الرئيسية » مقالات » التكامل في تفسير الفكر والسلوك الإنساني الجزء الأول

التكامل في تفسير الفكر والسلوك الإنساني الجزء الأول

تعددت القيم والمفاهيم التفسيرية في الفكر الإنساني وتأثيرهما في تاريخ الحضارة الإنسانية, وتفاعلاتها وآثارها وأشكال ونمط العلاقات, والدوافع الرئيسة والثانوية في صناعة التاريخ , وبلورة أحداثه والمنعطفات المؤثرة في تفسير الاتجاهات والمذاهب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية, ومدى علاقة الفكر وتبلوره ومدارسه , تأثرا وتأثيرا, في تقعيد هذا التفسير والتأسيس له, والوصول في ذلك كله إلى صيغ جامعة يعتد بها , ويطمئن البحث الأكاديمي منهجيا إليه , في حيادية ورصانة وبعد عن الأحكام المسبقة, والآراء والرؤى المعلبة والجاهزة , والمساقة وفق صيغ مدرسية مقررة , تعتمد هذا الاتجاه أو ذاك , مما يجعل هذا التفسير قاصرا ومحدودا , لوقوعه في الدائرة الفكرية والمذهبية الضيقة, وتغليب التفسير المدرسي عليه مما ينفي عنه الصفة العلمية والمنهجية, ويدني من مستوى القوة والإحاطة والدقة الموضوعية فيه , دون أن ينفي عنه سمة تحقيق جزء من التعليل الصحيح, والتفسير الجزئي المنطلق من تلك المدارس والرؤى والاتجاهات التي ألهت البشرية زمنا طويلا , وجعلته تختار تفسيرا ناقصا وغير مكتمل, عبر مراحل حضارية مختلفة , وأطوار تاريخية متباينة, ومناهج في التحليل والتفسير والدرس والتنظير, للوصول إلى معالم فكر يريح البشرية من شقائها وصراعاتها, وحروبها وثاراتها, وغرائز ونزوات التحكم والتملك والاستئثار والاعتداء على مقدرات الآخرين, أو الاستعلاء وتمجيد عرق أو لون أو جنس أو فئة أو اتجاه فكري أو جماعة أو طبقة قاهرة أو طغيان قوم أو تحكم واستبداد فردي أو جماعي , وطرح منظومة فكرية أو صيغ أخلاقية وقيمية محددة يحملها مفكر أو فيلسوف أو داعية أو تقرها جماعة وفق تراتبية عقائدية,أو رؤية اعتمدتها وصاغتها مدرسة فكرية معينة , كل ذلك في إصرار على رفع قيم تلك الرؤى والمبادئ, مدفوعة في ذلك بقوة ذاتية في الفكرة ذاتها, أو في قوة مساندة , ودعم ثوري وغير ثوري لها, أو في اتخاذ طابع قسري , أو آخر منهجي, تقف عنده وتدافع عنه, وتعده من المسلمات والقضايا العلمية التي لا يرقى إليها أدنى شبهة أو ارتياب , حتى إذا أثبتت التجارب والدراسات وتراكم الخبرات وبخاصة في مجالات متعددة من التطبيق العملي والدراسة الميدانية , النقص الواضح في تعليل شامل لظواهر لا يكاد يحيط بها تفسير أحادي ” روحيا أو أخلاقيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا , فكريا أو عقليا , وجوديا أو عبثيا , دافعا عضويا أو مثاليا أو واقعيا …”, راح الباحثون يتلمسون تعليلا أقرب – في رأيهم – إلى الصواب والدقة وحسن الإحاطة .. وهكذا إلى أن تراكمت العلل . وتواترت الأسباب, لتقودهم إلى البحث عن الدواعي الشاملة والموجبة لمراجعات ودراسات متأنية , وأبحاث أكثر عمقا وقدرة على الفهم والتحليل ودراسة الظاهرة التاريخية والسلوك الإنساني من خلالها , بما يقعد لفكر سليم متكامل, لا يكاد يقتصر – في معرض الدراسة المنظمة والتحليل المحيط والناجز – على عامل محدد حتمي يقهر بحكم الآراء المتحكمة والسلطوية والاستعلائية الرأي القائم على الرؤية الأخرى, مما يعطل الفكر ويجمد روح الاجتهاد.
فقد ارتأت المدارس الفكرية والسيكولوجية والروحية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية , كل مدرسة في نطاقها وفي حدودها, تفسيرا للظاهرة السلوكية والتاريخية, وفق قواعدها ورؤيتها وتوجهها وفهمها للأمور, بما يتناول جزءا هاما من الحقيقة, وشيئا أساسيا من النظرة التعليلية, دون أن تحيط الإحاطة الشاملة والمتكاملة, بكل أبعاد الظاهرة وآفاقها, وتأثيراتها الحياتية المتكاملة والتي تفترض رؤية منهجية دقيقة , تلم وتجمع مختلف الظواهر ومظاهر الحياة, في تداخلها واتحادها وتعلق بعضها بالبعض الآخر, لكون الظاهرة المدروسة ببساطة تنطلق من الإنسان وتفاعله مع مختلف جوانب الحياة وقضاياها, المتحدة أصلا والتي تفصم وتحدد تسهيلا للدرس , وإمكان تناول مختلف الجوانب , وجمعها وتحليها, وحسن تفسيرها, ولكون الإنسان يعد محور العملية برمتها والمطلوب في التحليل النهائي ,لأنه هو المحرك والدافع والفاعل , والمنفذ لدفع قيم الحياة والعمران والبناء والتطور , بما أوتي من القدرة على التغيير والتفكير وإرادة ذلك, وفهم معادلة الحياة والكون , والطاقة الكامنة , والمخزون المعرفي المؤتمن عليه , شريطة العمل بأسس وقواعد العمل الأخلاقي الشامل , والرؤية الخيرة والجامعة, متمثلا في رقابة ذاتية عميقة وأصيلة, ويقظة وصحوة داخلية ( سبق أن وقفنا عدها مطولا ) , كما يشترط في ذلك امتلاكه ناصية التراث المعرفي الإنساني والحضاري, في النطاق الفردي والجماعي ( انظر بحث التراث الإنساني ) .
وقد جاء التفسير للظاهرة التاريخية و السلوكية نابعة من تلك المدارس , و وفق تصوراتها و مناهجها, انطلاقا من تحديد الرؤية في فهم الظاهرة و ما ينعكس عنه من تصرف في السلوك, و ما يعكس كل ذلك من تصور جماعي يرقى إلى تحديد فهم جمعي , يتناول السلوكية و الفكر , أو الاعتقاد و التصرف الناجم عنه, و ما تعكسه جملة التصرفات للوصول إلى صيغ ذلك العمل الجمعي كمنعكس مباشر و غير مباشر للتصور العام .
فقد مرّ المجتمع الإنساني في تكونه ابتداء من مرحلة الطفولة البشرية, و ما يقف خلفها من بدائية التصور , و لغتها الكامنة و الساذجة في الأعماق , و ما كانت تعكسه من ظواهر بدائية, في الالتقاط و الحرث المحدود و استكناه قوى الطبيعة, و محاولة اتقاء شرورها, و ما يتعلق بالمحيط المحدود , فكانت المعاون و الفؤوس الحجرية , و سواها من الأدوات في العصور البدائية الأولى , و ما كان من إنسان ( نياندرتال و كرومانيو ) , في العقود التاريخية الأولى من العصر الحجري و ما تلاه من اكتشاف الحديد و النار للانتقال إلى طور أكثر تقدما و تطورا , في العصر البرونزي , و ما تبع ذلك من بدايات الحقبة الحضارية الأولى قبل عصر التدوين في الألف العاشرة الأولى قبل الميلاد ( كوبادو , ساره تبه , شمشاران , و قبلها بآلاف السنين عصور دودري , شانه ده ر , حه سه روست , و ما كان من حضارة في الشرق الأقصى ” منغوليا , التيبت , القوقاز الشمالي …. ” ) , ليأتي عصر التدوين منذ نحو خمسة آلاف عام , و وفق المكتشفات الأثرية, بعد الاستقرار الحضاري حول الأنهار الكبرى , و في القوقاز الجنوبي , و ما تلاها من امتدادات حضارية واسعة ( في سومر , و أكاد , و ما بين النهرين و في جبال زاغروس , و مملكة آلالاخ , و مصر و أعالي السودان , و سواها مما بدأ الانتشار يأخذ مداه في الجغرافيّة … ) .
وفي عصر التدوين ودخول البشرية مرحلة الرشد الإنساني تدريجيا, بدأت الرؤية الإنسانية تتجلى وتتضح باتجاه فلسفة الحياة وقيمها الروحية وتطلعها تارة إلى الأرض وضروراتها ومقومات البقاء, وتارة إلى السماء وقيم النفخة العلوية والارتقاء القيمي, وتجاذبها بين هذا وذاك , لنطلق إرادة فهم الحياة والكون والإنسان وما في كل ذلك من رؤى ومفاهيم ودعوة البدء إلى التحليل والتعليل والتفسير… – يتبع في الجزء الثاني –