الرئيسية » مقالات » صراع على بغداد

صراع على بغداد

لا تتميز العاصمة العراقية المعاصرة عن نظائرها من الحواضر الغابرة، فقد عرفت بلاد الرافدين حواضر مدينية في بابل وسومر ونينوى، وكانت بغداد، كما لا يجهل أحد، عاصمة الخلافة في عصرها العباسي. إلا أن السؤال يبقى قائماً: أين مصدر قوة العاصمة العراقية؟ أهو في اقتصادها القوي؟ في التفكير الخلدوني (نسبة إلى عالم الاجتماع ابن خلدون) يقع الاقتصاد في الطور الثالث باعتباره يتبع السلطة السياسية وليس العكس. هذه النظرة الخلدونية لاقتصاد الحاضرة العراقية ما يزال، حتى يومنا هذا، حيّا. نفترق هنا بوضوح عن المقولة الماركسية القائلة بأولوية التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية. فالأولوية في الحاضرة العراقية للغلبة السياسية. كما أن الثقافة السياسية للحاضرة العراقية هي الأخرى خلدونية: عينها على السياسي لا على أرقام البورصة.
فمنذ ما يزيد من نصف قرن تدخلت السلطات السياسية المتعاقبة بصورة واسعة في مجال “تمدين” العاصمة سواء من خلال توزيع الأراضي ومواد البناء أو في إقامة أحياء جديدة. والمحرك الضمني طبعاً أن التجمعات البشرية في بغداد تسهل رقابتها بالمقارنة مع الريف، ذلك أن التمردات على السلطة المركزية كانت في غالبها الأعم تمردات ريفية.
ولئن لم تستطع الدولة الفيصلية إيجاد تسوية تاريخية لمعضلة التنوع الإثني والمذهبي والعشائري في “دار السلام”، فقد كان بمقدور السلطة السياسية – العسكرية بعد 1958 مواجهة معضلة “ترييفها”، فهذه السلطة نفسها كانت قد تريفت إلى حد كبير، لأن الوافدين الجدد حملوا ولاءاتهم وعلاقاتهم في حقائبهم. من هنا المسار المتناقض: “تمدن السكان” مقابل “تريف السلطة”، ومن ثم تمركزها بأيدي ريفية دون غيرها. ويؤكد هذا تمركز الثروة في يدها أيضاً. ولا يدهشنا أن نجد في فترة ما بعد 1968، أن 15 عائلة تنحدر من تكريت أو من الأنبار من أصل 28 عائلة مقاولين كبار. ولكن أين تنفق هذه الثروة، وأين تتم هذه المقاولات؟ في بغداد طبعاً التي تحولت إلى نوع من “الساحة المفتوحة” السلطة فيها والثروة، ولكن معظم المتنازعين عليها ليسوا منها، فهم حملوا معهم عصبياتهم وولاءاتهم وتجمعاتهم السكنية، فلم يندمجوا فعلاً، لأن بغداد تبدو لنا اليوم نوعاً من الفيدرالية لأحياء متمايزة اجتماعياً، وفي معظم الأحيان طبقياً وإثنياً وطائفياً. هذه المناطق تربطها علاقات تتدرج من التكامل والتعاون إلى الحرب الأهلية المفتوحة.
في هذا المجال، تتركز متاريس الاحتراب الأهلي بوضوح في العاصمة التي تضم خلائط أو معادن بشرية هي في الواقع مرايا متكسرة لكتل اجتماعية قابلة للانقسام العمودي بين سُّنة وشيعة، ذلك أن بغداد أنشئت مقسومة على نفسها طبيعيا، ومختلطة بمحيطها الريفي، وملتبسة الحدود الإدارية ومتغيرتها، تبعاً لطبيعة السلطات التي تتوالى على البلاد، فهي تبدو، كأنها حائرة الملامح السياسية والولاء، منقادة لمصير خارجي مستديم، وغير قادرة على تحديد خياراتها بنفسها. ولذلك فهي تدفع ثمن هذا التنازع حينأ بين أن تكون عاصمة للكيان السياسي العراقي وبين كونها حاضنة لذاكرة العراق التاريخي، على الأقل في المخيلة الجمعية لأبناء وادي الرافدين، وحيناً آخر بين أن تخلق بيروقراطيتها المحلية الحديثة برمتها من مندوب سام وعرش ملكي إلى حاكم عسكري إلى ديكتاتور، وبين كونها نتاجاً ثقافياً لعملية التحام بين عصبيات متنافسة تسعى لانتقال الولاء من الجماعة التقليدية إلى فضاء المدينة الواسع.
وعلى مر العهود، تكرست أنواع شتى من الفرز بين عامتها وخاصتها، جندها ونخبتها، جياعها ومتخميها، سكانها الأصليين المفترضين، والوافدين إليها بتراتبية صارمة تمنح الأقدم امتيازاً على الأحدث. بيد أن التنوع البشري لم يتحول إلى اندماج مديني كامل بين سنّتها وشيعتها، طيلة أكثر من ثمانية عقود مرت على إنشاء الدولة العراقية الحديثة.
تقليدياً، يبدو جانب الكرخ، هو الأكثر تواجداً للسنة، فيما يعد جانب الرصافة معقل الأكثرية الشيعية، لكن هذا لا يعني تنميطاًُ عاماً للجانبين، فثمة تداخلات من الصعب إيجاد مفصل واضح لتمييزها، فمرقد أبو حنيفة النعمان ومنطقة الأعظمية، تقع على الضفة الشرقية لنهر دجلة، أي في جانب الرصافة، فيما يقع مرقد الإمام موسى الكاظم ومنطقة الكاظمية في كرخ بغداد، وثمة جسر للأئمة يربط الضفتين.
وبالرغم من ذلك، يمكن للمراقب الحصيف أن يرسم معالم واضحة نسبياً لإيقاع الجغرافيا البشرية المتخلخلة، حيث التجمعات السكانية المتداخلة طائفياً ما بين الكرخ “الشرقية” والرصافة “الغربية” بالمعنى البيروتي، التي أعادت التمركز في “كانتونات” جديدة بعد أن شهدت مناطقها “تنظيفاً” طائفياً بهدف خلق ديمغرافيا طائفية صافية في جانبي بغداد، ليس من خلال دخان العنف والتهجير القسري والقتل على الهوية فقط، بل تطلب ذلك أيضاً تدرجاً في دراما الحرب الأهلية. ولم يعد الأمر مقتصراً على الساحة البغدادية ذاتها، بل على خاصرتها أيضاً من خلال تضييق الخناق عليها بعد أن وسع السنّة مناطق نفوذهم إلى اللطيفية وتحويلها “إمارة” رديفة لنظيرتها في الفلوجة، مستندين، في الأساس، على المحيط السني المتوزع إلى الجنوب من اللطيفية وتحديداً في بلدات الإسكندرية والحصوة والمسيب وجرف الصخر التي تحولت إلى فخ قاتل وقع فيه الكثير من الزوار الشيعة، كما ابتلع المئات من المسافرين خصوصاً على الطريق الرئيسي الذي يصل بين العاصمة بغداد ومحافظات الفرات الأوسط، وهو ما عرف لاحقاً بـ “مثلث الموت”.
يتجاوز عدد سكان بغداد اليوم سبعة ملايين نسمة، ما جعلها واحدة من بين العواصم الكبرى لجهة الكثافة السكانية، إلى جانب جاكرتا والقاهرة وطهران. لكن العاصمة ظلت رجراجة ديموغرافياً، بشكل لافت، أكثر من أي عاصمة أخرى، في موجات النزوح إليها سواء من مدن عراقية أخرى أو من أعماق الريف العراقي. إلا أن الأرقام المتاحة تشير بوضوح إلى زحف ريفي ساحق باتجاهها. يذكر حنّا بطاطو مثلاً معطيات التعداد السكاني لعام 1957 وهي تشير إلى أن 29 بالمائة من سكان العاصمة آنذاك ولدوا خارجها، هي الآتية من عمق الريف الجنوبي الشيعي، بل أن 40 بالمائة من هؤلاء تنحدر أصولهم من لوائي العمارة والكوت بمفردهما. وبالرغم من اعتماد الحكومة قانون رقم 28 لسنة 1933 القاضي بإرغام الفلاح على البقاء في أرضه، إلا أنه لم يستطع الحد من هذه الظاهرة التي تفاقمت على نحو غير مسبوق.
وعلى رغم أن بغداد مثلت في أول حكومة عينها البريطانيون في أعقاب الحرب العالمية الأولى، بنقيب الأشراف فيها، عبد الرحمن النقيب الكيلاني (السني) في الحكومة الانتقالية التي شكلها السير بيرسي كوكس الحاكم المدني البريطاني للعراق، إلا أن مهمة هذه الحكومة لم تتعد مجرد المناداة بالملك فيصل الأول ملكاً على البلاد، وهو المولود، أصلا، في الحجاز، لتصبح بغداد منذ ذلك الوقت مقراً للعرش، وقصراً لإقامة الرؤساء الذين جاؤوا تباعاً إلى العاصمة من خارجها.
في العهد الملكي، كان ثمة حكومات ذات طابع بغدادي، على نحو أو آخر، لكن البديل العسكري للعرش تبدلت هويته باتجاه نمو نفوذ أبناء المدن الريفية الصغيرة الشمالية السنية، إذ لم تقدم بغداد رئيساً للعراق ينتسب إلى إحدى عوائلها التقليدية أو ينحدر من أحد أحيائها القديمة، ولم تنتخبه كذلك. ومع إن عدداً من هؤلاء صادفت ولادتهم في بغداد، إلا إن جذورهم العائلية ظلت ممتدة في أماكن أخرى كما هو واضح، فعبد الكريم قاسم ينحدر من قضاء الصويرة أحد توابع محافظة واسط جنوب بغداد، والأخوان عبد السلام وعبد الرحمن عارف ينحدران من محافظة الأنبار غرب بغداد، والقريبان أحمد حسن البكر وصدام حسين من تكريت شمال بغداد، وهي المحافظات المتاخمة للحدود الإدارية للعاصمة، في الوقت الذي كانت فيه بغداد تتوسع من خلال هجرة مكثفة أغلبها من الريف الجنوبي الشيعي. وإذا شئنا القول ولو من باب التبسيط إن انقلاب 1958 وحملات التطهير التي تلته ستقضي على النخبة السياسية المدينية – البغدادية إلى حد كبير، ليحل مكانها تجمع من الضباط لن تلبث الأهواء المحلية أن تعصف به، بعد مرحلة من الحكم الفردي القاسمي. ولكن بينما كان عدد سكان بغداد يتضخم بصورة متسارعة، كانت السلطة المدنية تنتقل إلى يد أبناء المدن السنة الصغيرة. وقد لاحظ البعض أن أبناء التجمعات السكنية التي يقل عدد سكانها عن 200 ألف نسمة احتلوا 36 بالمائة من مجموع المقاعد الوزارية في فترة حكم عبد الكريم قاسم، 63 بالمائة من المقاعد الوزارية في عهد الأخوين عارف، و75 بالمائة في السنوات السبع الأولى من حكم حزب البعث. ويعزى سبب هذا الارتفاع، بين أمور أخرى، إلى التغييرات الحادة التي طرأت على قيادة الحزب في الفترة ما بين 1963 و 1968، أي بعد عملية الإطاحة بقيادة على صالح السعدي. وبالفعل، فقد كان جميع أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث عام 1963 من أصول غير بغدادية، رغم أن اثنين من أصل ثمانية كانا من مواليد بغداد. وكانت هذه الأصول، إجمالاً، جنوبية شيعية، لاسيّما في ما يخصّ السعدي نفسه وحازم جواد وطالب شبيب. ولقد تأكدت هذه الهوية “الخارجية” بعد الإطاحة بمجموعة السعدي، إذ انتقل مركز الثقل إلى “المثلث السنّي”، حيث يمكن اعتبار 1968 مفصلاً حاسماً في التقاء النواة الصلبة المكونة من النخبة العسكرية المسيطرة مع النخبة المدنية للحزب المنتمية هي الأخرى، إلى أصول متشابهة إن لم تكن واحدة، ضمت، بين آخرين صدام حسين وصلاح عمر العلي وخير الله طلفاح ومرتضى الحديثي وعبد الخالق وعبد الله السامرائي وعزت مصطفى وعزت الدوري. بيد أن هذا التلاقي لم يمنع من عملية إعادة ترتيب مستمرة داخل هذه النواة، ذلك أن الولاءات المحلية التي عصفت بالضباط قبل 1968، ستعصف أيضاً داخل النواة الصلبة للقيادة العسكرية – المدنية وستؤدي، بين أمور أخرى، إلى تهميش مجموعة نقطة ارتكازها سامراء، ثم إلى تصفية جناح آخر ذي أصول شيعية – جنوبية.
وفي الأعوام اللاحقة، ظلت بغداد مركز سلطة من دون اسم، أو بالأحرى نقطة التقاء “مجلس قيادة الثورة” و “القيادة القطرية” لحزب البعث في استمرارية مدهشة للخلل الطائفي والجهوي على حد سواء. فقد ظل للسنّة نصيب الأسد في تقلّد المناصب العليا، وكان هذا الخلل يتفاقم بصورة مذهلة في السنوات الأخيرة لعهد صدام. لاحظت فيب مار أن مركز ثقل النخبة الحاكمة في بغداد في العام 1998 كان لصالح المكوّن السني (61 بالمائة)، فيما احتل الشيعة نسبة 28 بالمائة وكان نصيب الأكراد لا يتجاوز 6 بالمائة وما يماثلها للمسيحيين وإن على مستويات حكومية أقل. ويقف القادة الجدد الذين برزوا على الساحة السياسية على طرف النقيض من أسلافهم وعلى انقطاع واضح عن الماضي. وليس من الغريب أن قيادات مرحلة ما بعد صدام حسين تمثل تحولاً حاداً في التوازن الطائفي والإثني، فقد انتهت الهيمنة السنية وأصبح للشيعة حصة الأسد، فيما حافظ ألأكراد على حصة متقاربة مع المكوّن السني..
يتبع ….