الرئيسية » مقالات » مدخل إلى مقولة (الشرعية الدينية)

مدخل إلى مقولة (الشرعية الدينية)

تستند هذه المقولة إلى مطلقية الفكرة القائلة باستنباط القوانين والدساتير من رحم الخطاب المنزّل الوهيا والذي تحول إلى نص لاحقا,حيث جاء التفسير أو التشريع النبوي كضرورة إيضاحيه,حينا كملحق للنص وأحيانا بالتوازي معه.
لقد كان للعقل الفقهي دور تاريخي مفرمل عموماً للمحاكمة العقلية,فعلى صعيد الفكر الإصلاحي أحدث العقل الفقهي سلسلة محرمات كانت بمثابة تقييد بل إدخال المرحلة الحضارية في حالة ركود عقلي حيث قام هذا العقل بإصدار الفتاوى التكفيرية ضد المفكرين حيث أُحرقت كتب الفلاسفة وحُرمت علوم مثل علم الكلام والفلسفة(مَن تفلسف تزندق)وألغوا أي دور للعقل في التحسين والتقبيح كما قال به المعتزلة مثلا , وحتى في المجالات الحيوية مثل الطب تم الاستغناء عنه أو التشكيك به فأحدث الطب النبوي , وأضيفت الآلاف من المعجزات إلى الرسول إثر عمليات التشيع ( الصراع السياسي ) . إن آلية ربط علم التشريع الإلهي الحرفي وبين القوانين الوضعية وهذا الخلاف البنيوي المعتمد على جمودية النص ( بطلان أي علم إذا لم يتطابق مع النص ) وتحررية وتطورية وتعددية الظواهر الاجتماعية والأخلاقية أدى بالضرورة إلى إبراز فكر فقهي سلفي عطل التشريع الديني ذاته وأطر مستويات التطور العقلي الحضاري ثانيا .
وأضطر الفقهاء وتحت ضغط الاختلاف الموضوعي السابق واللاحق حضاريا إلى التوسع في علم التفسير ما أمكن ورغم ذلك لم يصل التفسير إلى مستويات يسمح بالتطابق التام بين الظواهر الاجتماعية والأخلاقية الراهنة والسابقة , الأمر الذي أدى إلى التفكير في إدخال مصادر أخرى إلى التشريع مثل الاجتهاد والإجماع … الخ , وإلى أمر خطير آخر وهو تشكل الطوائف والمذاهب على أسس فكرية دينية ظاهريا وبأرضية سياسية جوهريا .
إن التوجه إلى تفكك الإشكالات الفكرية منهجيا غير ممكنة إلا بمعطيات موضوعية منتجة معرفيا وإذا أسقطنا المنهجية الفكرية السابقة على موضوعتنا هذه لظهر :
1- الاعتماد على موروث غير متجدد , وما يترتب على ذلك من إشكالات بل صراعات فكرية قد تتحول إلى مواجهات مجتمعية , وهذا ما هو ملاحظ الآن .
2- كسر الروابط التطورية بين المراحل التاريخية المتتالية , والذي لا يمكن أن يتم إلا بخلق موجة خروج من التاريخ , وبالتالي تصارع داخلي مرافق
وناتج لتصارع مع الخارج .
ووفقا لهذه المقدمة التاريخية أساسا , الفكرية تزامنا , لا يمكن إسقاط الدولة الإسلامية الأولى بآلياتها المحددة ومؤسساتها البدائية وحكمها المطلق على العصر الراهن بكل ما أفرزه من فكر للدولة الحديثة سياسيا ليس ببعده العسكري بل المؤسساتي والإداري .
إن بناء الدولة المؤسساتية لم تكتمل إلا بتجاوز سطوة الكنيسة والعقل الكنسي ذاته داخل المجتمع الغربي حيث تم جره ( أي الفكر الديني ) خارج إطار الهيكلة السياسية وسمح له بالبقاء داخل الذات وبخط واصل مع الإله دون أن يمر هذا الخط بمؤسسات الدولة .
إضافة إلى أنه ربط المجتمع المتجدد والنامي باطراد إلى نص شرعي ثابت غير ممكن واقعيا وبالتالي لا يمكن بناء الدولة العصرية في ظل حكم ماضوي لأسباب منها :
– حصر التطور العقلي بمدى تطابقه مع النص .
– إحكام السيطرة على النص من خلال التفسير الوهمي غير الموضوعي وأيضا القاصر ذاتيا كمصلحة سياسية حينا وذكورية أنانية حينا آخر .
– قدسية الفرد ( المؤمن ) دون الآخرين وبروز النظريات التكفيرية والنظريات الحتمية كالحاكمية .
وفي الساسة يظهر هذا التوجه الرافض للنقد باعتباره كلام الثاني على كلام الأول ( كما عرّف قديما ) تأييدا أو رفضا إشكالية مجتمعية كبيرة في الدولة الحديثة .
وكذلك إشكالية تحكم العقل الفقهي السلفي ( ولاية الفقيه والتي هي غريبة عن الفكر الشيعي ذاته , والجماعات التكفيرية المستندة إلى تفسيرها الخاص للنص ) بكل مرافق إدارة الدولة , يخلق تناقضا يؤدي حتما إلى ديكتاتورية الطائفة أو المذهب أو دينية عامة فيدفع المجتمع إلى الاغتراب والتهشم بين عدالة صورية واحتياجات قيمية متجددة , فيقع المجتمع المحكوم في أزمات روحية فكرية ( رغما عن الصيام ) ومعيشية مادية ( رغما عن الزكاة ) .
ثم إن هذه الدولة ليست بالضرورة أن تكون إسلامية , فيمكن أن تكون مسيحية أو يهودية وغيرها (رغم افتقادها إلى التشريع الحديدي ) وهي محكومة بالتوجه إما إلى فرض مقولات الماضي على الحاضر عنفا وإما التحول نحو العلمانية الهادئة ودفع الدين ليكون موجها روحيا طالما هو موجود .
هامش : أعتقد بأن الدولة التي تحكم بالتشريع الديني غير قابلة للحياة إلا بلحظة خاطفة من التاريخ والحضارة , فتصور إقامة حد قطع اليد على السارق في دولة الفساد والإفساد , وحد الزنا في دولة تعتمد الرفض الشرقي وشواطئ العراة وفنادق ( الاستراحة ) كمقومات للصناعة السياحية , أو شهادة امرأتين مقابل شهادة رجل في دولة تحكمها امرأة .