الرئيسية » مقالات » نعال لكل صديق وقبر لكل معارض!!

نعال لكل صديق وقبر لكل معارض!!

كان صديقنا محسن يملك معملا لصناعة (النعل) في شارع النهر،ويملك قلبا طيبا وكرما غير مسبوق،لم يترك احدا من اصدقائه دون ان يعطيه )نعال(، حتى انه علق في غرفة استقبال الضيوف يافطة لطيفة لاتخلو من روح الدعابة مكتوب فيها :(نعال لكل صديق وقبر لكل عدو) لم يترك احدا من زائريه وضيوفه دون ان يسأله عن عدد افراد اسرته لكي يزودهم بكميه من انتاجه من (النعل) !!.

في بدايةالتسعينات حينما ازدهرت صناعة شيوخ العشائر، او ما سمي وقتها (شيوخ التسعين) ، حيث كانوا يمثلون قطب الرحى وقت ذاك ، زار محسن احد هؤلاء الشيوخ الصداميين ، الذين يتطاير الشرر من عيونهم ، كان اسمه الشيخ حمدان .

استفز الشيخ عند قراءته اليافطة المعلقة في غرفة الاستقبال ، لم يلحظ محسن روح العداء والانفعال والشر التي طبعت وجه الضيف وحولته الى كتلة من لهب ، استقبل محسن ضيفه بود عظيم وحفاوة كبيرة، بعد الضيافة والمجاملات هم الشيخ بالمغادرة ، بادره محسن بالسؤال عن عدد افراد اسرته واعمارهم كي يزوده (بالنعل) !!.

لم يعرف محسن ان كرمه وخلقه النبيل سيوقعه في مطب مع ضيفه الشيخ حمدان ، الذي رد على عرضه بصدودوجفاء، وتساءل:(شنو شفتني جايك حافي ، لو انه فقير ومحتاج النعلك ،هاي مو خوش شغلة وما تمر هيج ) خرج بعدها الشيخ حمدان غاضبا .

لم يعرف محسن كيف يرده ، لان الموقف عقد لسانه ، نحن حسبنا ان القصة ستنتهي عند هذا الحد ، لكنها اخذت مديات ابعد،حينما طالب الشيخ حمدان محسن باعتذار رسمي ، وبفصل عشائري على ما اعتبره اهانة له.

لم تنقذ محسن كل وساطات الاصدقاء والمعارف،دفع محسن المقسوم واقسم وقتها ان لا يعطي نعالا مجانيا لاي شخص اخر.

وهكذا حرمنا نحن اصدقاؤه من (النعل) الممتازه واتجهنا صوب النعل المستوردة .

لكن الطريف في الامر ان يافطة محسن كانت عرضة للتغير حسب الظرف السياسي ، وحسب الموقف، ألطف من علق عليها صديقنا خلف ، الذي كان يستمع لصدام وهويقول في احدى خطاباته (كان العراقيون حفاي واحنه لبسناهم نعل) ، بعد خطاب صدام كتب خلف يافطة جديد:(نعال لكل مواطن وقبر لكل معارض)، لكنها لم تعمر طويلا حيث مزقها محسن .

يبدو ان البعثيين لم يتعظوا من دروس التاريخ ومن تجاربهم الفاشلة في حكم العراق ، وحسبت انهم وبعدما مروا به من تجارب مرة سيراجع العقلاء منهم مسيرتهم ، لكي يصوبوها ويعتذروا للعراقيين عما لحقهم من اذى بسبب جرائمهم ، لكنهم ظلوا يركبون موجة العناد الفارغ ويرددون نفس الشعارات التي اسقطتهم !!.

احتفل اغلب العراقيين بسقوطهم ، ولم يخرج احد للدفاع عنهم وعن قائدهم ، ولم يدافعوا هم عن انفسهم وعن العراق ، وكانوا مسلحين حيث تحولت بيوت الرفاق الى مشاجب ذخيرة لم تستعمل ضد من احتلوا العراق وطردوهم من الحكم .

هل يقارن تخاذل البعث وجماهيره بوقفة العز والشرف، التي وقفتها الجماهير العراقية النبيلة عام 1963؟؟

حينما هبواللدفاع عن ثورة 14 تموزالعظيمة ، وعن القائد الوطني عبد الكريم قاسم ، حيث رسموا بدمائهم الطاهرة اجمل لوحات الكرامة والشرف والنبل ، حينما تصدوا بصدورهم العارية وبالخناجر لدبابات المتامرين البعثيين.

لم يتعظ البعثيون وخطابهم لم يتغير ، حيث انهم حاذقون باطلاق التسميات على غير المسمى ،اخر شعاراتهم (صدام شهيد الحج الاكبر،

الرئيس العراقي المنتظرعزت الدوري ، تحية عز وفخار الى المجاهد الكبير عبد الغني عبد الغفور ) !!.

كنت احسب ان الضحايا من البعثيين ، او ابنائهم سيكونون مع التغيير الذي اطاح بمن ظلمهم، لكن ما قرأته وسمعته اثبت عكس ذلك ، والا ما الذي دفع تغلب شفيق الكمالي بالعودة الى اللاشادة في (المقاومة) !! وهو في منفاه في البو كمال في سوريا لينضم لجوقة المطبلين ، او من دفع رنا ابنة صباح مرزا الذي مات وهو مبعد ومعزول ان تتغنى بصدام ، ودخل عمها سردار لنفس الجوقه ،لحقهم رعد هزاع عمر التكريتي والقائمة طويلة ويبدو ان لاشيء تغير !!.

(وكل اناء بالذي فيه ينضح) .

بعد مقالي الاخير عن طارق عزيز ، الذي اوضحت فيه كيف توسل هو وابنه من اجل ان يبقى سجينا في سجون الامريكان ، وصلتني رسائل كثيرة لاتختلف في اسلوبها عما اعتدناه من شتائم البعثيين، لكن ما ميز احداها انها جمعت بين الترغيب، والنصح ، والوعود بمنح وهدايا وجنة عرضها السماوات والارض ، اذا بدلت مسيرتي واصبحت من (المقاومين) !!، وفيها التهديد الاجوف ، الذي استعمله صدام كثيرا ايام حكمه ولم ينفذ الا على رؤوس (ولد الخايبة) من العراقيين ، واخر رسائلهم ذكرتني بشعار صديقنا محسن بعد ان غيره صديقنا خلف ليصبح:(نعال لكل مواطن وقبر لكل معارض)

اذا كرموني فان كرمهم لي سيكون مؤطرا بدماء العراقيين، وسيكون حتما من اموال عراقية مسروقة ، ولا تتعدى قيمته لدي اكثر من (نعال) ، لكنه لن يكون حتما بمستوى نعال صديقنا محسن .