الرئيسية » مقالات » هل أن السيد طارق الهاشمي جاد في دعوته لنبذ الطائفية ومحاصصتها؟

هل أن السيد طارق الهاشمي جاد في دعوته لنبذ الطائفية ومحاصصتها؟

في السادس من كانون الأول الجاري، بادر السيد طارق إلى عقد مؤتمر صحفي لعرض موقفه من الاتفاقية، التي صادق عليها بين الولايات المتحدة والعراق إلى جانب أعضاء الرئاسة ومجلس النواب والحكومة العراقية. كما عرض نائب الرئيس العراقي السيد طارق الهاشمي مواقف حزبه حيال عدد من الأمور المهمة القائمة على الساحة العراقية.

ففي معرض حديثه عن الموقف من الاتفاقية الأمنية، أورد السيد النائب ما يلي:”إن ما تحقق يمكن عدّه على العموم إنجازاً طيباً يصب في صالح الشعب العراقي، فهو من جانب يقربنا كثيراً من اليوم الذي نستعيد فيه كامل سيادتنا بإلزام القوات الأجنبية بالخروج في أقرب وقت ممكن عملياً في إطار مدروس ومحسوب ومبرمج يستند إلى الحالة الأمنية في العراق (التشديد من كاتب المقال). إلى هنا فموقف السيد النائب واضح ولا يحتاج إلى تأويل، ويصب في مجرى ما يطرحه المسؤولون الأمريكان حول مسألة انسحاب القوات الأجنبية من العراق بالارتباط مع تحسن الحالة الأمنية وتراجع النشاط الارهابي. ولكن وفي نفس المؤتمر الصحفي يعود السيد النائب ويناقض نفسه ويغازل الطرف الآخر المعارض للاتفاقية حيث يقول:”وبقيت مواد يصعب قبولها أو الاقتناع بها، ولهذا فبقدر ما في الاتفاقية من مصالح راجحة فإن فيها مفاسد واضحة”، ولم يذكر السيد طارق الهاشمي هذه “المفاسد” ولماذا غض النظر عنها، في الوقت الذي يدين فيه الشرع الإسلامي المفاسد ويطلب أول ما يطلب محاربة المفاسد وليس القبول بها. وهي اشكالية “شرعية” تواجه رئيس حزب ديني كالسيد الهاشمي رئيس الحزب الإسلامي العراقي.

أما المفاجأة التي أوردها السيد طارق الهاشمي في مؤتمره الصحفي وأثارت دهشة الجميع هي ما طرحه قائلاً:” وفي هذا الصدد أضع أمام إخواني العراقيين والساسة منهم على وجه الخصوص خطة عاجلة للإنقاذ تستلزم الخروج عاجلاً من ضيق المحاصصة الى سعة الفضاء الوطني الأرحب، ومن الانتماء الضيق الى الانتماء الواسع، إلى نموذج ننطلق فيه ابتداء من العقد الوطني الذي طرحته منذ اأشهر الى تعديل الدستور الى إعادة تشكيل الحكومة بوزراء يجري اختيارهم على أساس المواطنة وعلى أساس معيار المواطن المناسب في المكان المناسب ليس إلاً. التخلي عن خيار المحاصصة يتطلب التضحية والتغيير وإذا وجدت الأحزاب والكيانات السياسية المعنية حرجاً في ذلك، فأنا على استعداد ان أكون المبادر والمثل في التخلي عن منصبي في الدولة ومعي أعضاء الحزب الإسلامي العراقي وجبهة التوافق أملاً في إعادة تشكيل حكومة جديدة على الأسس التي ذكرت، وآمل ان تلقى مناشدتي هذه صدى طيباً عند الاخرين وان لا يتأخروا كثيراً في ذلك”.

هذه الدعوة المهمة والخطيرة والتي ينتظرها العراقيون بفارغ الصبر تنطوي على عدد من الدلالات المهمة أيضاً. فهي من جانب تشير وبشكل قاطع على الخطأ الذي ارتكبه الحزب الإسلامي باعتباره كان من النشطين في تكريس مبدأ المحاصصة الطائفية، رغم أن السيد الهاشمي لم يعترف بهذا الخطأ في مؤتمره الصحفي، والاعتراف بالخطأ فضيلة. كما إن هذه الدعوة المهمة تدل بشكل قاطع على أن الخيار الطائفي والتستر بالدين والرموز الدينية في انتخاب ممثلي الشعب وفي التعيين في المناصب على قاعدة المحاصصة الطائفية، والخيار الطائفي المذهبي في العلاقات الاجتماعية بين العراقيين أصبح خياراً مداناً وممجوجاً في المجتمع بسبب الكوارث التي ألحقها هذا النهج بمصائر العراقيين، مما ترك أثراً ايجابياً في تغيير خطاب الرموز السياسية بل وحتى الرموز الدينية التي شعرت بخطورة اللعب بلهيب الحريق الطائفي، الذي يساوي بين الجميع بكوارثه. وتأتي دعوة السيد نائب الرئيس في إطار الاستجابة للضغط الشعبي بضرورة التخلي عن الطائفية ومحاصصاتها والعزف على الوتر الطائفي المذهبي الذي يلحق الدمار بالعراق. وليس من قبيل الصدفة أن يعلن العراقيون في مناسبة أو غير مناسبة وعلى شاشات التلفزة عن إدانة من يتبنى المشروع الطائفي ومحاصصته.

ونأمل أن تتحول هذه الدعوة إلى تطبيق عملي رغم ما ينتاب الكثير من المراقبين من شكوك أزاء هذه الدعوات التي يطلقها قادة النخب الدينية بمناسبة التحضير لانتخابات مجالس المحافظات. و تثار هذه الشكوك حتى فيما ورد في المؤتمر الصحفي للسيد نائب الرئيس، إلى جانب دعوته الإيجابية بنبذ المحاصصة الطلئفية. لقد تحدث السيد النائب وبحق عن انتهاك حقوق الإنسان من قبل بعض الأجهزة الأمنية الملونة بلون طائفي مغاير للون الطائفي للسيد النائب. وتقر الغالبية من العراقيين على أن هناك خروقات فظيعة فيها بسسب تشكيل بعض الأجهزة منذ البداية على أساس طائفي وليس عراقي. ولكن السيد النائب لا يتحدث عن ما قام به المتطرفون من اللون الطائفي الذي ينتمي إليه من انتهاكات وجرائم، بل يطالب بإطلاق سراحهم. كما أن السيد الهاشمي لم يشر إلى المنظمات الإرهابية والجيوش المسلحة التي تنذر وتتوعد وتقتل العراقيين على أساس طائفي ولحد الآن. إن الإعلان عن أية خروقات يجب أن تطال كل الخارقين ومن مختلف الألوان المذهبية وبمن فيها اللون المذهبي للسيد الهاشمي الذي غالباً ما يلزم الصمت أزاء خروقات من ينتمي إلى طيفه ويركز فقط على خروقات الطيف الآخر.

كل هذا في جانب، ولنعتبره في ذمة التاريخ. ولكن تثير هذه الدعوة للسيد الهاشمي الشكوك لدى المواطن العراقي عندما يصدر من حزب لحمته وسداه طائفي. إذ أن أول خطوة ضرورية لازالة الطائفية ومحاصصتها تستدعي إعادة النظر في بناء وتركيب الأحزاب الدينية الطائفية وبضمنها الحزب الإسلامي العراقي الذي يترأسه السيد النائب. فالحزب الإسلامي العراقي، وريث حركة الأخوان المسلمين في العراق، هو حزب مذهبي طائفي لا يضم في صفوفه إلاّ لوناً طائفياً واحداً لا غير، ولا يضم في صفوفه عراقيين من مختلف الأديان والأطياف. فإذا أراد السيد الهاشمي أن تتحقق دعوته في إزالة الأساس الطائفي ومحاصصته، فعليه أن يعيد النظر في هذا البناء لحزبه، ويدعو كافة الأحزاب الطائفية المذهبية الأخرى مثل حزب الدعوة الاسلامية والمجلس الإسلامي الأعلى والفضيلة إلى إعادة النظر في موقفهم من احتكار الدين والمذهب لهم فقط، وكأن باقي العراقيين زنادقة وأعداء للإيمان الديني. ولهذا فعلى هذه الأحزاب التخلي عن الستائر الدينية في أسمائها ولافتاتها وإعادة النظر في بناء أحزابها وتركيبها كي يتخطى المجتمع العراقي ظاهرة الطائفية المقيته التي ينبذها العراقيون، وبذلك تتوفرالظروف لإلغاء مبدأ المحاصصة التي تتنافس عليها الأحزاب الطائفية خاصة بعد الإطاحة بالطغيان منذ قرابة ست سنوات، وما خلفته من مآسي. وعندها ستتحقق دعوة السيد طارق الهاشمي عندما دعى في ندوته الصحفية الداعية إلى:” خطة عاجلة للإنقاذ تستلزم الخروج عاجلاً من ضيق المحاصصة الى سعة الفضاء الوطني الارحب”.

هذه الخطة سوف تلقى الترحيب بكل تأكيد من قبل الغالبية الساحقة من العراقيين، ولكن على أن يشرع السيد الهاشمي بالتغيير في حزبه وأن يبادر، كما أكد في مؤتمره الصحفي، إلى تقديم مشروع النشاط الحزبي وقانون الأحزاب إلى مجلس النواب، يحرَّم فيه استخدام الدين والمذهب والطائفة في تسمية الأحزاب كما هو جار الآن. وأن يقوم المجلس بإقرار مثل هذا القانون على غرار القانون الذي شرّعه حول انتخابات مجالس المحافظات، الذي حرّم استخدام الرموز الدينية والمراكز الدينية في الحملة الانتخابية.

بهذه الطريقة فقط يجري حماية المعتقد الديني وتحريره من قيود المضاربات السياسية من ناحية، وتتحق دعوة الهاشمي إلى وضع خطة عاجلة للإنقاذ من ناحية أخرى. وبذلك يسير العراق على سكة الاستقرار وبناء دولة ديمقراطية ذات مؤسسات منتخبة وتشكيل أحزاب عصرية ببرامج اجتماعية اقتصادية تحل مشاكل المواطنين وليس أحزاب تروج لدعوات طائفية تمزق الهوية العراقية، ويتحمل المسؤولية فيها من له الكفاءة والجدارة والاستحقاق وليس الجهلة والملثمين.

7 كانون الأول 2008