الرئيسية » مقالات » حواتمة في حوار مع صحيفة {الشروق اليومي}

حواتمة في حوار مع صحيفة {الشروق اليومي}

س1: صرحت في وقت سابق أن الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين مات مسموماً بنفس طريقة ياسر عرفات، وأن بعض المسؤولين الجزائريين كانوا على علم بذلك، من هي الجهة التي سممت بومدين ولماذا ؟ ومن هم المسؤولون الجزائريون الذين كانوا على علم بذلك ؟ ولماذا تم التستر على هذه القضية كل هذه المدة الزمنية ؟
“عملية تسميم” الرئيس بومدين تمت داخل الجزائر، وبنوع من السموم البطيئة جداً لا يمكن اكتشافها إلاّ في مرحلتها الأخيرة، وبعد أن يصبح قطار العلاج قد فات. وهذا ما كان …
في رحلته العلاجية الوحيدة لموسكو والمتأخرة عن وقتها، اكتشف الأطباء السوفييت المرض، وأن السموم أوغلت وتوغّلت، لم يعد للعلاج دور، عاد الرئيس إلى البلاد، وسرعان ما دخل في الغيبوبة (الكوما).
القيادة السوفييتية أبلغت المعنيين فور عودة الرئيس وهم أعضاء في مجلس قيادة الثورة، وكانوا في قيادة جبهة التحرير الجزائرية، وهم موجودون الآن في الجزائر وبيدهم الإعلان عن ذلك، وبالتأكيد لدى أرشيفهم ما يشير إلى ذلك، هناك حالات شبيهة في العقود الأخيرة، حالة اغتيال الأخ ياسر عرفات (أبو عمار) مختلفة، فتدبير “التسميم” قامت به الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بزعامة شارون، وخطوات التسميم تمت بالأدوية والأغذية التي كان يتناولها عرفات. التسريبات التي سبقت في الصحافة الإسرائيلية رحيل عرفات لم تتوقف وكانت مستمرة وبانتظام أن عرفات في طريقه للموت المؤكد .
س2: هل تدعم الرأي القائل أن حماس تتحين الفرص لإزاحة منظمة التحرير الفلسطينية وتفكيكها، وهل بمقدورها ذلك وهي في هذا الوضع المحرج ؟
إصلاح وإحياء منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية ضرورة وطنية، قومية، دولية، يجب أن لا يدخل في التكتيكات السياسية النفعية. لقد مثلت منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية منذ دخول فصائل المقاومة لها في العام 1969؛ أصبحت وما زالت الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والكيانية الوطنية الفلسطينية فلسطينياً، عربياً، إسلامياً، دولياً وفي الأمم المتحدة وكل المؤسسات الدولية تم بها ومن خلالها إعادة النهوض بالشخصية والهوية الوطنية الفلسطينية. بعد سنوات من الضياع أعقبت النكبة الفلسطينية والعربية الكبرى في العام 1948، هذه النكبة التي أدت إلى طمس الهوية والشخصية الوطنية الفلسطينية، حيث قامت دولة إسرائيل على 77% من أرض فلسطين التاريخية، وبدلاً من إقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس على ما تبقى من الأرض (23%) تم إلحاق وضم ما تبقى من الأرض وشعبها بالأقطار العربية المجاورة، وهكذا تم ترك ما تبقى من الأرض الفلسطينية بدون هوية فلسطينية، وترك الشعب الفلسطيني بدون كيانية وطنية.
في العديد من المنعطفات الكبيرة التي مرت بها قضيتنا. ما بعد قيام م. ت. ف. خاصة بعد العام 1967 عام الهزيمة، جاء الرد الفلسطيني سريعاً، فلقد رد شعبنا بتوالد فصائل المقاومة الفلسطينية رداً وبديلاً عن هزيمة جيوش الأنظمة العربية المشرقية، واستند هذا النهوض إلى ما سبقه من نقلة نوعية في نضالات حركة اللاجئين الفلسطينيين، أدت إلى بلورة الهوية الوطنية الفلسطينية العربية والإقليمية والدولية، مدعومة بالخطوات الفدائية والكفاحية والسياسية والتنظيمية الفلسطينية. وتم تدعيم هذا بالبرنامج الوطني المرحلي (1974)، الذي سلح الشعب في الوطن والشتات، وأطر نضالاته من أجل العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة ببرنامج سياسي موحد، ملموس واقعي، وبفضل هذا البرنامج تم كسر عزلة منظمة التحرير الفلسطينية العربية والإقليمية والدولية، وبنيت العلاقات والتحالفات مع حركات التحرر الوطني، وبنيت تحالفات دولية مع منظومة بلدان التجارب الاشتراكية، ودول عدم الانحياز، قمة الدول الإفريقية، بلدان آسيا وأمريكا اللاتينية، الرأي العام العالمي في أوروبا وداخل الولايات المتحدة، ودخلنا إلى مؤسسات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي (راجع كتاب “حواتمة يتحدث …” ـ دار الكاتب/ دمشق، دار الأمل/ بيروت، دار الجليل/ عمان ـ الأردن، دار المسار/ رام الله، كتاب “أوسلو والسلام الآخر المتوازن”، وكتاب “أبعد من أوسلو … فلسطين إلى أين ؟” وقائع ومراحل تأسيس وبناء ائتلاف منظمة التحرير باعتبارها الجبهة الوطنية الشاملة لقوى الشعب الفلسطيني).
كل ما سبق يؤكد على أن منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية كانت وما زالت ضرورة وطنية نضالية ولم تفقد دورها التاريخي.
وفي سياق المراجعة فإن الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية ودورها ومكانتها يتطلب مرة أخرى بناء ائتلاف وطني شامل، وهذا يتوقف على مراجعة السلطة لسياستها الانفرادية، وعلى مدى استكمال الأخوة في حماس والجهاد الإسلامي خطواتهم باتجاه البرنامج السياسي الموحد، بعد أن كانوا قد أعلنوا وما زالوا يعلنون بأنهم مستعدون لقبول دولة فلسطينية في حدود 4 حزيران/ يونيو 1967، وبعد أن وافقوا على قرارات إعلان القاهرة (آذار/ مارس 2005)، وبرنامج وثيقة الوفاق الوطني وتوقيع جميع الفصائل الفلسطينية عليه بلا استثناء. فنحن الآن بصدد عملية إعادة الاعتبار لـ م. ت. ف. ولا يمكن أن تولد إلا في ظل ائتلاف وطني عريض، لا يعيد إنتاج منظمة التحرير الموحدة فقط، بل يعيد على يد حوار الجميع صياغة العلاقات الوطنية ـ الوطنية الفلسطينية في إطار الائتلاف الوحدوي العريض الجامع لكل القوى المكونة للشعب الفلسطيني، ومؤسسات المجتمع الأهلي، حتى تنهض من جديد بدمقرطة مؤسسات م. ت. ف. الموحدة المعترف بها عربياً ودولياً، وهي المكسب الأعظم للشعب الفلسطيني على امتداد الخمسين عاماً الأخيرة من النكبة وحتى الآن، وهذا الذي يمكننا من إعادة دمقرطة مؤسسات السلطة الفلسطينية، والانتقال بها من حالات مبعثرة مصابة بأمراض الاحتكار، التفرد والانفراد والفردية والهيمنة الفئوية الضيقة والفساد، إلى حالة مؤسسيه، أي مؤسسات قائمة على الائتلاف العريض مفتوحة في تركيبها لكل أبناء الشعب على قاعدة معايير وطنية ومهنية وأخلاقية موحدة، وتحت سقف البرنامج الوطني الموحد وبرنامج الإصلاح الديمقراطي الشامل، بدءاً بانتخاب البرلمان الموحد (المجلس الوطني الجديد) لمنظمة التحرير داخل الوطن المحتل وفي أقطار اللجوء والشتات، وهذا الذي يقطع الطريق على “خطط وتكتيك حماس لتفكيك المنظمة أو الاستيلاء عليها كما استولت بانقلاب 14 جوان 2006 على قطاع غزة من وراء ظهر الشعب وكل الفصائل الفلسطينية.
إن القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية ينص على أن “منظمة التحرير هي المرجعية العليا للسلطة الفلسطينية”.
وعلى الجميع استعادة الذاكرة “بأن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ودول العالم تعترف بأن م. ت. ف. هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وليس السلطة الفلسطينية. كذلك المفاوضات كلها والاتفاقات مع “إسرائيل” تمت مع وبتوقيع منظمة التحرير وليس السلطة الفلسطينية. وقررنا بالقاهرة بالإجماع وبحضور كل قادة الفصائل بلا استثناء “إعادة بناء منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني”، الأمر الذي سيحبط أي مشاريع بديلة عنها.
س3: صرح محمود عباس أن رفض حركة حماس جولة الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني ومسودة مشروع المصالحة التي تقدمت بها مصر لجمع الفصائل الفلسطينية وراءه أجندة إقليمية، هل يقصد أن إيران وسوريا تحرضان حماس على ذلك ؟ وماذا ستستفيدان من بقاء الأزمة على حالها ؟
الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني يتغذى على محاور عربية وإقليمية على الجانبين، والمطلوب تنفيذ الاتفاقات الوطنية الفلسطينية لما فيه المصلحة الوطنية الفلسطينية. من هنا ندعو الحالة العربية الرسمية إلى التوحد والتكامل وفق ما هو معلن في القمم العربية تجاه القضية الفلسطينية والخروج من صراع المحاور المنهك أمام مواجهة الاحتلال.
ندعو البلدان العربية وخاصة المتصارعة في المشرق العربي إلى الكف عن زرع وتعميق الانقسام في الصف الفلسطيني، والادعاء الكاذب بالوقوف على مسافة واحدة من أطراف الانقسام وخاصة بين دعاة احتكار السلطة في حماس وفتح، بينما الكل تحت الاحتلال.
س4: تدفع الجزائر سنوياً ملايين الدولارات للسلطة الفلسطينية، ولكن الوضع في غزة التي من المفروض أنها تأخذ نصيبها من هذه الدولارات مأساوي للغاية، أين تذهب الأموال التي تدفعها الجزائر للسلطة الفلسطينية ؟
يستهلك قطاع غزة من موازنة السلطة الفلسطينية زهاء 58 بالمئة من الموازنة العامة، حيث أن أبو مازن يدفع موازنتها بانتظام، لكن الحصار والإغلاق وصل حدود المجاعة، ونسبة الفقر وصلت 80 بالمئة. لا حل لأزمة الحصار والفقر والجوع في قطاع غزة بدون وحدة وطنية وإنهاء الانقسام المدمر.
س5: من المسؤول عن إطعام “الغزاويين” قمح الحيوانات، العرب أم إسرائيل أم عباس ؟!
“إسرائيل” أولاً، وما كان ليفرض الحصار المالي والاقتصادي على الشعب الفلسطيني لولا تواطؤ الإدارة الأمريكية وبعض الدول العربية والمسلمة، والتزامها الحرفي بتطبيق الحصار غير الأخلاقي وغير الإنساني والمنافي لكل الأعراف والمواثيق الدولية، وهي سابقة في التاريخ الحديث، والحصار متواصل بأشكال مختلفة في أبشع استغلال لحالة الانقسام الفلسطيني، أنهم يساوموننا على لقمة أبناء شعبنا.
الانقسام الفلسطيني ثانياً، الانقسام طريق الفشل وضياع الحقوق الوطنية والحصار، والوحدة الوطنية طريق كسر الحصار والتقدم إلى أمام. وثالثاً: الأنظمة العربية التي تزرع وتعمق الانقسام في الصف الفلسطيني وفقاً لمصالحها الأنانية الخاصة والقطرية، وعلى حساب شعب فلسطين داخل الأرض المحتلة وخارجها.
لقد شاهدنا زوارق الإغاثة لليسار الأممي العالمي، وهي تخترق الحصار البحري لغزة، مسنودين بضمائرهم وبميثاق الأمم المتحدة وأهدافها الفقرة الثالثة “حق الإغاثة”، والفقرة 13 بالميثاق، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المادة 11 والمادة 12 حق الإغاثة، والتي تحمل صفة الإلزام ومبدأ التضامن للتحرر من الجوع الفردي وفي إطار التعاون الدولي. والمطلوب الآن حملة دولية أممية تحت رايات العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية، في مواجهة الطواغيت والاستكبار.
س6: ما مستقبل اللاجئين الفلسطينيين في ظل الزحف الصهيوني على مساحة 1738 كيلو متر مربع من الضفة الغربية ؟
الاستيطان يلتهم الأرض الفلسطينية، يلتهم القدس الشرقية، يقطع التواصل الجغرافي لدولة فلسطينية سيدة حرة ومستقلة. والسؤال متعلق باللاجئين الفلسطينيين الذين تعرضوا للاقتلاع الصهيوني عام 1948، هؤلاء حق العودة مقدس وفق القرار الأممي 194. الانقسام يفتح الأبواب لحكومة العدو واستثماره لصالح تكثيف تهويد القدس ونهب الأرض وتوسيع المعمرين الصهاينة.
س7: يعد استلام أوباما السلطة، هل تتوقع أن تغير الولايات المتحدة أسلوبها في التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ؟
نحن أولاً نعول على العامل الذاتي الفلسطيني، هو الذي يدفع ويعزز ضغوط الشعوب العربية، لوضع بند القضية الفلسطينية على الأجندات الحكومية العربية، ويفعّل دوراً عربياً جامعاً يبذل في سبيلها، ونعتمد على تضامن أممي ودولي متعدد، يقرُّ بالحقوق الفلسطينية المشروعة، كقضية وطنية وإنسانية ومن موقع نظرته الأخلاقية.
ثانياً: الإنسان يتعلم من تجربته، كثيراً ما انتظر العرب، حلول إدارة أمريكية جديدة مكان أخرى انتهت ولايتها، منذ منتصف ستينات القرن الماضي. شكل هذا العامل “الانتظاري” حالة سلبية للموقف العربي المطلوب. إذا ما جمعنا هذا الإرث السلبي من تنظيرات عربية رسمية، حول انتظارها الإدارات الجديدة، لكدسنا دون مبالغة أوراقاً بالأطنان. لا يعني هذا أنه لا يوجد متغيرات في أمريكا ذاتها، فهكذا استنتاج مخالف لعلم الطبيعة وعلم المجتمع في آنٍ معاً. لكن طبيعة الحكم والإدارة الأمريكية هي محكومة بمؤسسات لها مشاريعها المستقبلية وأهدافها، ولا يمكن لفرد أن يغيّرها ولكن ممكن أن يؤثر في توجيه قرارها ويؤثر بها. ولنراقب مثلاً؛ ما إن يخرج الرئيس من الإدارة حتى يعود لتبني وجهة نظره الشخصية حول الشرق الأوسط، ويتساءل البعض منا بسذاجة مطلقة، ها هو يتكلم بـ “اعتدال” ولكن بعد أن خرج من الرئاسة لماذا ؟
أؤكد أن مفتاح التغيير الأمريكي هو العامل الذاتي الفلسطيني والعربي في المسائل العربية، حين يبدأ البراغمات بحسابات لوغارتمية للربح والخسارة، يستطيع “الشخص ـ الفرد” أن يغير إلى حدود ما، ولكن أن تصل تلك إلى معالجات حاسمة تستند إلى الشرعية الدولية في الحقوق الفلسطينية فهذا أمر آخر، وعليه لا بدَّ من تفعيل العامل الذاتي أولاً على حلبة تسجيل النقاط، نحو المرحلية بالأهداف.


س8: ما هو استشرافك لمستقبل أوباما كرئيس زنجي للولايات المتحدة ؟
يمكن القول أن أمريكا قد دخلت مرحلة فاصلة من تاريخها على الصعيد الداخلي، بل تصالحت مع ذاتها، وبالترميز مع التاريخ السحيق للإمبراطورية الرومانية، فإن “سبارتاكوس” قد عاد رئيساً وفق الديمقراطية الأمريكية هذا تطور هام على الصعيد الداخلي، يفصله قرابة قرن ونصف عن ابراهام لينكولن، وزهاء نصف قرن على اغتيال حون كنيدي، وكذلك مارتن لوثر كينغ.
رئيس أسود يأتي من مجموع الشعب الأمريكي في بوتقته الصاهرة، الأبيض والأسود واللاتيني، تعبير عن قدرة عميقة على الاستجابة للتطور البشري والعصرنة بكل إيجابياتها كتطور عاصف في عقلية الأمريكيين، حيث لم يعد للقوالب الخارجية أصولاً ولوناً ودوراً حاسماً في اختيار رئيس المؤسسة التنفيذية الأول، بما يعني من إضعاف للعنصرية الأكثر تخلفاً في منطق الاختيار والعلاقات الاجتماعية، لأن العنصرية لا تبحث عن المضمون والتفكير والدماغ، فهي مغلفة مسبقاً ومحاطة بقوالب جاهزة جامدة، لقد تم تحطيم الأصول العرقية وخلفية اللون وكل المعايير الأشد فتكاً بقدرة البشر على التعامل الإنساني، وقد مثّل انتخابه زلزالاً أمريكياً، والرئيس الأسود هو تبييض لقلب ووجه أمريكا، ومصالحة عملية مع تاريخها، ولهذا أكرر يمكن القول على الصعيد الأمريكي الداخلي، ما قبل أوباما ليس ما بعده.
على الصعيد الداخلي أيضاً؛ فبرنامج أوباما حمل “التغيير”، وهي حمولة ثقيلة جداً، مترافقاً مع زلزال أشد وطأة جاء كضريبة للرأسمالية المتوحشة التي أرهقت الطبقة الوسطى والطبقة العاملة والفقراء والمهمشين، ودخلت في حروب هيمنة في غير مكان، لتنحدر هيمنتها بعد صعود دموي ومتسارع، حروب شوهت صورتها لدى شعوب العالم، وأثقلت على ضميرها وشعاراتها، وزلزال العجز التجاري الأمريكي حوالي 820 مليار دولار، وعجز في الموازنة العامة حوالي 455 ملياراً، وتفاقم في الدين العام بشكل 300 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، وما زالت إدارتها تواصل مبتكرات الليبرالية المتوحشة والدفع بها دون هوادة، وعموم الأرقام رسمية، ويؤكدها بنك التسويات الدولية في جنيف، فالطبقة الحاكمة لم تغير في سياساتها بقدر ما تدفع بنموذجها الذي يتورط في أزمات مالية دورية، وبحكم العولمة فإنه يجر معه الاقتصاد العالمي.
التركة أمام أوباما ثقيلة، ومن الواضح أنه إذا ما أراد تلبية برنامجه “التغيير”، فإنه سينشغل بالوضع الاقتصادي الداخلي. من المهم جداً للعرب أولاً وبذات المعنى العالم الثالث وعدم الانحياز، القول للرئاسة الجديدة بأن العنصرية الداخلية الخفية التي جرى تحطيمها من قبل الشعب الأمريكي، لها وجه آخر على الصعيد الخارجي، وهي أكثر اتساعاً من موضوعة اللون والعرق، حيث تتوق شعوب كثيرة ترزح تحت نير الظلم والاحتلال، تتوق للحرية التي ينبغي أن تطهر قلب أمريكا وتبيض وجهها على الصعيد الخارجي، خاصة وأن سمعة أمريكا لدى شعوب العالم سيئة والعنصرية لا تتجزأ. ومن المهم عربياً التذكير بأن قرارات الأمم المتحدة سبق وأن وصفت الصهيونية بالعنصرية والعدوانية والتوسعية، لم تنطلق من وصفها من اعتبار اللون، بل من العنصرية والتوسعية العدوانية، حينها فإن الشعوب التي فرحت مع أوباما، سترقص مع القس المناضل ديزموند توتو، الذي “رقص طرباً ونشوة لفوزه”، وصاحب الشهادة والضمير الأخضر الحي، حول الأبارتيد الصهيوني الذي لم تشهد مثيله جنوب إفريقيا في الحقبة العنصرية.
لقد وعد أوباما في حملته الانتخابية مواطنيه؛ بأن يعيد أولادهم من العراق إلى أحضانهم، بمعنى أن ليل الاحتلال سينتهي ويتوقف قطار القتل والدمار، ويتوقف أثرياء الحروب داخلياً وأباطرة الطوائف، ومستثمرو الاحتلال، وفق شهادة الحاكم الأمريكي “بريمر” الذي أعلن في مذكراته عن “اشمئزازه من فساد هذه الطبقة العراقية”، حينها تتحقق شعارات الشعب العراقي “لا للاحتلال، لا للطائفية، لا للدكتاتورية … نعم للعراق الموحد الديمقراطي”. إن تنفيذ وعد أوباما لمواطنيه بالخروج من العراق، ستوقد جذوة الأمل لدى الشعب الفلسطيني، بأن واشنطن ستتوقف أن تكون الراعي الأول لجرائم الحرب التي يرتكبها الكيان الصهيوني ضدهم، وسيزداد الأمل في الشرق الأوسط أن لا حروباً أخرى ستجلب الدمار للأوطان والشعوب، كذلك شعوب العالم في قضية باتت ملموسة في وعوده حول المناخ والتغيير المناخي وهي تهدد حياتهم واقتصادهم.
وعود ثقيلة في “التغيير”، مع الإدراك أنه لا توجد إدارة أسوأ من المنصرفة حتى هذا التاريخ، والحكم النهائي ليس ببعيد، مع أملنا بألا يشكل تولية أوباما في إدارته لموالين للوبي الصهيوني، وخاصة “إيباك” ما نسبته 80 بالمئة في المناصب الحساسة.
الآن لا أريد الخوض والاستباق بالتوقعات، الأمر الذي سينجلي في وقت قريب، لكنني أؤكد بالقول علينا أن لا ننتظر، فالموقف أولاً هو من الفلسطيني بالوحدة الوطنية ومن العرب، وهو ما يملي التغيير.
س9: ما مدى خطورة الاتفاقية الأمنية بين بغداد وواشنطن على الدول المجاورة ؟
إن الاتفاقية الأمنية هي بمثابة تمديد للاحتلال في بلاد الرافدين، وفق ما تعلنه في “النص العربي” الذي وصلنا حتى نهاية عام 2011، فهي وفق هذا النص تقول بجلاء الاحتلال، ووفق ذات النص فإن المعنى بقاء الاحتلال الذي بدأ عام 2003 ثلاث سنوات جديدة.
الأهم أنها جاءت هدية لإدارة بوش المنصرفة وفي أيامها الأخيرة حتى 20 كانون الثاني/ يناير المقبل، بما يفرض على الإدارة الجديدة التعامل معها كـ “أمر واقع”، مخالف وعلى الرغم من وعود أوباما الانتخابية، حول برمجته للانسحاب من العراق.
وربما تكون السنوات الثلاثة المعروضة تمديداً للفوضى الدموية المرعبة الداخلية، التي ستؤثر في مستقبل العراق على الصعد كافة، خاصة في مسألة وحدته، بما ترمي من تنامي النزعات الانقسامية والتقسيمية وفيدراليات الأقاليم، التي يتم التحضير لها بالفرز الطائفي والمذهبي والعرقي، فتجربة السنوات الست من عمر الاحتلال كانت وبالاً على العراق والعراقيين في ذات الاتجاه المذكور، وكانت بمثابة أن الاحتلال قد قبض “المعجل”، وعلينا كعرب أن تتدخل لمنع “المؤجل” على حساب مستقبل العراق وتطوره واستقراره وازدهاره، ومن ثم استخدام الأراضي العراقية كمنصة من خلال الوجود الاحتلالي للتلاعب بالمنطقة وجوارها وتهديدها، مقدمات للهيمنة المباشرة واستنزاف خيراتها، أي وضعها تحت رياح التدخلات والتهديد و”الفوضى البناءة”، بما يملي التحرك عربياً، ورسم دور عربي واضح يعيد التعاون والتضامن والتكامل، لمواجهة وصدّ هذه الهجمات الشرسة التي تستهدفهم أولاً على الصعيد الوجودي، كما تتهددهم المخاطر وجودياً من فلسطين التي ينبغي التكامل مع قضيتها بيد التعاون والتضامن والتكامل، لا المحاور المتصارعة.
س10: ما هو وجه الشبه بين الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية ؟
هناك أوجد عديدة للشبه، فالثورة التحررية الجزائرية واجهت الاحتلال الكولونيالي العنصري الفرنسي، وتصدت له كثورة وطنية ديمقراطية موحدة ونالت استقلالها، بعد كفاح بطولي مرير.
القضية الفلسطينية تواجه “إسرائيل” الاستعمار الاستيطاني العنصري، وهي بالجوهر “دولة الاقتلاع الصهيونية”، فهي قامت على الاقتلاع، وهذه الصفة هي إيديولوجيتها التي تزعم أنها تجد تبريرها في “اللاهوت”، وفي تاريخ “اليهود” الساحق. والاسم الراهن لدولة “إسرائيل” هو “دولة الاقتلاع الصهيوني”، فهي قد اقتلعت عام 1948 الفلسطينيين من جذورهم، في تجاوز لكل الخطوط الحمراء، فلا رادع أخلاقي أو سياسي أو إنساني أو قانوني، لأنها اعتمدت على المراكز الإمبريالية وبالذات مع القطب العالمي المهيمن، في سياق مشروعه الرأسمالي المعولم.
من هنا يوجد تشابه في بعض السمات مع الثورة الجزائرية، وثمة اختلافات حيث أن فرنسا هدفت إلى “فرنسة” الجزائر، بينما دولة الاقتلاع الصهيوني عملت على الاقتلاع، ثمة تشابه واختلاف منطقية بالنتيجة، بيد أن الصهيونية أقرب منهجياً وإيديولوجياً إلى التشابه مع النازية، في المنطلقات الثقافية والإيديولوجيا التي تنطلق منها، كلاهما يرفض التعايش السلمي مع “الآخر”، تعليان من شأن العنف والعنصرية والشعور بالتمييز والتفوق والاتجاه الاحتلالي الاقتلاعي التوسعي. والصهيونية وإن خفض الواقع سقف استهدافاتها وتوقعاتها، لكنها ستبقى تسعى إلى بناء دولتها الكبرى من خلال الهيمنة بأشكال متعددة، ومن خلال احتلال الأراضي وضمها، مع ملاحظة أن النازية تعود بمنطلقاتها إلى أساس عرقي، بينما تستند الصهيونية في منطلقاتها إلى أساس “لاهوتي” ـ العامل الديني، كفلسفة وإستراتيجية مستعارة تنطبق في غير بيئتها وسياقها، إذ أن اليهود ليسوا شعباً أو قومية، تماماً كالكذبة الكبرى عن علاقتهم بأرض فلسطين.
لنراقب راهناً كيف تهربت “دولة الاقتلاع الصهيوني” بالمقاطعة لمؤتمر الأمم المتحدة ضد العنصرية المزمع عقده في نيسان/ إبريل المقبل في جنيف، وبررت المقاطعة بأن دولاً عربية وإيران، ستشغل المؤتمر لمقارعتها، وتحويله إلى منصة لـ “هجمات معادية للسامية”، ذلك بحسب وزيرة خارجيتها تسيبي ليفني. التبرير الذي لا ينطوي على أحد، وحتى على جورج بوش أوساكا شنغيلي جورجيا، وصولاً إلى رئيس ميكروفيويا، ولن تتوقف جهود واشنطن الضاغطة على الأمم المتحدة، لعدم إبراز وجه “إسرائيل” العنصري البشع، المحاولات بدأت من الآن على يد وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، كي تضغط واشنطن على اللاصق لِكَمِّ الأفواه، والحصول على ضمانات بذلك لإخفاء قبح الصهيونية رغم أنها ستقاطع الأمم المتحدة، طالما ستتكلم عن المأساة الفلسطينية مع زعيمة العنصرية الأوحد المتبقية في عالم القرن العشرين وفي التاريخ المعاصر.
يمكن للعالم أن يسأل نظام الأبارتيد السابق، إذا ما كان قد احتفظ في سجونه بأمهات مع أطفالهن، أو عائلة الكرد في القدس الشرقية ـ سلوان، التي حرمت من الخيمة في الفناء المحيط بمنزلها بعد السيطرة عليه، وماذا يعني تخصيص طرق التفافية على الأرض المحتلة عام 1967 للمستوطنين، وحرمان الفلسطينيون من التواصل في أراضيهم وقراهم ومدنهم، بل حتى ميزانيات المجالس المحلية في مناطق احتلال عام 1948 ونسبته 17 بالمئة من نسبة المجالس اليهودية، كما يمكن أن يسأل: لماذا قاتل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أيضاً عمير يتزوج في السجن، ويحضر كامل مناسبات عائلته … الخ ! ثم في أي تاريخ نحن وفي أي عصر ؟ لم يحصل في القرون الوسطى، ولا في أعتى النظم العنصرية ما تمارسه الصهيونية على أرض فلسطين، أو صورة ما يجري في قطاع غزة، همجية عنصرية حاقدة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، تستهدف شعباً بأكمله أو بالتقسيط، في منهجية إرهاب الدولة المنظم.
س11: من أي منطلق تساند حق الصحراء الغربية في تقرير مصيرها ؟
انطلق أولاً من مبدأ حركات وثورات التحرر الوطني التي قاتلت وفاوضت وصولاً إلى حلول سياسية متوازنة، تستند إلى القرارات الأممية، قرارات الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة، ومبدأ حق تقرير المصير، والحرية والعدالة الاجتماعية.
فقد دخلت القوات المغربية الصحراء وامتد الصراع “بسياسة السلاح” إلى أن توقف القتال، وإلى “سلاح السياسة” تم الانتقال، بدأت المفاوضات مع المغرب منذ العام 1991، ولا زالت إلى يوم الناس هذا تدور.
وهنا نؤكد أن شعب فلسطين، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين مع حل قضية الصحراء وفق اللائحة الأممية، وفق قرارات الشرعية الدولية، ومع المفاوضات الجارية بين الدولة المغربية وجبهة البوليساريو، وصولاً إلى حلول سياسية متوازنة يتم التوافق عليها بين الجانبين.
س12: هل سبق وأن زرت الجزائر، وما هي أهم المحاور التي ناقشتها مع شخصيات جزائرية ؟
السؤال بشقيّه مثار لتاريخ متألق من العلاقة على المستوى السياسي المشترك بيننا، والوجداني الشخصي الذاتي. في الشق الثاني من السؤال وقد أقمت في الجزائر حين عزّت علينا وضنّت أرض العرب من الماء إلى الماء. منذ نهاية الثمانينيات والسنوات الأولى من مطلع التسعينيات، وعلى امتداد هذا التاريخ ومنذ انطلاقة الجبهة الديمقراطية مطلع السبعينيات دائم التواصل والزيارة والتبادل السياسي مع القيادة الجزائرية، مع الرئيس المرحوم هواري بومدين، والشاذلي بن جديد أمدَّ الله بعمره والأمين زروال، وتجمعني صداقة تاريخية مع الأخ عبد العزيز بوتفليقة. ومع الفعاليات ومؤسسات الشعب الجزائري وشخصياته الوطنية والحزبية، وعلى أهميته وبما نصبو له من تواصل جديد، والثابت جزائرياً هو ما يجمعني بالجزائر.
تجمعني بالجزائر وشائج متينة هي مقصدنا التاريخي بالثورة، التي لا يعلو عليها علو، ذلك الحب العارم المفعم بالآمال، وقد بدأت معي شخصياً حين كنت في مقتبل العمر وعلى مقاعد الدراسة، وفي حياة مقتبل الشباب. حين توحدنا كشبيبة على نصرة ثورتها المظفرة. مظاهرات العواصم والشوارع العارمة ضد الاستعمار الكولونيالي الفرنسي، فتقاسمنا معها كسرة الخبز من “خارجية” نفقاتنا الدراسية.
ويجمعني بها الوفاء لأبطال وصقور ثورتها الأحياء منهم والشهداء، والجزائر بلد المليون ونصف شهيد، الوفاء الذي لا يرتقي إليه وفاء، رجالاً ونساء وشيوخاً وأطفالاً، ويجمعني بها نشيداً “قسماً …”، نشيدها الوطني الذي ما زلنا نردده كلما جاشت بنا الذات، ومنذ مطلع ستينيات القرن المنصرم كانت مقصد تشي غيفارا ونظرته لثورتها على الصعيد القاري الإفريقي، ولومومبا ونكروما وفرانز فانون على الصعيد الأممي، وعبد الناصر على الصعيد القومي العربي، واحتضن تراب أرزها الشهداء العرب.
لي بها أصدقاء كُثُرْ من أوراسها الأشم، إلى مدنها وساحلها الممتد، حتى صحرائها القارة. والجزائر قلعة الوحدة في المصير بكامل تعددها وتنوعها الثقافي، وهي مشهد ثقافي متصل كعقد فريد من الورود الجميلة؛ جزائر كاتب ياسين والطاهر وطار وجميلة بوحيرد، ونهر دافق من المبدعين في الثقافة في مدارسهم المتنوعة.
فلسطينياً أيضاً؛ يجمعني بالجزائر “إعلان استقلال فلسطين” الذي صيغ تحت ظلال صنوبرها الوارف عام 1988. وما من أحد من شعبنا الفلسطيني، وعلى مرّ أجيال الثورة المتعاقبة، إلا وتركت في روحه ووجدانه وقلبه تلك المحبة العميقة، كفاح ثورتها حتى أطلق على حي في نابلس جبل النار اسم حي القصبة، في تواصل لجُب سياسي ودبلوماسي ومادي ومعنوي.
سبق لها أن لعبت دوراً سياسياً محورياً في المشرق العربي والإقليمي، دوراًَ ريادياً ترك لها خبرة وتراثاً آن لها أن تستعاد، ودوراً مميزاً على الصعيد القاري الإفريقي، وفي عدم الانحياز، وكان الرئيس الجزائري الصديق بوتفليقة وزيراً مديداً ومخضرماً للخارجية، أوجه له التحية وآن لها أن تستعاد بعد أن تعافت من الإرهاب، نحن تواقون في الجبهة الديمقراطية لاستعادة هذا الدور، تواقون لبناء وحدتنا، الوحدة في الثورة والمصير والتعددية السياسية والحزبية الثقافية، نحن دعاتها وبناتها، كما الجزائر الثورة، والجزائر “قانون الوئام”.
تحية إلى الجزائر في “وئامها”، تحية من أحرار فلسطين لها ولشهداء ثورتها، تحية من الأمناء بوعدهم بالاستقلال والحرية لفلسطين، تحية إلى الفضاء التعددي الجزائري الذي لا يعلو عليه علو، ولا يرتقي له سوى الوفاء المتبادل للرسالة ذاتها.