الرئيسية » مقالات » هي الثمرة .. أيها الشاعر هي الثمرة اتبع خط القلب .. مرح البقاعي

هي الثمرة .. أيها الشاعر هي الثمرة اتبع خط القلب .. مرح البقاعي

أثارت مقالتي السابقة (( مرح بقاعي.. رذاذ فلسفة ترطب أرواحنا السليبة )) موجة من الجدل بين مؤيد ومعارض، ما يعني أنها حركت ردود أفعال، كنت أتوقعها ولكن ليس بهذا الحجم، فقد لقيت اهتماما واسعا في الشارع الثقافي الكردي – العربي داخل الوطن وفي المنافي، ورغم تباين الآراء تبعا لتباين دوافع ومشارب وأهواء أصحابها فكريا وسياسيا واجتماعيا، إلا أنها بشهادة السيدة بقاعي دليل على “حالة صحية للانفلات من الرتابة الكتابية التي تلقي بظلالها الكئيبة على مشهدنا الثقافي”، شهادة تكفيني فخرا وإيمانا بما كتبت، وتأكيدا لإيماني أتيت بجرعة أخرى متماديا في إدماني، لأستفز الذين كلفوا أنفسهم عناء مكاتبة الأستاذة بقاعي أو مكاتبتي وتحديدا هؤلاء الذين أبدوا تشنجا غريزيا من المقال :
بعود الفطرة الطرية، بخيزران الخاطر، بنجيع العسلية في جرحها الصباحي، بدخان معبد مزدكي، بخوره يعتلي رؤوس أصابعي حلزون عبق، بزيت الشجن يثقل فضاء كلماتي بغيمة عنبر، بالغامض البهي يقرفص وحْيا في وديان ليلي، يملي عليّ ما ليس حاضرا في دنيا النظر، بالجمال خارج معاني المألوف، بالحب المجرد من تعريفات البشر .
كتبت لغتي خيلاء فجر لسيدة المعاني، شغفا من فسيفساء نثر إمبراطوري باذخ، أيقونة معلقة بعرش قسطنطينية قلبي، سيدة تتوسط حكماء الإغريق وطلاّب المعرفة، توجز لخلايا الوجدان خفايا علم الرذاذ.
كتبت لغتي إصحاحا مؤجلا، لحورية بحر سهت على سفح الأولمب تسترق النظر إلى نسور عناد بروموثيوس الذي فوّت على نفسه مركب النجاة .
لها وحدها كتبت لغتي، متاهة ألفاظ، جدرانها قرميد طلاسم، سيدة النباهة أهملتْ دهاليز الشرح والتفسير دليلا لسانيا، لتتذوق متعة العبور لعبة روحية، مغمضة العينين جلتْ على حافة سطر غير مشذّب، تقيس معنى مغامرة الدخول إلى غابة من كلمات نعناع بريّ غير مروض، لتلامس لذة اكتشاف صدى صهيل قطب وحشي يناجيها أن تقطف ثماره قبل أن يذوي شيطان جليده.
كتبت لغتي دبقا بلسان الصنوبر حيرة لاذعة مكلفة تمس أنامل القاطفين، كتبت لسيدتي بلغة البلسم والنارنج وجوز الطيب والفلفل وكل توابل الروح، كتبت عن مأدبة ثقافتها، كيف فتحت شهية قلمي إلى حبرها الماسي، وبالتفصيل كتبت لها أسباب إدماني حذر خفافيش الوشاة، فما فهموا الضياء ولا قرؤوا سوى القشور، صعاليك الرأي في يهماء وحشتهم أين لهم فهْم ما بين سطور مزامير داوود، وقد اعتادوا سماع اللفظ دون المعاني، أين لهم من روح سيدة استشفت من أبعد البعيد طبع روحي من حروفي، لتجمعني عطرا طلقا في قارورة عناية.
ارتعبت ضباع البلاغة البليدة من شذى لغة رطبة مست ثقافة الافتراس، فراحت تنهش الحجر بحثا عن ذرائع التكفير، وعلى الجانب الآخر استنفرت ملة الحجل مذهولة تنادي بعضها : فردٌ منا تنحى جانبا بجوار معلمة قبرات، راح يستريح، نخاف عليه التماهي في ظلها فيضيع .
اللغة شيء آخر غير اختلاف النطق وأبجدياته العتيدة، هي قدرة الروح على التجلي فوق مستويات أعلى من خمسة غرائز لحاسية حيواننا الباطني، والانعتاق الأزلي من لعنة الحاسة الآدمية السادسة التي نخدع أنفسنا بها لنبرهن أن زعيقنا أنبل منزلة من النعيق الساكن فينا، لغتكم يا أشباه البشر تعاني إشكالية التعصب بين فم القائل وإذن المستمع، ومن حساسية بين قلم الكاتب وعين القارئ أو عقله، فيحدث الالتباس الأبدي وتندلع الحروب، في كل فرد فيكم عضوه اللغوي وبصمات أبجدية عضوية، لغتكم هي سلالة الأضداد.
فتشت عن لغة بلا أعضاء، مقطوعة اللسان، أبجديتها محفورة على كبدي وأصواتها تنطق في صمتي، فجاء فارق الاختلاف بين فصائل النطق ضمن عشائر أبجديتها واحدة، كتبت بلسانكم وعصى عليكم فهم سطوري ليس لافتقاركم إلى الفطنة، إنما الروح التي تحركها هي غير الحواس التي اعتدتم عليها، والعشرق لا يقبل أن تدخل مسامعه لغة الياسمين.
عيون التدوين تكشفت عورة نصوصهم ميتة، هشيم مجفف في عهدة السآمة، تلوكه سوام الرتابة، وتنفخ في جلده رياح الجدب، نصوص يدثرها الزمن بحسنة غبار، لم تعجبهم لغة التوابل، فانبرى صعاليك اللحظة في غضبة قبلية للذود عن مرح بقاعي، إزاء غزوة لغوية طالت رونق اسمها، والاسم في لغة الوطواط عورة ، ذئاب الفقه أعدت سريعا فتاوى التكفير، لتعضّ جراء ابن آوى ظهر لغتي الفتية.
سوف أتماهى متذرعا بألف عذر، وأترك لكم البكاء على أطلال لم تكن قط موجودة، وأصفق لكم كلما أدمنتم التغزل بحمل معبد، وأهرب من حلقات التيه التي تلف روحي، إلى سديم كريم لامرأة تأبى الاختناق في هوادج غيرتكم العرمرمية ، سديم عاد يصوغ ملامح وجودي الآخر الذي لم التقية بعد .
لأنامل فكرة ، وبين حرقة معنى انقلبت بها المفاهيم ولذة طرأت على فتنة العوسج، حملت اللغة جواز سفر بها أطرق صلصال ترف مجيد، هبت عليه مخيلة السندس رياحا مخملية، تبعث اللهيب في جمرات لموقد جوفُ صرارهِ يفوُر مسكا، يوقظ النائمين تحت كتبهم الصفراء غرورا فات أوانه، أقحمتُ أصابع الكاري متعمدا في خياشيم ذائقتهم الأدبية، قفزوا مذعورين، وما كادوا يتذوقون الوليمة حتى فغروا أفواههم متشدقين، لم يجدوا ثغرة للنيل من نثر اللؤلؤ لغة مزٌ مذاقها، قطراتها ترشحت بعضها من حبيبات روحي وبعضها من حبة الرمان، الأشقياء كدأبي بهم مغرضين، في كل هزيمة يهرعون إلى شعارات يدرون بها عواطف البشر يؤججون عصب العشيرة سلاحا بوجه من تجاوزهم ليكسر صوان الرتابة أدبا رفيعا تجاوز سطورهم الشائخة.
مقالة ولا أكثر أرعبتهم، ليسود مناخ المثقفين السوريين أكراد وعرب طقس من الانفعالات مختلفة الشدة توزعت في سماواتهم من واشنطن DC إلى القامشلي التي ليس لها صفة لا Cولا D، أعاصير جدل دارت في مجالس الكتبة، وتناطحت أبعاد النقائض، وتشابكت موارد حملان التسامح مع مصادر ذئاب التعصب، لتقف الكلمة مهمومة على مفترق طرق .
هل أحدثكم بعلم الأنواء، بالعواصف إذا هبت صعودا، والأعاصير إن غضبت سجودا، بالمرتفعات صحوا، والمنخفضات غيما، بدرجات حرارة جبين البداوة غلوا وحقدا وحرارة بطن الحضر صفرا وشرا، معطيات كلها تظل عقيمة فلن يأتي المطر ما لم تتلامس في الأعالي كهربائيات الرب حسنا يصعق عذرية السماء برعشة تشعل الهطول، لتنبلج البروق وتتشنج الرعود وتكفهر الصواعق، حينها متلذذا بمخاوفي من تقاليد الطبيعة أتقلص على جلدي واختبأ تحت الفراش ، تاركا فسحة لعيني أتلصص عبرها على عرس أمنا الأرض، في الوقت الذي تنهض في الخاطر تسوناميات أبجدية مانوية تملي علي فعل التدوين، لم أعلم أن المانوية عشق محرم يستعصى على الأعراب فهمه فيقولون كفر، أجلاف التبس عليهم، جهلاء لا يعرفون حتى من لغتهم غير نطقا بالشفاه، صَعـُبَ عليهم الغوص في بحر الرموز، ليفسروا مقالتي بموجب قشور معاجمهم المتشققة، على أنها تغزل بالسيدة مرح، ألا بؤسهم وبؤس قواميسهم تأخذ بأوائل الكلمات وأواخرها ولا تأخذ بنبل الطيب وإيقاع الكلام، شنوا حربهم، وبادر النشامى إلى التنديد والتهديد ، يكاتبونني أراجيفا وبهتانا كيف تجرأتُ على مغازلة سيدة منهم، ويكاتبونها تعنيفا وعتابا كيف غفرتْ لي بالكتابة عنها، هو ظن الذباب يعتقد الخليقة كلها ذبابا، أين هم من نبل مرح بقاعي من مقامها تسامحا وانفتاحا، كيان يحبب إلى النفس قيم الوجاهة والفخامة، ارستقراطية فارهة من العصر الفيكتوري تلزم المقابل بإبداء آيات الوقار والاحترام حتى لو كان متيما، سيدة تقاسي برد الرحيل كرمى لحريتها، أين لهم ليفرضوا عقولهم الرملية أوصياء عليها، فيعودون بها إلى بيت الحريم خاصة بهم، أقزام الصحراء يبقون أقزام مهما تسلقوا ناطحات السحاب، عقولهم عالقة هناك عند عمهم أبي جهل للنحر وللوأد .
ملك فوضاي هرب مني يتنزه في عذاب خفايا اغترابي، حتى لا يعثر عليه أحد، التقى بين ضلوع الصدفة بملكة ترتب بناظريها مرمر الإلهام مرحا أوقد شرارة، لتشد ترهل بطن طبقة الأوزون في فضاء الكتابة، التقيا خارج شرنقة التلاقي كوكب فجأة وكوكب صدفة، بهما استرد أوزون اللسان بعض صحته .
الصدمة : فشل الحاسة السادسة في توقع الممكنات الصعبة ، المفاجئة: فشل الضمير في تقبل نجاح الآخرين .
في ثقافة مناخها قاحل يكفي أن تستفز أوكار الهمود، لتخرج عليك عقارب الصدمة وأفاعي المفاجئة، لتتفاعل ذاكرة الضغائن مع تراكمات متحفزة، تحيل الواقع سموم انتحارية تقذفها إيديولوجية كوبرا سلفية بوجه أبجديات الرذاذ .
كتبت لغتي لمجد الاختلاف، لبهاء الفارق، لعشق أحمدي خاني وعمر الخيام، للرباعيات، لصياح الديك، للموسيقى، لنعاس طفل، لبلبل داعبه الكرى، لوحي الحياة، فلتهطل حجارتهم ما تشاء، لنا عشق المسيح والحلاج والعدوية وملاي جزيري، نعم بهذه اللغة اعترف ثانية أنني أدمنت مرح بقاعي، بلغة ج . خليل.ج في خليله الكافر، وليفسروا الإدمان كما يحلوا لهم إن فسروه عشقا فليكن عشقا، وان أفتوه كفرا فليكن كفرا، قراصنة السفسطة وما أسهل من الكلام، عفاريت الرياء ضيعوا عروسهم من فرط ما أبدوا حماسة وغيرة ، لم يبقَ لهم ما يغارون عليه من شرف سوى طمر أسماء النساء في جرّة الفتاوى.
قــَبلَ الدهر بألف قــَبل ِ، قــَبلَ أن يقرؤها مسمعي نبرات في حنجرة السماء، تدندن الحبيب موشحا، قــَبلَ أن يبثها سر السيليكون خيط أعجوبة لامست ناظري، قــَبلَ أن تحلم يداي بثمرات واحتها، قــَبلَ أن يطال فضولي غصون فكرها … تمورا من سلالة آدم ، بدهر قــَبلَ قــَبلْ ، وأنا كنت سديم أدمنتها تواشيح لاڤستاي ، فما أدراهم بالغيب إدمانا، وهم يتسولون جنسية الحرية معبرا إلى إدمان الفياغرا لحيوان عبوديتهم العنين .