الرئيسية » بيستون » على الدولة العراقية أن تعتذر

على الدولة العراقية أن تعتذر

هل يكفي إعدام مجرمي حلبجة والأنفال مع أن مجرمين التهجير القسري للكرد الفيليين في خبر كانَ. هل الدولة العراقية أنصفت جميع المظلومين من النظام السابق. على الدولة العراقية تقديم اعتذار رسمي لجميع المظلومين لتسجل في التاريخ أن العراق الجديد يريد العدل والوئام والتآخي.

هل مفاصل الدولة العراقية قادرة أن تنال هذا الشرف العظيم بأن تعتذر من جميع الجرائم التي اقترفت بحق العراقيين في ضل الحكومات المتعاقبة.
هل الأحزاب التي شاركت وصنعت الظلم قادرة على الاعتذار للعراقيين عن الجرائم التي أدت لقتل الأبرياء. هل أمريكا قادرة على تقديم الاعتذار لما قامت به أخطاء بعد إعلانها احتلال العراق. وأن اعتراف الرئيس الأمريكي بوش بأن المخابرات أخفقت في بيان المعلومات الصحيحة من وجود أسلحة دمار شامل وأن أساس حربها كان مبني على معلومات خاطئة…لكن الكثير من العراقيين يرون القضاء على الدكتاتورية من قبل الجيش الأمريكي كان ضروري، لكن ما الثمن الذي دفعه الشعب العراقي وما زال يدفع هل لأمريكا أن تعتذر للعراقيين.

يتحدث البعض بعد فوات الأوان عن تفكك العراق، وينسى أو يتناسى أن مكونات الدولة العراقية هي مجموعة مجتمعات وأجزاء شعوب أجبروا للقبول بالعراق. وهل لم تفكك أواصره حكام سابقين ومن كان عوناً لهم. لو تحدثنا عراق اليوم فيمكن الجزم أنه منهوش الأشلاء وليس فقط مفكك، وبغداد لوحدها نموذج حي وواقعي لما يحدث فيه من تهجير طائفي وتكوين مناطق لطائفة خالصة ومناطق ولائها لهذا الحزب أو ذاك…وإن لم يكن قسراً فالناس خوفاً بدئوا ببيع مساكنهم لينتقلوا لمناطق تلائم توجههم وعقيدتهم…وهذا أدى لارتفاع أسعار العقار ولن نجد أي توجه حكومي لهذه المخاطر. والحديث عن مجمل العراق فمن ينكر التجزئة القائمة تارةً على أساس قومي وأخرى على أساس مذهبي وعشائري وانتماء حزبي أو ولاء خارجي.

ازداد الحديث عن المصالحة الوطنية منذ سنين وبادر لها السيد مسعود البرزاني أولاً فتعالت الأصوات ضده وجعلوا لها صبغة تقريب البعثيين فهدت عاصف المصالحة بنيران الاحتقان الطائفي وضغطت أمريكا على جهات سياسية للجلوس والحديث مع المقاومة الشريفة وغير الشريفة…ولقاءات قادة عراقيين مع قيادات في حزب البعث سراً وجهراً يعلنون العداء خوفاً من أهالي المقابر الجماعية…وأعلن تشكيل وزارة المصالحة الوطنية وعقدت مؤتمرات داخلية دعيَ لها البعض وترك آخرون والجميع لا يريدون المصالحة حقاً وصدقاً لكنهم يتظاهرون للأمريكان بوفائهم للوعود…الحقد والكراهية أكبر من الديمقراطية وإحقاق الحقوق. للدول المجاورة دورٌ مهم في استقرار الوضع الأمني أو تدهوره…فكأنهم يضغطون على زر (لري مون كنترول) فبتغير الوضع من حالة لأخرى. والاتهامات تتطاير بين القيادات والقواعد لتطال الوطني المخلص والغريق في السرقات والقتل والجرائم…فحرق الأخضر بسعر اليابس…طرح تساؤلُ من قبل الجميع ((المصالحة بين من ومن)) ولم يتجرأ قيادي في الدولة الجديدة الإجابة عليها خوفاً على منصبه، لأن جميع السياسيين يستمدون قوتهم من أصوات الناس ويتحرجون من قول الحقيقة والجميع يعرفون ويحرفون الكلم عن مواضعها، ولم يتجرأ أحد منهم تسميت الأشياء (بمسمياتها) لأن الخسارة فادحة الكرسي والأموال المباحة.

من الممكن جداً وهذا هو المحتمل أن البعض سوف يفهمني بصورة خاطئة، والحقيقة أن معظم السياسيين فهموا الوضع العراقي بصورة خاطئة ولا يريدون فهم أسلوب وكيفية بناء العراق الديمقراطي الاتحادي بطريقة علمية حديثة تبعد الشكوك وتعزز أواصر الترابط لكي يزداد الثقة بين جميع الأطراف.

العراق أسس من قبل الاستعمار البريطاني ووافق مجموعة من شيوخ ووجهاء لجعل ملك من أصل سعودي ليحكم يحكم العراق نيابةً عن بريطانيا. بذلك أصبح الأمر تحصيل حاصل بأن جميع المجتمعات التي وضعت في خارطة العراق الحالي والمتنازع على كثير من الأراضي أجبروا للرضوخ لهذا الأمر المفروض والمرفوض. ويبقى العراقي يبحث عن هوية. لكن القومية العربية ونشوء هذه الفكرة من قبل جمال عبد الناصر وقادة عرب آخرين وضع في فكر أكثر العراقيين أن العراق بلد عربي وهذا الأمر بالنتيجة دفع العراق ليخوض حرباً لفترة ثمانية أعوام راح ضحيتها الملايين وأربع ملايين من المهجرين واغتصبت حقوق الكثيرين…وأرجع عجلة التقدم في جميع زاويا المجتمعات العراقية. وذات الفكرة هاجم الجيش العراقي الكرد لسنين طويلة وكان سبباً في حرق حلبجة والأنفال…وزرع الحقد والكراهية وإن كان البعض لا يظهره جليا.

إننا عبرنا تاريخ صعب ومليء بالمآسي والجرائم التي اقترفتها الدولة العراقية وإن كان رغماً على معظم شرائح المجتمعات العراقية، لكن أكثر العراقيين لم يعترضوا على الجرائم وبالخصوص ضد الكرد…بل أكثر المنتسبين للجيش العراقي إن كانوا متطوعين برغبتهم لسوء الحالة الاقتصادية أو لحبهم للدفاع عن الوطن…أو أن تلك الفترات كان للعسكري ذوقاً وحالة كانت تروج لها. ومع كل الذي جرى ولا يمكن نسيانه ولكل عائلة عراقية شهداء ومظالم…والجميع يقول ويحاول العمل من أجل بناء دولة عراقية ديمقراطية على أسس حديثة وهذا الذي نسمعه من الجميع لكن كيف البعض (يعرفها ويحرفها) والبعض لا يعلم ولا يريد أن يتعلم وآخرون متزمتون بآرائهم مهما أدت للمزيد من الحروب الداخلية والتقاتل إن كان طائفي أو قومي.

أن من واجب الرئاسات الثلاثة أن تقدم اعتذار رسمي لجميع الذين ظلموا من قبل الدولة العراقية لكي تتعلم الدول المحيطة بالعراق والدول البعيدة والعالم أجمع إننا نطوي صفحات الماضي المظلم ونريد فتح سجل صفحاتها بيضاء ناصعة لا يسجل فيها ظلم. لو أننا نريد الحديث عن الأخوة العربية الكردية…ولماذا هذا الحديث إن كنا تحت لواءٍ واحد…وكيف يجب أن أقول لفلان أخي وهو مازال مغتصب لحقي وحق أجدادي وآبائي…وقد يستمر في اغتصاب حقوق أولادي وأحفادي. الجميع ظلموا…ولكن هذا الظلم لم يكن بالتساوي حسب ما عبر عنه البعض وهنا أتحدث عن ظلم النظام الدكتاتوري…ولا يمكن للعراق الجديد أن يقبل بالدكتاتورية أي كان نوعها أو لونها…وإلا لا جديد في العراق. الجميع ظلموا صحيح، لكن من ينكر أن أكثر الحروب كان على الكرد ومن جميع الحكومات التي سبقت النظام البائد…وظلم التركمان وظلم شيعة العراق ونسب انتمائهم لإيران كما ينسب اليوم من قبل البعض القليل الذين يتعمدون للجهل المركب… وظلم المسيحيون كما يظلمون اليوم..وظلم الصابئة كما هجروا وملئت أوروبا منهم…وهجر العرب السنة والعرب الشيعة وهربت الكفاءات لأنهم أصحاب علم وقتل الأطباء والمهندسين والطيارين والإعلاميين والمثقفين. أن الاعتراف الرسمي بجميع تلك الجرائم الماضية واللاحقة هو رد اعتبار. أن الاعتذار من الكرد لما لحق بهم طيلة تاريخ العراق هي النواة الأساسية للمصالحة الوطنية…أن الاعتراف بحق الكرد من تقرير مصيرهم والذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة هي بداية لعراق متطور إنساني يعترف بالحقوق ويسعى لتحقيقها. أن رد اعتبار الكرد الفيليين وإرجاع حقوقهم المغتصبة هو رد جميل لهذا الطيف الشجاع الذي كافح آبائهم وأجدادهم منذ القدم من أجل العراق سياسياً واقتصاديا وثقافيا. أن هذا الاعتراف والاعتذار لا ينقص من منزلة العراق والقيادات السياسية…ولا ينقص من منزلة طيف دون آخر ولا هو نجاح لقومية على حساب قومية ولا فوز لحزب على بقية الأحزاب لأن الجميع مشاركون في العملية السياسية وبناء الدولة الحديثة المنتظرة. هل لدى الرئاسات الثلاثة شجاعة كافية. أتمنى على البرلمان العراقي أن يناقش هذا الموضوع المهم. وأتمنى أن نحكم بالإعدام على الفكر الشوفيني وعلى الحقد والكراهية وليس إعدام المجرمين فقط…فلم تكن القتلة خمسة وخمسون فرداً، وليس الملطخة أيديهم بدماء العراقيين يعدون أو فقط الذين نفذوا الحقد والكراهية…بل كل من يحاول الفرقة وزرع البغضاء من جديد.
من طالب قبلي من الحكومة بالاعتذار لكن لمجتمع معين، أقرأ في الرابط أدناه: http://www.alnoor.se/article.asp?id=23441

هل نحن قادرين على طي صفحات الماضي السحيق والمظلم لنشرع بتسجيل تاريخ عراقي حديث جميع صفحاته تبقى بيضاء.

المخلص
عباس النوري