الرئيسية » مقالات » – ملاحظات سريعة عن الدستور و ديباجته –

– ملاحظات سريعة عن الدستور و ديباجته –

ظهرت فكرة الدساتير في فترة انهيار العلاقات الاقطاعية البالية وظهور افكار تقدمية – انسانية في مرحلة البرجوازية ، إستوجبت ظهور قوانين تحررية جديدة في اوربا و امريكا خاصة في انجلترا و فرنسا و الولايات المتحدة الامريكية ما بين الاعوام 1646- 1793 . بالرغم من صدور بعض الوائح الدستورية في قسم من الدول ( انجلترا مثلا ) في تلك الفترة ، إلا ان اول دستور مدون – قانون اساسي – بالمفهوم العلمي القانوني (قانون من طراز جديد يختلف عن القوانين الاخرى و متأثرا بلائحة حقوق الانسان الفرنسية ) صدر في الولايات المتحدة الامريكية عام 1787 والساري المفعول حتى يومنا ( جرى عليه 27 تعديل) . وصدر ثاني دستور في فرنسا عام 1791 و في نفس العام صدر ثالث دستور في بولونيا تحت اسم ( ميثاق الحكومة ) . وفي عام 1793 صدر مشروع دستور اليعاقبة في فرنسا ولكن لم يكتب لهذا الدستور اليساري الجيد ان يرى النور بسبب سقوط اليعاقبة . وهكذا انتشرت فكرة الدساتير متاثرة بلائحة حقوق الانسان الفرنسية .
فالدستور يعرف بأنه وثيقة قانونية سياسية اقتصادية اجتماعية ثقافية تحتوي على أهم القواعد الأساسية التي تنظم سلطة الدولة و انتقالها و ممارستها وحقوق و حريات الإنسان والمواطن ومنظماته الخ .
ما ذكر في التعريف ( أهم القواعد الأساسية ) يقصد تلك القواعد التي تنظم حياة المجتمع والفرد والدولة ، وهذا يعني ان لا يكتب في الدستور كل شيء ، بل تدون أهم القواعد و المبادئ الأساسية لكي تكون قاعدة أو مصدرا للقوانين السارية في البلد . اما تفاصيل هذه القواعد و المبادئ الدستورية تدون في القوانين واللوائح و المراسيم و القرارات .

من قراءتنا الأولية للدستور العراقي الحالي نلاحظ أن بين يدينا لائحة دستورية لم يراع في كتابتها مسالة مهمة وهي :– مدخل علمي لكتابة الدساتير !*. كيف؟
لابد أن يكون الدستور بحق قانونا لكل القوانين والقانون الاسمى و مصدرا أساسيا للقوانين، و القانون الأساسي للتشريعات السارية وتلتزم به كل القوانين ، وبأختصار تصبح القوانين و اللوائح غير شرعية اذا تناقضت مع قاعدة دستورية . وعليه لا يمكن جعل الدستور كتيب للتاريخ أو دفتر للإنشاء أو دفتر لكتابة المجاملات لهذه القومية أو الطائفة أو لهذا الدين . وإذا كنا نفكر في بناء دولة القانون وبوضع دستور دائم ، و نظام قانوني مستقر ، فلابد أن نضع في الحسبان الاسئله التاليه : كيف سينظر المواطن العراقي إلى مواد الدستور بعد مرور عشرة أعوام على الأقل ؟ هل ستكون نصوص الدستور مناسبة بعد عشرة أعوام ؟ هل باستطاعة هذا الدستور أن يرشد المواطنين إلى التقدم في فترة لاحقة ؟ وغيرها من الأسئلة . فالدساتير تكتب من اجل تنظيم حياة المجتمع والدولة في مرحلة معينة لمجتمع ودولة ما . والدستور العراقي تنقصه الكثير من هذه المواصفات . نعم .. الصراع السياسي قائم وواضح بين الاطراف . و لكن ، هل يستطيع السياسيون و المشرعون العراقيون ان يبتعدوا عن ذاتياتهم القومية و الدينية و الطائفية و يضعون امامهم : العراق اولا ، و مسئلة اخراجه من حالته المأساوية .


أما الديباجة … فهي جزء من الدستور و تعنى بالبرنامج السياسي والأيدلوجي للدولة .
وهي ليست معيارا قانونيا ولكن لها أهمية قانونية كبيرة . ويجري الاستعانة بالديباجة أحيانا في تفسير المواد الدستورية إن حصلت إشكالات .
ان اغلب دساتير الامم تحتوي على ديباجة . و يخلو منها البعض على سبيل المثال الدستور العراقي لعام 1925 و الاردني والسوري والمصري والقطري واليوناني وغيرها . ولا يعتبر غياب الديباجة من الدستور خلل او نقص . بل هي مسئلة يرتئيها المشرع في الحاجة لوجودها او عدمها.
وفي ديباجة غالبية الدساتير يتم ذكر الحاجة الملحة و الاسباب لاصدار الدستور و (او ) عن طبيعة المرحلة التي يمر بها المجتمع ، و (او) عن ماهية المرحلة من التطور المراد بنائها و (او) عن نضال الشعب في سبيل التحرر و السيادة الوطنية وعن تآخي القوميات و الاديان . على سبيل المثال ديباجة الدستور الاسباني تؤكد على السعي لتحقيق العدل و الحرية و الامن … كذلك ضمان التعايش الديمقراطي على اساس نظام العدالة الاجتماعية – الاقتصادية . وديباجة الدستور الروسي توكد على تعزيز العلاقة بين القوميات والتعهد ببناء الدولة المزدهة ، والدستور السويسري يؤكد في ديباجتة على تعزيز الفدرالية و الوحدة الوطنية ، والتعهد امام الاجيال الناشئة بتحقيق العدالة . اما ديباجة الدستور السويدي تؤكد على ان الشعب السويدي يسعى لتحقيق العدالة والحرية والامن وبناء نظام العدالة الاجتماعية والمساواة بين الاقاليم في المملكة السويدية . في الدساتير العلمانية تكون الديباجة (ان وجدت ) مركزة وذا دلالات ، بعيدة عن التطرف القومي والديني والطائفي . بينما تناولت ديباجة الدستور العراقي المطولة جدا و بعض مواد الدستور العراقي التأكيد وبشكل مبالغ تفصيل الأسس الدينية والمذهبية التي يقوم عليها هذا الدستور . و نجد في الديباجة كلمات دينية ذكرت أكثر من عشر مرات ، على سبيل المثال ( الصحابة ، قيادتنا الدينية ، مراجعنا العظام ، شيعة وسنة ، التكفير….الخ ) . هذا الدستور والدساتير ذات الصبغة الدينية والمؤدلجة تبالغ في تفصيل الأسس الفلسفية والدينية والمذهبية التي تقوم عليها . حيث نجد أن نسبة المواد المخصصة أو المتعلقة بفلسفة النظام غير قليلة فاذا كنا و بحق نريد ان نبني عراق ديمقراطي حقا ، علينا ان نفكر ونعمل على تدوين دستور لبناء دولة ديمقراطية علمانية . لقد اثبتت تجارب الامم ان لا ديمراطية حقيقية الا الديمقراطية العلمانية الوطنية اللا قومية .
لذلك اقترح تغير الديباجة لتكون محتوية على الكثير من المبادئ السماوية و الانسانية المطابقة لمبادئ القانون الدولي ولائحة حقوق الانسان و ما يرتضيه ضمير الانسان المعاصر وضمير الانسان العراقي المتنور . على الشكل التالي :
نحن أبناء وادي ألرافدين ، مهد ألحضارة و صنّاع ألكتابة و الترقيم و التشريع ، من مختلف القوميات والأديان والمذاهب – إقرارا منا بحقوق وحريات ألإنسان وألسلام و ألتوافق بيننا ، و إيمانا بالروابط ألمصيرية ألتاريخية ألتي جمعتنا على أرض بلدنا جميعا ألعراق ، و التزاما بمبادئ ألمساواة و تقرير مصير ألشعوب وتوصيات الأجداد والشهداء الذين أنبتوا فينا ألحب و ألاخلاص لوطننا ، والإيمان بالخير و العدالة و المساواة و الحفاظ على تأريخ و ثقافة و بيئة و سيادة و وحدة أرض و شعب ألعراق ، و تعزيزا للأسس ألديمقراطية وبناء ألمجتمع ألمدني متطلعين إلى حرية و تقدم و إزدهار وطننا ، وتمتين أواصل ألعلاقة مع شعوب ألعالم على أساس ألتعايش ألسلمي لما فيه ألخير لنا و للبشرية جمعاء – منطلقين من مسؤولية عالية إتجاه وطننا و أمام ألأجيال ألعراقية ألناشئة أقرينا هذا الدستور .

* راجع مقالتنا < مدخل علمي لكتابة الدستور> ، المنشورة في موقع الناس 16/8/2006