الرئيسية » بيستون » قربت الانتخابات فبدأت المزايدات على الفيليين

قربت الانتخابات فبدأت المزايدات على الفيليين

قربت انتخابات مجالس المحافظات وبعدها الانتخابات العامة في العراق، وبدأت وستبدأ المزايدات على أصوات الفيليين من جهات عديدة، فهذه تحاول جرهم واستثمار أصواتهم وسحبهم في الاتجاه المذهبي، وتلك في الاتجاه القومي، وليس مستغرباً إذا دخلت على الخط قوى أخرى يسارية أو وطنية داعية الى أمة عراقية، وحتى القوى الداعية الى أمة عربية واحدة وعراق عربي. حيث ستعمل كل قوة من هذه القوى على الظهور بمظهر انساني مدافع عن الفيليين وقضيتهم ومعاناتهم ومطالبهم المشروعة قانونياً ووطنياً وانسانياً.

وهذا حق سياسي طبيعي وموضوعي لكل حزب وقوة تدخل في انتخابات وتبحث عن أصوات في كل البلدان الديمقراطية في العالم. فلا نستغرب هذا حين يحدث في العراق الحالي. لكن المثير للدهشة والاستغراب وحتى الاستنكار والغضب هو استثمار هذه المناسبة فقط لتذكر الفيليين، وارتداء زي الحريص والمدافع عن حقوقهم كمكون أساس من مكونات الشعب العراقي والذين عانوا الاضطهاد والقهر والتهجير وسلب الممتلكات والأموال وتغييب الآلاف من شبابهم البريء الذين كانوا كوادر مهمة في المجتمع عاملين ودارسين وعسكريين، تغييبهم في المقابر الجماعية دون ذنب ارتكبوه سوى أنهم فيليون. ثم رمي العائلات من أطفال وشيوخ ونساء خلف الحدود في أبشع عملية استئصال عنصرية في العصر الحديث، عراة مجردين من كل شيء حتى من مستمسكاتهم الرسمية العراقية.

وحين وقع الاحتلال وحدث التغيير تأمل الفيليون خيراً، وعاشوا حلماً في استعادة حقوقهم المسلوبة من أموال وممتلكات ومستمسكات،. لكنهم استيقظوا ليجدوا نفس العقلية السابقة ونفس القوانين الجائرة والمعاملة اللاانسانية، ونفس النَفَس العنصري في النظر اليهم على أنهم تبعية ايرانية، والمهزلة المضحكة المبكية أن الذين يتهمونهم بهذا هم مُتهَمون بأنهم ايرانيون وتابعون لطهران والاطلاعات.
فكيف والحالة هذه يبيحون لأنفسهم أنْ يرفعوا سيف التبعية في وجه الفيليين المحبين الحقيقيين والمدافعين الصلبين عن العراق والحالمين بدفء أحضانه، فلم ولا ولن يُعرف عنهم الخيانة والفساد والاختلاس وسرقة أموال العراق عيني عينك؟!!!

وفي الجانب الآخر من سخريات التاريخ أن ذوي القربى من صلة الدم والأرض ينظرون اليهم من الأعلى ومن البرج العاجي وكأنهم من طينة أخرى، فيعاملونهم بشك وريبة واتهام واستصغار. وينسون تاريخ الفيليين في بغداد تجاه القضية الكردستانية من تضحية ودعم مالي وسياسي وتأييد واجهوا بسببه الكثير من ظلم واضطهاد وضغط الأنظمة التي مرت ببغداد. ولا حاجة لدليل أو اثبات فأسماء فيلية كثيرة بارزة تشهد على ذلك، ومنها من هو عامل ضمن الأحزاب والقوى الكوردستانية حالياً.

ولا نتحرج حين نقول أن من أهم أسباب هذا الموقف من الفيليين عند الكثيرين من الكردستانيين و بعض الساسة منهم هو جذر الفيليين المذهبي الشيعي. مثلما هو الموقف من الشبك وما يعانونه مثلهم مثل الفيليين تماماً. ولنعد الى كتاب الاستاذ احمد شوكت (الشبك الكورد المنسيون) المطبوع في السليمانية 2004، وهو الكردي الشبكي المعاني. يقول في ص 9 من الكتاب:

“…… ومازال العديد من الساسة الكورد يعتبرون الشبك أقلية قومية وعرقية لا صلة لها بالكورد بجريرة مذهبهم الشيعي أو بجريرة أخرى منعتهم حتى من محاولة تنمية الكوردياتي فيهم وتشييد علائق قومية وشيجة في نفوسهم منعاً لاستسلامهم لعمليات التعريب القسرية التي يتعرضون لها منذ امد بعيد..”
وهذا بالضبط ما يعانيه الكرد الفيليون من أهلهم في القومية.

فمع كل هذا التهميش واللامبالاة وحتى المعاداة يكون الانتقاد والهجوم وحتى الاتهام موجهاً الى الفيليين دائماً بأنهم بعيدون عن مشاعرهم القومية مستعربون، وأغرب ما في الأمر أن البعض يعيِّرهم بالتبعية الايرانية! وقسم آخر يدعي أنهم ليسوا إلا مئاتٍ في بغداد، في محاولة للتقليل من شأنهم، مع أنهم منتشرون بشكل واسع في كل مناطق بغداد، في مدينة الثورة وحي جميلة وشارع الكفاح بكل مناطقه ومدينة الحرية والبياع والكاظمية والعطيفية وحي العامل والكرادة الشرقية والسيدية والدورة والجهاد والمنصور … وغيرها.

كما أن للكثير من البارزين من الشخصيات الفيلية دوراً هاماً وجوهرياً في الحياة البغدادية وفي مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والدينية، وقد حفروا في ذاكرة المدينة أسماءهم خالدة عبر تاريخها الحديث. وهنا لسنا بصدد الذكر والحصر والتعداد، وهذه مهمة لمقالات وبحوث تتخصص في هذا الجانب.

ليس من حق أحد أياً كان أن يقلِّل من شأن الفيليين في بغداد أو يستصغر دورهم، وكذا في مناطق العراق الأخرى. وإلا فما معنى هذا الركض الآن كتابةً وتصريحاً ومقابلات وندوات على الفضائيات عن الكرد الفيليين والعمل على التقرب منهم والدفاع عنهم لكسب أصواتهم كالعادة عند اقتراب الانتخابات؟!

إن الفيليين بكل تاريخهم ودورهم عراقياً وقومياً وما لا قوه وعانوه وما مرَّ بهم من تجارب يدركون جيداً ويعيون لماذا كل هذا الاهتمام المفاجئ بهم وبقضيتهم. فكلّ فردٍ بالغٍ منهم أدرى بأي اتجاه هو سائر. وبما أنهم مكوِّن عراقي كبير فبالتأكيد هناك اتجاهات مختلفة تتجاذبهم وتشكل مواقفهم السياسية من القوى والأحزاب المختلفة، وكلٌّ بحسب قناعته المتشكلة من مجمل ما عايشه في المحيط الاجتماعي، وما تأثر به في حياته العامة العائلية والمناطقية وكذلك الفكرية والثقافية، بحيث غذّا عنده وقوّى شعوراً وميلاً باتجاه انتماءٍ دون آخر، والكل يعرف أي اتجاهين يتجاذبان الكرد الفيليين مذهبياً وقومياً.

وبناءاً على ذلك، وكما كتبتُ سابقاً قبل الانتخابات العامة في 2005 فإن أصوات الفيليين ستذهب وفق قناعاتهم ومواقفهم السياسية المختلفة التي أشرنا اليها، بحيث لن يكون هناك اتجاه واحد تذهب اليه أصواتهم بمجموعها موحدة، فهذا غير ممكن ولا معقول موضوعياً. فلا يراهن أحدٌ على كسبهم جميعاً أو في الغالب الأعم، ولا يأتينَّ بعد الانتخابات غاضباً ثائراً لينتقد ويهاجم ويسلخ الفيليين عن جذورهم القومية طاعناً فيهم.

إن الانسان لا يختار قوميته أو دينه أو مذهبه، فهو يولد على ما وُلدَ عليه آباؤه. وليس الانتماء العرقي و الديني و المذهبي مِنةً لأحد يسبغها على الآخرين متى شاء أو ينفيها متى رغب أو غضب أو كرهَ، وبحسب مزاجه ووفق الظروف المتقلبة.

عبد الستار نورعلي
7 ديسمبر 2008