الرئيسية » مقالات » لتكن دروس الماضي حاضرة في رؤيانا ومعالجاتنا للمشكلات الراهنة بين بغداد وأربيل

لتكن دروس الماضي حاضرة في رؤيانا ومعالجاتنا للمشكلات الراهنة بين بغداد وأربيل

حين يعود الإنسان إلى الماضي القريب ويتذكر بعض أحداثه , فالعودة عندها لا تنشأ بالضرورة عن حنين لهذا الماضي وأحداثه , بل من أجل مراجعته وتدقيق السياسات والمواقف بأمل الاستفادة من تلك الأحداث ونتائجها والخبرات التي تراكمت عبر السنوات المنصرمة للحاضر والمستقبل بما يساعد على تجنب ارتكاب أخطاء سياسية , بوعي أو من دون وعي من هذا الطرف أو ذاك أو من الاثنين. ويمكن أن يكتشف الإنسان بأن سياسات ومواقف بعينها كان يمكن تجنبها , إذ نشأت عنها عواقب وخيمة لم يرغب بها ابتداء أطراف تلك الأحداث ولم يكن في تصورهم أنها ستنتهي إلى ما انتهت إليه , ولكن هناك من كان يريدها أن تكون كذلك , وهم ليسوا بأصدقاء الطرفين بأي حال.
في ضوء هذه الرؤية عدت في ذاكرتي إلى واحدة من تلك الأحداث المنصرمة التي عشتها وهي التي ساهمت بقوة في تغيير مسيرة ومسار العراق حينذاك , وأعني بها العلاقة بين قيادة الحزب الديمقراطي الكُردستاني برئاسة الراحل الملا مصطفى البارزاني , وبين الحكومة العراقية بقيادة عبد الكريم قاسم من جهة , والقوى التي لعبت دورها في دفع الأمور بالاتجاه السلبي الذي سارت عليه وانتهت إلى ما كانت تريده للعراق.
بدأت العلاقة بين الطرفين الوطنيين بصورة إيجابية مثيرة للإعجاب والأمل والتوقع بتطورها لصالح العراق , إذ تطورت خلال الفترة الأولى على أفضل وجه ممكن وكانت الفرحة عامرة. وكان مفتاح هذا التطور ما تضمنه الدستور العراقي من كون “العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن”.
ثم حدث خلل كبير في العملية السياسية الديمقراطية في أعقاب فشل محاولة أغتيال عبد الكريم قاسم على أيدي مجموعة من حزب البعث العربي الاشتراكي بقرار من قيادة هذا الحزب حينذاك , وكان الشقي صدام حسين أحد المشاركين في تلك المؤامرة. وابتداءً من العام 1960 برزت محاولات جادة للتأثير السلبي على سياسة قاسم إزاء ثلاث مسائل مهمة:
** إزاء الموقف من الحياة الديمقراطية والتي تجلت في الموقف السلبي من الحياة الحزبية ومن الأحزاب الديمقراطية , ومنها الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردستاني وأحزاب أخرى ديمقراطية معروفة؛
** وإزاء مطالب الشعب الكردي والموقف من موضوعة : يعتبر العراق جزءاً من الأمة العربية والوطن العربي , والتي كان يركز عليها القوميون العرب , وكان الكرد يرفضونها لأن العراق يتكون من جزئين : كردستان العراق والمنطقة العربية من العراق,
** وثم الموقف من تطبيق القوانين التي اتخذت قبل ذاك , ومنها بشكل خاص الموقف من تنفيذ قانون الإصلاح الزراعي …الخ والحياة الحزبية والسياسية وتراجع عن الديمقراطية وتوترات الحياة السياسية عموماً.
وقد صب القوميون اليمينيون العرب الزيت على النار المستعرة , ولم يتخلف بعض قادة المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكُردستاني والقوى القومية اليمينية الكردية عن المشاركة في ذلك أيضاً , مما جعل التفاهم بين الطرفين بعيد المنال , في حين كان الهدوء والحوار والصبر من جانب الطرفين في مقدوره أن يقود الطرفان إلى نتائج أخرى غير ما انتهت إليه. وهذا ما تجلى في شعار الديمقراطية للعراق والسلم في كردستان. كتب السيد مسعود البارزاني , مراجعاً تلك الفترة بعين مدققة ورؤية واضحة , يقول:
” إني أسمح لنفسي أن أبدي ملاحظاتي وأستميح كل مناضلي الحزب الديمقراطي الكردستاني والشعب الكردي الذين مارسوا أدوارهم في تلك الفترة عذراً لأن أقول وبصراحة بأنه كان خطأً كبيراً السماح للسلبيات بالتغلب على الإيجابيات في العلاقة مع عبد الكريم قاسم، مما ساعد على تمرير مؤامرة حلف السنتو وعملائه في الداخل والشوفينيين وإحداث الفجوة الهائلة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وعبد الكريم قاسم. فمهما يقال عن هذا الرجل فإنه كان قائداً فذاً له فضل كبير يجب أن لا ننساه نحن الكرد أبداً. لا شك أنه كان منحازاً إلى طبقة الفقراء والكادحين وكان يكن كل الحب والتقدير للشعب الكردي وكان وطنياً يحب العراق والعراقيين وكان التعامل معه ممكناً لو أحسن التقدير “. [راجع: د. عبد الخالق حسين . ليس دفاعاً عن ثورة تموز وعبد الكريم قاسم. المرصد العراقي. 28/7/2008].
هذا القول الواضح لا يعني بأي حال أن عبد الكريم قاسم لم يكن مخطئاً حين استخدم الطيران وبعض القوى الكردية لضرب الحزب الديمقراطي الكردستاني وقواه المسلحة بأي حال , بل كان جزءاً من الأساليب التي لعبت دورها في تشديد التوتر الذي استثمر في غير صالح المسيرة المنشودة للعراق حينذاك. كما لم تكن كل تصرفات القوى الكردية مساعدة على الهدوء ومعالجة الأمور بروية , إضافة إلى الدور الذي لعبته دول الجوار الأعضاء في حلف بغداد (السنتو) بشكل خاص.
شكل هذا الصراع أحد ابرز عوامل سقوط النظام الجمهوري الأول وقيام نظام البعث الإجرامي الأول في شباط/فبراير 1963 , والذي لم يتساهل مع الشعب الكردي , الذي تحالف معه لإسقاط حكم عبد الكريم قاسم , بل شن الحرب ضده وكانت النتيجة سقوط نظام البعث أيضاً. وتجارب مماثلة عشناها في فترة حكم الأخوين عبد السلام وعلد الرحمن محمد عارف.
إن هذه التجربة الغنية بدروسها تستوجب من المسئولين في الحكومة الاتحادية في بغداد والمسئولين في حكومة الإقليم في أربيل التفكير بما يمكن أن يؤول إليه الوضع إن تواصل الصراع والاتهامات المتبادلة على صفحات الصحف من دون بذل الجهود الحثيثة والمساومات المقبولة لمعالجة المشكلات القائمة بهدوء وموضوعية واعتبار الوصول إلى حلول عملية امر ممكن في بلد لا يزال وسيبقى لفترة طويلة جداً يواجه مصيراً مشتركاً.
لم تكن تصريحات السيد رئيس الوزراء مفاجأة لي , إذ كانت هناك إشكاليات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم عجز الطرفان عن إيجاد حلول سريعة ومشتركة بشأنها. وركز في تصريحاته على العلاقة بين الاتحاد والإقليم وضرورة تعديل الدستور بما يؤدي إلى تعزيز دور “المركز” وجعله قوياً , في ما بدا وكأنه قوياً إزاء “الإقليم” وعلى حساب الأقليم والمحافظات. وكان المفروض أن لا يطرح الأمربهذا الشكبل أولاً , إذ كانت هناك أساليب أخرى تؤدي نفس الغاية , كما أن العلاقة بين الاتحاد والإقليم بحاجة إلى صياغات قانونية متينة وغير حمالة أوجه تستند إلى الدستور , وحتى حين تكون هناك حاجة إلى إجراء تعديلات على الدستور يستوجب طرحها بهدوء في مجلس الوزراء أو في مجلس الرئاسة المشتركة لمناقشتها والاتفاق على صيغة تسهم في دفع التفاهم والعملية السياسية إلى أمام. لا شك في أن الدستور العراقي بحاجة ماسة فعلاً إلى تعديلات في جوانب مهمة أخرى من الدستور , بما فيها الموقف من الطائفية السياسية التي يجد القارئ في المقدمة على نحو خاص , وكذلك الموقف من المادة 41 حول المرأة والعائلة مثلاً. وكانت الرغبة في التعديل لا تحتاج إلى تعبئة العرب حول رئيس الوزراء من خلال خطاب منفعل اكد على العلاقة المتدهورة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وكبد فعل على ما سرب من رسالة السيد رئيس الجمهورية إلى السيد رئيس الوزراء , كما جاء في رسالة المالكي إلى الطالباني أخيراً ونشرت في الصحافة والمواقع الكثيرة , بل كان في مقدوره طرح الأمر في لجنة تعديل الدستور التي كان من يمثله عضواً فيها أو إيجاد منبر آخر لمعالجتها.
وفي المقابل كانت هناك الكثير من التصريحات المنفعلة أيضاً التي انطلقت من ناطقين رسميين باسم حكومة الإقليم , ثم أخيراً الرد الطويل الذي صدر عن حكومة الإقليم على ما أثاره السيد رئيس الوزراء من إشكاليات قائمة بين الاتحاد والإقليم. وهو رد منفعل أيضاً , تماماً كما كان خطاب وتصريحات رئيس الورزاء العراقي. في حين أن القضية لا تحتاج إلى انفعالات وردود أفعال حادة , بل تحتاج إلى هدوء وموضوعية وحوار متواصل عند معالجة المشكلات القائمة.
لدي القناعة الكاملة بأن الطرفين ارتكبا أخطاء في التجاوز على صلاحيات بعضهما الآخر أو على ما ورد في الدستور العراقي , وهي لا تعالج بالاتهامات المتبادلة والمهاترات والإساءات المتبادلة , بل تستوجب تفعيل اللجان الخمس التي شكلت لمعالجة المشكلات بروح إيجابية.
كلنا يعرف واقع حصول حراك في موازين القوى السياسية في الصف العربي , وخاصة في الصف الإسلامي الشيعي والسني بالمقارنة مع ميزان القوى قبل ثلاث سنوات , كما أن هناك تغيرات في السياسات والمواقف لديها والتي لا تنشأ بالضرورة عن رغبات داخلية , بل وتأثيرات إقليمية. ويمكن أن يتجلى هذا التغيير في انتخابات مجالس المحافظات القادمة. ولكن هل تعالج المشكلات العراقية وفق موازين القوى وحدها ووفق الغبات لهذا الطرف أو ذاك , أم وفق مبدأ التوافق الذي اتفقت عليه أغلب القوى المشتركة في العملية السياسية وليس كلها , رغم كونه مبدأً غير ديمقراطي عموماً , ولكنه الأفضل في واقع العراق الراهن. لا يمكن معالجة العلاقة بين الطرفين بالقوة , فهي عملية خاسرة , وجربتها كل الحكومات العراقية المتعاقبة في بغداد , كما لم يستطع الشعب الكردي رغم نضاله الطويل والمرير على انتزاع حقوقه بالقوة. والقوة يمكنها أن تضيع كل المكتسبات التي تحققت حتى الآن , إذ أن هناك بديلاً , داخلي وخارجي ,ينتظر بفارغ الصبر بدء الصراع السياسي ليعمل على تحويله إلى نزاع سياسي ثم إلى نزاع عسكري قبل أو بعد خروج قوات الاحتلال , فهل يعي جميع الأطراف هذه الحقيقة؟ إن من قرأ تصريحات السيد رئيس الجمهورية يدرك أن هناك من أدرك جيداً هذه الحقيقة ويخشى على المكاسب التي تحققت , وهي لصالح الشعب الكردي , وبالتالي لا بد من الحفاظ عليها من خلال سياسة عقلانية وإيجابية وغير منفعلة أو تنطلق من ردود الأفعال وعبر الصحافة وشاشات التلفزة والمواقع الإلكترونية من جانب الإقليم. كما يفترض ان تدرك الحكومة الاتحادية بأن الطريق للوحدة العراقية لا تمر عبر تشديد الصراعات أو الانتقاص من الحقوق بل يفترض معالجة الأمور بصورة سلمية وديمقراطية وعقلانية ولمصلح العراق كله.
إن المشكلات التي تواجه الالحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ممكنة الحل , سواء بالنسبة لعقود النفط في الإقليم أم لدى الحكومة الاتحادية , كما يمكن ويفترض معالجة مسئولية العلاقات الدولية , ومنها السلك الدبلوماسي والتمثيل الخارجي , إذ لا بد من حصرها بالحكومة الاتحادية , والتي يشارك فيها بطبيعة الحال ممثلو الشعب الكردي أيضاً. وهذا يشمل الموقف من كركوك والمناطق الأخرى التي يعتبرها الكرد جزءاً من كردستان , في حين تعتبرها قوى عربية جزءاً من مناطق الجزء العربي من العراق. ولكن لدينا دستور وفيه المادة 141 التي يفترض الاستناد إليها. وفي هذا يبذل السيد دي مستورا دوراً في معالجتها وفق أسس موضوعية وتاريخية وبآليات ديمقراطية سلمية حريصة على المصالح المشتركة.
كاظم حبيب
6/12/2008