الرئيسية » مقالات » العراق في الذكرى السنوية الستينية لصدور لائحة حقوق الإنسان الدولية

العراق في الذكرى السنوية الستينية لصدور لائحة حقوق الإنسان الدولية

شارك العراق , باعتباره من الدول المؤسسة للهيأة العامة للأمم المتحدة , عضواً في الهيأة الدولية التي وضعت مسودة اللائحة الدولية لحقوق الإنسان والتي أقرت وصدرت في العاشر من شهر كانون الأول/ديسمبر 1948. ثم صادق عليها مجلس النواب العراقي والحكومة العراقية.
وإذ يحق للشعوب أن تحتفل بهذه المناسبة التاريخية التي انتصرت للفرد والجماعة في تكريس حقوقهما والدفاع عنهما عالمياً , والتي اتسعت فيما بعد بصدور عدد من العهود والمواثيق الدولية والإقليمية الجديدة حول مختلف جوانب حقوق الإنسان السياسية والا قتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وحقوق الطفل وحقوق المرأة وتحريم التعذيب وحقوق الأقليات القومية وحقوق أهل اصل البلاد …الخ, فأن من حق الشعب العراقي أن يقول بأنه نادراً ما تمتع بهذه الحقوق , بل عانى من ذات الحكومة الي وقعت عليه. وبمرور الوقت زاد الجفاء لهذه الحقوق من جانب الحكومات المتعاقبة وعانى الأمرين خلال العقود الخمس المنصرمة. ومن هنا يكون السؤال التالي عادلاً ومشورعاً : أين وقف ويقف العراق منذ صدور هذه اللائحة حتى الآن من حقوق الإنسان؟
ليست قليلة تلك الشعوب التي عانت من نزق ونرجسية وسادية حكامها المستبدين وفي مختلف قارات العالم على امتداد الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حتى الآن. ولكن الشعب العراقي بكل مكوناته القومية كان واحداً من بين عدد غير كبير من شعوب الأرض قاطبة التي عانت من هذه السمات في حكامها ومن استبداد استثنائي وقمع واضطهاد ومصادرة كاملة لحقوق الإنسان , ومنها الحق في الحياة والكرامة , ومصادرة تامة للحريات الفردية والعدالة الاجتماعية والحقوق القومية, ومن الذهنية والممارسة العنصرية والشوفينية والطائفية السياسية وحروب داخلية وخارجية وحصار اقتصادي دولي وحرمان وجوع وبؤس وفاقة , إضافة إلى إقامة السجون والتعذيب والقتل الجماعي والقبور الجماعية. وفترة حكم البعث العربي الاشتراكي بقيادة أحمد حسن البكر وصدام حسين كانت هي الأسوأ والأبشع في كل تاريخ العراق الحديث.
شهد الشعب على أيدي حكام العراق وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية حتى الآن الكثير من صيغ التشريد والتهجير القسري (يهود العراق) والتعريب والإسقاط السياسي والإعدام لأسباب سياسية كما حصل للعقداء الربعة في أعقاب حركة مايس 1941 , وإعدام الضباط الكرد الأربعة في اعقاب انتفاضة الشعب الكردي في العام 1946 , وإعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي في العام 1949 في أعقاب وثبة كانون 1948 , وسحب الجنسية العراقية عن مناضلين سياسيين وأنصار السلام في العام 1954/1955 , ورفض الاستجابة للحقوق القومية للشعب الكردي. ثم توالت المصائب والكوارث دفعة واحدة حتى أصبحت جزءاً من حياة الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية في فترة حكم البعث الأولى 1963 , ومن ثم في فترة حكم البعث الثانية , وهي فترة بغيضة ومريرة على الغالبية العظمى من بنات وأبناء الشعب العراقي. وكانت المعاناة كبيرة في هذه الفترة على الشعب الكردي والكرد الفيلية وقواه السياسية وعلى العرب الشيعة بشكل خاص , ولكن معاناة العرب من أهل السنة لم تكن قليلة حتى في عقر دار الدكتاتور صدام حسين. كما تعرضت كل الأحزاب السياسية المعارضة ابتداءً من الحزب الشيوعي العراقي والأحزاب الكردستانية مروراً بكل القوى الديمقراطية والتقدمية اليسارية والمستقلة العربية وانتهاء ببعض القوى القومية وجماعات من أتباع حزب البعث الحاكم وكذلك الجناح السوري لحزب البعث في العراق. فكانت هناك مجازر بشرية حقيقية ضد الكرد والكرد الفيلية والعرب الشيعة والشيوعيين العراقيين والديمقراطيين وجمهرة من البعثيين ايضاً نظمتها قيادة حزب البعث وأجهزته القمعية. واحتوت السجون عشرات الوف البشر الذين دفنوا تدريجاً في قبور جماعية أو استمروا يقضون بقية عمرهم في غياهبها حتى سقوط النظام. لم يعرف العراق مرحلة قاسية ومريعة حتى يوم سقوط الدكتاتورية عبر حرب خارجية ضد النظام كتلك التي عاشها في ظل حكم صدام حسين وجلاوزته. وعلى المناضلين في سبيل حقوق الإنسان أن لا ينسوا هذه الفترة لكي لا تعود ثانية إلى واجهة الحياة السياسية العراقية , وأن لا ننسى الضحايا التي سقطت بفعل الدكتاتورية الغاشمة.
ومنذ سقوط النظام العراقي امتلك الشعب حريته النسبية بخلاصه من الدكتاتورية , ولكنه عاش تحت الاحتلال ومراراته وسياسات الإدارة الأمريكية وممثلها بول بريمر السيئ الصيت ودورها في تكريس الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية في السلطة وعبر أحزاب سياسية إسلامية طائفية بشكل خاص وهيمنة قوى وأحزاب وميليشيات إسلامية سياسية مسلحة وإرهابية على الشارع العراقي وعلى سلوك وحركة الناس لسنوات عدة , تسببت في مصادرة حرية الإنسان الحقيقية وقدرته على حرية الحركة في بلاده , وتسببت في موت مئات ألوف البشر خلال السنوات الست المنصرمة , كما تسببت في ظاهرة تفاقم الصراع الديني والطائفي من جانب قوى الإسلام السياسية المتطرفة والبعض ممن يحسب في معسكر القوى الإسلامية السياسية المعتدلة , إذ كانت حصيلتها معاداة المسيحيين والسعي إلى دفعهم للهجرة من العراق بكل السبل , بما فيها التهديد والقتل والنهب والسلب والسيطرة على دور السكن , تماماً كما حصل ليهود العراق قبل أكثر من نصف قرن. حيث تقلص عدد المسحيين في العراق إلى أكثر من النصف خلال السنوات الخمس المنصرمة. كما تعرض الصابئة المندائيون إلى إجراءات عدوانية اقترنت بعمليات التهديد والقتل والنهب والسلب والتهجير القسري وفرض التحول نحو الإسلام من قبل تلك القوى وميلشياتها المسلحة , وهي مماثلة لما حصل ويحصل للمسيحيين , حيث يقدر العدد المتبقي من الصابئة المندائيين منذ سقوط النظام الدكتاتوري حتى الآن بأقل من ربع عددهم قبل حرب الخليج الأخيرة في العام 2003. وواجه ويواحة الإيزيديون الكرد معاناة مماثلة حيث قتل الكثير منهم في أقضية وقرا وقصبات الموصل خلال السنتين المنصرميتن على نحو خاص. ويتعرض اليوم أتباع الشبك من معامنلة مماثلة. ولا بد من الإشارة إلى إن أغلب المهجرين والمهاجرين قسراً هم من مثقفي ومتعلمي العراق ومن الأدمغة المثقفة والمنتجة للفكر والأدب والفن والعلوم والكوادر الحرفية المتقدمة في مختلف الاختصاصات والمجالات. إنها خسارة كبيرة للشعب العراقي وتنوعه , خسارة لاقتصاد العراق وثقافته وتنوعه البديع.
رغم التحسن الأمني الجاري في العراق , إلا أن السياسة التي مارسها مجلس النواب العراقي بشأن إقراره قانوناً يقلص عدد من يمثل أتباع الأديان الأخرى غير المسلمين في انتخابات مجالس المحافظات وصادقت عليه رئاسة الجمهورية هو قانون مخالف للدستور العراقي وللائحة حقوق الإنسان الدولية. وحصل هذا ونحن نقترب من الذكرى الستينية لصدور هذه اللائحة , بغض النظر عن مدى قناعتنا بقاعدة التمثيل الحصصي في مثل هذه المجالات , إذ أن حقوق المواطنة المتساوية مفقودة أصلاً في العراق حتى الوقت الحاضر.
إن الذكرى الجديدة لصدور اللائحة الدولية لحقوق الإنسان يفترض أن تحفزنا للنضال من أجل رفض التجاوز الشديد والمتواصل على حقوق المرأة الأساسية في العراق , وكذلك النضال من أجل تغيير المادة 41 من الدستور والتي تناقض مضمون المادة 14 منه , وضد العنف الذي يمارس على نطاق واسع ضد المرأة في العراق , وهي من بين الأكثر بشاعة في العالم , رغم الحديث عن حريتها النسبية في العراق. إن مطالبة المرأة بتغيير نص ومضمون هذه المادة ليس ضرورياً فحسب , بل هو حاجة ماسة للشعب العراقي كله وليس للمرأة وحدها , وبالتالي فأن العودة إلى قانون الأحوال الشخصية الذي وضعه عبد الكريم قاسم وصادق عليه مجلس السيادة العراقية حينذاك هو الحل العملي والذي تطالب به أكثر الكتل النيابية العراقية , كما توقعت عضو مجلس النواب العراقي النائبة عن القائمة العراقية الأخت ميسون الدملوجي أن يغير رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي موقفه من المادة 41 من الدستور العراقي الخاصة بالمعاملات الشخصية بالاتجاه الإيجابي , وفق ما نقلته نيوزماتيك بتاريخ 3/12/2008 .
أن بقاء نسبة مهمة من البنات والأولاد في عمر التعليم بعيداً عن مقاعد الدراسة بسبب الفقر والبطالة التي تعاني منها نسبة عالية من الآباء والأمهات , إضافة إلى استمرار المعاناة من خشية الموت على أيدي الانتحاريين أو الاختطاف أو الاغتيال الفردي , يعتبر تجاوزاً فظاً على حقوق الإنسان. , كما أن جمهرة كبيرة من الذين تعرضوا للموت أو التعويق بسبب السجن والتعذيب أو التهجير القسري أو مجازر الأنفال وحلبجة أو المهجرين العرب من الوسط والجنوب وغيرها لم يستعيدوا جزءاً من حقوقهم المشروعة حتى الآن رغم مرور ما يقرب من ستة أعوام على سقوط النظام , وهي جزء عضوي من حقوق الإنسان. وبعضهم لا زال يلاحق المسئولين لاستعادة تلك الحقوق من دون فائدة , كما في حالة الكُرد الفيلية.
والمعلومات المتوفرة تشير إلى أن السجون الأمريكية والعراقية لا تزال مليئة بالمعتقلين السياسيين , ومنهم من هو متهم بالإرهاب وقتل الناس الأبرياء. إن لائحة حقوق الإنسان تؤكد على عدة مسائل جوهرية في هذا الصدد , منها بشكل خاص:
** عدم تعريض المتهم اياً كان الفعل المتهم به إلى التعذيب , إذ أنه يتناقض مع كرامة الإنسان أولاً وقبل كل شيء. ولا تزال في ذاكرتنا جميعاً تلك الأساليب الوحشية التي مارستها قوات الاحتلال في سجن أبو غريب , أو الجلاوزة من المليشيات المسلحة التي التحقت بوزارة الداخلية في فترة حكم الجعفري وصولاغ في معتقلاتها الأرضية والتي كشف عنها فيما بعد , وهي لطخة عار في جبين من مارسها ومن سكت عنها.
** الإسراع بالتحقيق وإطلاق سراح من لم تتوفر أدلة كافية على التهم الموجهة له , وتقديم الآخرين وبسرعة إلى محاكمة شرعية وعادلة.
** توفير إمكانية الدفاع المشروع للمتهم وتوفير إمكانية اللقاؤ بمحاميه.
** السماح له بزيارات منتظمة من افراد عائلته وعدم تعريضه أو تعريضهم للمضايقة.
** توفير العناية الصحية والتغذية المناسبة في سجون تتوفر فيها ما يتناسب وكرامة الإنسان.
وهناك الكثير من المعلومات التي تشكك بوجود مثل هذه الشروط , لهذا يفترض فتح ابواب السجون أمام منظمة العفو الدولية ولجان حقوق الإنسان والتعجيل بإطلاق سراح من لم تثبت التهم ضده أو إدانته.
إن من حق عائلا المغدور بهم المطالبة بتشكيل لجان تلاحق المجرمين الذين نفذوا تلك العمليات للوصول إلى نتائج تعلن على الملأ , إذ بغير ذلك يمكن أن تفسر الأمور بغير ما يرتاح له المسئولون في العراق. إن من حق منظمات حقوق الإنسان المطالبة بذلك ايضاً , ولا بد من التفاعل الإيجابي مع هذه المطالبة.
وعموماً لا تزال حقوق الإنسان في العراق بعيدة كل البعد عن المبادئ التي كرستها اللائحة الدولية لحقوق الإنسان والمواثيق والعهود الأخرى , وهي المهمة التي تستوجب مواصلة النضال من أجل تحقيقها في دولة كانت من أوائل من صادق عليها , ولكنها لم تلتزم بها ابداً!
4/12/2008 كاظم حبيب