الرئيسية » مقالات » اللعب على الحبلين

اللعب على الحبلين

في ضوء المحاصصة الطائفية المقيتة طفت على السطح جراثيم ضارة كانت ولا زالت من بقايا النظام السابق ومن أزلامه الذين هيئهم البعث لمثل هذا اليوم، يوم سقوط البعث وانكشاف حقيقته الفجة كحزب دكتاتوري مقيت ،لا هدف له إلا القتل والسرقة والنهب والعمالة للأجنبي،فقد كان البعث خلال حكمه المريض في العراق يعيش حالة صراع بين أطرافه المختلفة وقياداته الهزيلة،وكانت الأجنحة المتصارعة تلجأ إلى العنف في حل نزاعاتها ويقتل من خلال هذه النزاعات آلاف الوجوه الكالحة ممن يتشابهون في النوايا والأهداف ويختلفون على المكاسب،فكانت المؤامرات الصدامية على القيادات البعثية منذ يوم 17 تموز 1968 الأسود،حيث قامت زمرة البكر- صدام بتصفية القيادات التي اختلفت معهم ليس في الوطنية أو خدمة البلاد وأنا في المصالح والامتيازات، وصفت هذه الزمرة الكثير من القتلة المجرمين من كبار البعثيين فذهبوا الى مزبلة التاريخ ،واستمرت دوامة التصفيات حتى أتت على الكثير من القيادات البعثية البارزة ،فكان مصير الآلاف منهم القتل والحبس والنفي والتشرد ،و صراع المصالح الذاتية هو ديدن هؤلاء القادة المخانيث ،فهرب من هرب وقتل من قتل وظلت المطحنة الصدامية تهرس بالمتبقين حتى لم يبقى غير من يجيدون هز الأرداف ومسح الأكتاف من أمثال عزت أبو الثلج وطه الطباخ،وأبناء العائلة من رعاة الأغنام وهوام القرية ،فكان هؤلاء الطاحونة التي تطحن بالبعثيين وعلى أيديهم حدثت التصفيات الكثيرة للعراقيين من بعثيين خونة ووطنيين شرفاء ذهبوا ضحايا العنجهية الصدامية البغيضة.

ولكن هناك قسم آخر من أتباع النظام لم يكن بعثيا أو من أصحاب الدرجات العليا في الحزب وهؤلاء كانوا مخابرات صدامية تتجسس لصالح النظام أو واجهات تجارية تعمل لأزلامه ومنهم من سرق أموال النظام بعد سقوطه وآخرين كانوا يعملون مع المعارضة في الظاهر وهم جواسيس للنظام في الباطن وهؤلاء معروفون للعراقيين ومنهم الأدعياء الذين أصبحوا اليوم أعضاء في مجلس النواب وتوزعوا على الكتل البرلمانية المختلفة وأصبح لهم تأثيرهم في رسم السياسة العراقية،ومنهم صالح المطلك وخلف العليان اللذان لا ينكران ارتباطهم بالبعث وانحيازهم إليه بل هم الواجهة البعثية التي يراهن عليها البعث مع آخرين معروفين ومستورين سينكشفون عندما يحين الوقت اللازم ليسفروا عن وجههم القميء،فكان هؤلاء يد مع العملية السياسية وأخرى مع الإرهاب،ورجل مع الحكومة وأخرى مع البعث والجميع يراهن على البعثيين المتضررين من التغيير أو من خابت آمالهم في النظام الجديد بسبب عجزه عن تأمين الحد الأدنى من العدالة وانتشار الفساد وتردي الخدمات وهو ما يقف خلفه البعث وأزلامه الذين هيمنوا على مفاصل الدولة العراقية بسبب الأحزاب الوافدة التي لا تمتلك قواعد أو كفاآت أدارية وفنية فاعتمدت على هؤلاء وأبعدت الوطنيين الشرفاء الذين لا يبيعون مبادئهم ووطنهم لمن يدفع الثمن وكان بإمكان السلطة الجديدة الاعتماد على الشخصيات الوطنية المشهود لها بالنزاهة والكفاءة ليقوموا بإدارة الدولة الجديدة وتمشية أمورها ولكن الحكام الجدد حاولوا الاستفادة من نفايات العهد البائد في أدارة الدولة فكان هذا الفشل المريع لأن أكثر من تسلم المناصب الحساسة لا يمتلك أي مؤهل يجعله قادر على أدارة بلدية فكيف يكون وزيرا أو مديرا ،وأمر آخر أن البعض بتحريض وأغراء من البعثيين أنفسهم أخذ يفكر في الاستفادة القصوى من المال العراقي ،فكان الفساد المستشري الذي أزكمت روائحه الأنوف ويقف وراءه الجهاز الإداري البعثي الذي علم الوافدين على الطرق الفنية في الفساد وأستطاع الاستفادة منهم في تكوين ثروته الخاصة وإسقاطهم جماهيريا.

والبعث المتمرس بالتآمر والنفاق والخديعة والمكر،ويمتلك خلفيات عالية في التعامل مع المتغيرات ،دفع برموزه السرية وأخرى علنية لتكون في واجهة النظام الجديد وجاءت الانتخابات بما حفلت من تزوير وألاعيب لتدفع بالعشرات منهم الى البرلمان وهؤلاء عرفوا كيف يتعاملون مع الأوضاع فكان العليان والمطلك على ارتباط كامل بالسفارة الأمريكية وعلاقات مباشرة مع السفير الأمريكي ،في الوقت الذي يجاهرون بالعداء لأمريكا ويطالبون بإخراجها من العراق لأنها قوات محتلة ولكنهم يتعاملون معها من وراء ستار لتحقيق انجازات مهمة يستطيعون من خلالها حرف الأوضاع بما يخدم مصالحهم،وآخر الحيل التي لعبها المطلك والعليان ومن ورائهم جبهة التوافق ،هي الاتفاقية الأمنية حيث أوحى هؤلاء للجماهير والحكومة بأنهم ضد الاتفاقية وأنها لن تمرر في البرلمان إلا وفق شروط وتنازلات كبيرة في الوقت الذي أعطوا التعهدات المطمأنة للأمريكان بالتصويت لصالحها ،ويبدوا أن الأمريكان كانوا يسيرون بذات الاتجاه إذ أوحوا للائتلاف العراقي بأن التوافق سوف يصوتون ضد الاتفاقية ولا يمكن تمريرها إلا بالاتفاق معهم وإعطائهم ضمانات ،فكانت وثيقة الإصلاح الوطني التي تمكن من خلالها التوافقيون ومن يسير في فلكهم من تمرير الكثير من المطالب المهمة التي سيكون لها تأثيرها الضار على العراق مستقبلا مقابل تمرير الاتفاقية الأمنية ،رغم أن ما يجري خلف الكواليس من أمور سرية لا يمكن التكهن بها كان له أثره أيضا في تمرير مثل هذا المشروع وبالتالي أستطاع البعث أن يمسك بخيوط اللعبة مجددا ليكون له تأثيره على القرار العراقي وبالتالي سيمهد الطريق للعودة الى الحكم بوجهه القبيح أو بوجه آخر يصاغ له في البنتاغون أو السفارة الأمريكية ،وعلى رأي المثل الشعبي (وكـأنك يا أبو زيد ما غزيت) فسوف يلغى اجتثاث البعث وتدفع ملايين الدولارات للبعثيين المتضررين ويعودون الى السلطة – رغم أن أكثرهم عادوا فعلا- وتلغى جميع المحاكم والدعاوى المقامة ضدهم ويطلق سراح جميع الأرهابيين والقتلة المعروفين ،وتعود حليمة الى عادتها القديمة ويصبح البعثيون القوة الضاربة من جديد بعد أن عاد الآلاف منهم الى الأجهزة الأمنية والعسكرية وسيكون المستقبل لصالحهم وتكون المحاصصة بين البعثيين والآخرين ، بعيدا عن المحاصصة الطائفية لتكون محاصصة بعثية ،لأن البعثيين ومن يقف خلفهم قادرين على اللعب في مختلف الساحات لما يمتلكون من خبرات استثنائية يتعذر على الآخرين الحصول على جزء منها،ويمتلكون من الإمكانيات المادية ما يجعلهم ينافسون أكبر الأحزاب التي اغتنت حديثا،وهناك من لا يزال يؤمن بهم أو يخشى منهم ،لأن التاريخ البعثي المعروف بفظاعته لا يزال ماثلا أمام عيون العراقيين،ولا زال الكثيرون يخشون عودتهم الجديدة تحت أي واجهة كانت .

وقد (أكدت الأنباء التي سربها مقربون لجبهة التوافق ، إن الجبهة مع حلفائها فی جبهة الحوار التی یتزعمها صالح المطلق ، وبتنسیق مع دبلوماسیین فی السفارة الأمريكیة ، تمکنوا من خداع الائتلاف العراقی و تحدیدا الحكومة و مجلس النواب وحزب الدعوة ، لتمریر الاتفاقیة الأمنية مع أمريكا.

وأفادت وکالة أنباء فارس بأن مصدرا مقربا من جبهة التوافق و هو أيضا مسئول فی الدولة ، قال إن قادة التوافق و جبهة الحوار ، كانوا على اتصال مستمر مع السفیر الأمريكي رایان کروکر و دبلوماسیین معاونین له ، بشان الاتفاقیة الأمنية ، و أعطوا تأكيدات لهم ، بأنهم سیمررون الاتفاقیة الأمنية فی اللحظات الأخيرة ، و لن یسمحوا بسقوطها فی التصویت .
و قال هذا المصدر “إن هذه المناورة السیاسیة کما اسماها المصدر – و التی هی اقرب إلى الخداع منها إلى إن تسمى مناورة – أثبتت كفاءة و قدرة المفاوضین السنة و الحصول على مزید من الحقوق لصالح ناخبیهم” !

وأضاف المصدر : “لقد اتصل الشیخ علیان و اکثر من مسئول فی جبهة التوافق مساء الثلاثاء ، بأركان السفارة الأمريكية من العاملین على ملف الاتفاقیة الأمنية ، و بینهم السفیر رایان کروکر ، و أكدوا لهم إن الجبهة سوف تخبر السید نوری المالکی و بقیة قادة الائتلاف ، بأنها سوف تمتنع عن التصویت الأربعاء لصالح الاتفاقیة ، ما لم تلب مجموعة من الشروط ، التی أطلقوا علیها وثیقة الإصلاح السیاسی ، و عددوا لهم أهم تلك الشروط” .

وأضاف المصدر : “إن الأكراد ، كانوا أيضا على علم كامل بان جبهة التوافق سوف تصوت الى جانب الاتفاقیة ، و قد اخبرهم السفیر رایان کروکر بذلک شخصیا خلال اتصالاته معهم ، و ابلغهم بأن خلف العلیان قد اکد للمسئولين و أعضاء الكونغرس فی زیارته الأخيرة إلى واشنطن ، بان الجبهة ستکون إلى جانب الاتفاقیة الأمنية و ستعمل على أن تمرر فی مجلس النواب . لکن الأكراد لم یخبروا حلفاءهم فی الائتلاف بهذا الوعد الذی قطعته جبهتا التوافق و الحوار على نفسیهما بتمریر الاتفاقیة”! .