا اهتمامهم على قضية كيفية جلب النظام إلى النظام الرأسمالي المضطرب , عملية انتهت إلى “العقد الجديد” ( سياسة روزفلت التي طبقها للخروج من فترة الكساد العميقة التي أصابت الاقتصاد الأمريكي في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي – المترجم ) , “الاشتراكية – الوطنية” ( النازية – المترجم ) , و “البلشفية” , الأسماء المختلفة لدرجات مختلفة و تنوعات لعملية تركيز و مركزة النظام الرأسمالي .

( 2 ) انظر كارل ماركس لكارل كورش . إعادة كتابة المبادئ و المحتويات الأكثر أهمية لعلم ماركس الاجتماعي . ( نيو يورك , جزن ويلي , 1938 ) .
( 3 ) ج هاربر , “ملاحظات عامة عن قضية التنظيم” , الماركسية الحية , نوفمبر تشرين الثاني 1938 , ص 153 .

* هذا هو جوهر النقد الذي أعتقد أن الماركسية العربية تستحقه بجدارة , و على الأغلب مجمل الاشتراكية الستالينية و “اليسار الديمقراطي ( البرجوازي )” الناشئ بعد سقوط الأنظمة البيروقراطية في أوروبا الشرقية , عندما حولت , منذ مرحلة مبكرة جدا في تطورها , الأطروحة الماركسية عن التطور التاريخي و ضرورة توفر الظروف التاريخية لانعتاق الجماهير العاملة إلى مبرر لإصرارها على تهميش قضية انعتاق الجماهير و بالتالي أي دور سياسي و حتى ثقافي مستقل لها و على العمل كظل تافه غبي لكن يجيد التفلسف وفق “الحقائق” التي أثبتتها ماركسية متصالحة مع البرجوازية أو حتى متبرجزة ليس فقط على النمط الاشتراكي الديمقراطي بل حتى اللينيني الستاليني البريجنيفي من جهة و في البداية ضرورات مواجهة “عامة” ضد الاستعمار أو الرأسمالية اعتبرت مبررا لقيادة البرجوازية أو البرجوازية الصغيرة لما سمي يومها بحركة التحرر الوطني مع تهميش كامل للجماهير , و في مرحلة لاحقة “حقائق” التطور الذي انتهى بغياب حتمي لأنظمة الاستبداد الستالينية البيروقراطية الأمر الذي اعتبر نهاية لحركة العمال التاريخية في سبيل انعتاقها , و بالتالي ممارسة دور التابع “المخلص” لبرجوازية غائبة أو تافهة في أفضل الأحوال تشبه الجرذان في الجحور , خائفة من العلمنة و خائفة من الجماهير و من الأصوليين و حتى من التقدم التكنولوجي و تفضل الاستسلام بتلذذ إما للتبعية للرأسمالية العالمية أو للبيروقراطية العسكرية المحلية , أو تابع مخلص لبيروقراطية مستبدة إما لأنها تحاول أن تلعب دور المستبد المستنير عن طريق تلوين سياط جلاديها و أسوار سجونها بألوان غربية زاهية أو ربما ببعض الشعارات العلمانية الجوفاء و في كل الأحوال بنسخ مختلفة من الوطنية أو القومية , إنها تؤله ماركس و ترفع أطروحته عن ضرورة توفر الظروف التاريخية للانعتاق التاريخي إلى مصاف القداسة لكي “تدمغ” خصومها بالطوباوية و عدم الواقعية , الانعتاق ! هذه قضية مؤجلة , علينا أولا أن نكرس الاستبداد و الاستغلال , أن نكرس وضعية السلطة و النخبة على أن هذا إجراء ضروري ليس فقط للانعتاق ! القادم بل حتى لمجرد اجتماع إنساني جدي !! , و تجعل من الواقع المهترئ الاجتماعي و السياسي القائم و “بدائله” المزعومة التي لا تتجاوز جديا واقع تركيز الثروة و السلطة الشديد المرتبط بالشكل المافيوي الميليشيوي للسلطة و البرجوازية السائدة أو الاختفاء خلف المؤسسة الدينية أو قوات احتلال ما , يبدو أكثر إيجابية بل و حتى ضروريا “للتقدم” كما تراه و كما شاهدناه حتى اليوم , المترجم .

ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن www.marxists.org/archive/mattick-paul/index.htm