الرئيسية » مقالات » اعياد العراقيين تهاني ام مواساة؟؟؟

اعياد العراقيين تهاني ام مواساة؟؟؟

لا اتذكر كم عيد مر وانا ارسل التهاني الى الاصدقاء، وفي كل مرة اواسيهم “في سري” على معاناتهم…
اجد نفسي مضطرا لابارك لهم بمناسبة تجمع كل متضادات الحياة، الا البركة، اتمنى الخير وفيها كل شيئ الا الخير. وابادرهم بالامنيات وانا اعرف كلها مستحيلة.

فعلى ماذا تهنئ مغترب، لم يعد له من مدينته، سوى بضعة صور اسود وابيض، ومن ايام طفولته، ومن وجه امه التي ماتت بحسرته سوى غصة وقصص بدأ ينسى الكثير منها؟

وعلى ماذا تهنئ عائلة فقيرة مهجرة، مازال بيتها مغتصبا ولم تعاد لها اموالها التي صادرتها الدولة العراقية، ومازال اطفالها محرومون من جنسية بلدهم، وفوق هذا فليس هنالك صوت في هذا العالم الكبير، الممتد على مساحة الكرة الارضية يتذكرهم؟ وهي بحاجة لمن يواسيها لا لمن يهنئها!

وعلى ماذا تهنئ عائلة شهيد، قضى الاب تحت التعذيب، او بحوض تيزاب، من اجل الاخرين، في حين يخذلهم اليوم هؤلاء الاخرون، والسياسيون الذين تسلقوا على دم ابيهم لمناصب الاثراء الجديدة؟

على ماذا تهنئ عائلة حديثة التكوين، على الزوج الشاب فيها ان يعمل 500 سنة ليجمع ثمن بيت صغير في بلد قفزت اسعار المساكن فيه فجأة اعلى من هونغ كونغ ولندن وسنغافورة؟

على ماذا تهنئ عراقي وبلاده على ابواب حرب تعيد الى الاذهان مارشات وعبارات “الجيب العميل” و”العصاة”، تهدر ميزانيات بلاده الانفجارية على مجالس الاسناد والصحوات وشيوخ العشائر.

قد تجوز التهنئة لعضو برلمان يقيم في دولة مجاورة تصله رواتبه الشهرية دون عناء، يوفر منها مخصصات الحماية ثم يستلم، اضافة لذلك، “معونات” من ايران والسعودية.

وقد تجوز التهنئة لسياسيي الاسلام الجديد الذين نزلوا على السلطة مع دخول الامريكان كهجمة الصقر على فريسة، وبدأوا بتكديس الاموال، وشكر الاله على هذه المغانم في جلسات “دعاء كميل” و “الحج على الواهس” وغيرها.

فماذا افعل اذا كان كل الذين اعرفهم هم من الصنف الاول، اما مغترب يحضر في ليلة الويك ايند زجاجة فودكا، وعلبة ايس كريم، ليبكي امه التي قضيت كمدا دون ان يراها.
او مهجر مازالت حكومة “العراق الجديد” تنصحه بعدم العودة، لان الميزانية الانفجارية لا تكفي لتعويض غاصبي الدور المصادرة.
او عائلة شهيد تنتقد ابيها الذي فرط باطفاله من اجل ان يصل رجل نصفه ديني ونصفه الاخر بعثي الى كرسي رئاسة الوزارة.
اما البرلمانيين، واثرياء العهد الجديد، من حفظة الادعية، والقافزين بالزانة على اكداس القيم فليس لي بينهم نصيب…

وما يثيرني، مع كل عيد، هو استمرار ذات الكليشه، اكررها للجميع “يعود عليكم بالخير والبركة ..” وانا اعرف جيدا كيف سيعود، بأي خير واية بركة! خير الغلاء والبطالة وبركة الكوليرا والسرطانات النادرة.

عاد هذا العيد على الفقر وتشغيل الصغار باعمال الكبار والتجهيل والتسطيح الفكري الذي يمارسه الاعلام، فهل هذا هو الخير؟ وعاد على تنافر طائفي يدفع الازواج لتطليق زوجاتهم “من الطائفة المقابلة”، وعلى دعوات المالكي والنجيفي لعسكرة المجتمع عرقيا، فهل هذه بركة؟

اعترف باني اتحول، مع اطلالة كل عيد الى منافق بترديدي “عيد سعيد”، “بالخير والبركة”، “يعود عليكم بالـ….”، الى ذلك من البلوكات اللفظية الجاهزة، التي فرغت من معانيها منذ سبعينيات القرن الماضي. واعترف ان الكثير من اصدقائي اكثر فطنة مني، فلا يخفي عليهم حقيقة نفاقي، الا انني رغم ذلك اكرر نفس العبارات، وهنا ايضا، اقول لكل العراقيين، بل ولكل الناس على وجه الارض عبر هذه المقالة وبقلب صادق، سواء قرأوا ما كتبت ام لا، وسواء اعتبروها تهنئة، ام مواساة: عيد سعيد، بالخير والبركة، ويعود عليكم بالامن واليمن والسعادة والرخاء……..