الرئيسية » مقالات » مــيدان المغازلــة !!

مــيدان المغازلــة !!

زرت زميلي في التدريس المعلم الكندي في داره فاستقبلني بحفاوة في المطبخ !! معتذرا لأنه مشغول في صنع الطعام لولده وزوجته !!
استغربت في بداية الأمر لأنه كان على علم بزيارتي، لكن الحوار ( بإنكليزيتي المطركعة ) معه أدخلني في أجوائه ، وخاصة عندما سألني : هل تطبخ في البيت ؟
اعترفت له مباشرة ومن غير استجواب أن عمل الرجل في المطبخ في أعرافنا غير مقبول ، وكأن المطبخ خلق للمرأة والمرأة خلقت للمطبخ .
استفسر قائلاً : وهل عادتكم هذه نابعة من تعاليم دينكم الإسلامي ؟!!
استمر الحوار ، وأعتقد أني استطعت أو أوصل إليه ما كنت أريد .
عدت إلى الدار وأنا أتألم كلما تذكرت العادات البالية التي تفصل بين الزوجين حتى قبل اقترانهما ، وكنت أتساءل : أين تأثير الحب، وألحان الورد بين الزوجين، أين الزوج القوي ببنيته من التخفيف عن زوجته الرقيقة وحبيبته الرهيفة أعباء الحياة، وإراحة كاهلها من منغصات الأيام ..
تجمع الدراسات ونتائج الاستطلاع والنتائج الشخصية على أن مشاركة الرجل لزوجته في أعمالها المنزلية تزيد من العلاقة الحميمة بينهما .
الظلم والتخلف :
مصيبة المصائب إذا ما اجتمع الظلم والتخلف معا في مجتمع ما، لا سيما أن نتائجهما الوخيمة تقع غالبا على الجهات الضعيفة !!
الظاهرة المنتشرة على طول عالمنا الإسلامي وعرضه على أن الرجل الذي يدخل المطبخ أو يغسل الثياب أو ينظف البيت مشاركا زوجته في أعمالها، إنما يقلل من رجولته ومنزلته بين أقرانه، وإذا ما تجرأ واستطاع إقناع أصدقائه المثقفين إلا انه يبقى أسير عادات قومه وعشيرته أو أسرته التي ينتمي إليها !!
القدوة الحسنة :
ونظرا لأهمية هذه المسألة في حياة الزوجين سبقنا إليها بمعاملته الطيبة وأخلاقه مع زوجاته قدوتنا ومعلمنا الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو القائل : ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )، وهو القائل أيضا : ( ما أكرم النساء إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم ).
وبين هذين الحديثين الشريفين كانت حياته صلى الله عليه وسلم العطرة مليئة بمشاهد العطف والرحمة تجاه زوجاته وشريكات حياته رضي الله عنهن جميعا .
فعندما سئلت أمنا عائشة رضي الله عنها : ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته ؟ قالت : كان يكون في مهنة أهله .
وفي رواية عند الإمام أحمد : سئلت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته ؟ قالت ( رضي الله عنها ): كان بشرا من البشر، يخيط ثوبه، ويحلب شاته ويخدم نفسه . وفي رواية أخرى : كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم .
وكلام أمنا عائشة رضي الله عنها ( يعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم ) يعني: أن عمل الرجل في بيته ومساعدته لحبيبته الزوجة كان أمراً طبيعياً ومتعارفاً عليه بين المسلمين أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ، كيف لا ؟ وهم الذين شربوا من معين النبوة معاني احترام المرأة وحبها ..

ميدان رائع للمغازلة !!
تقول المواطنة الأمريكية (جين سيمونز) : إن مراقبة زوجها ( داني ) وهو يضطلع بحصته من الأعباء المنزلية، من العناية بطفليهما الصغيرين، إلى تنظيف أرضية المنزل، لا يضفى السعادة عليها فحسب، بل يثير غريزتها.
وأضافت معلمة المدرسة الابتدائية، 36 عاماً: الأمر يثير غريزتي للغاية عندما أشاهده يقوم بالأعمال المنزلية .
وبررت ذلك قائلة : عندما يكون الحوض مليئاً بالأواني القذرة، زوجي يدرك جيداً أنني لن أذهب معه للفراش ما لم أعتني بذلك، فإذا لم يساعدني في أداء الأعباء المنزلية، فالأمر لن يكون بالقطع جاذباً لي . أ هـ

كما أن مساعدة الرجل لزوجته يشعرها أنه قريب منها لا جسدا فحسب بل وروحا وخاصة انه لا يعبه بمجتمع ينظر بعين الريبة لمن يقوم بذلك .
كما أن مساعدته لها يخرجهما من دائرة الروتين الزوجي – إن صحت العبارة -ليعيشا معا حياة الفكاهة والمرح بعيدا عن تعقيدات الحياة خارج المطبخ مثلا !!
وما أجملها من حركات يتبادلها الزوجان الحبيبان في ميدان المغازلة أثناء مشاركتهما في أعمال المنزل، كأن يرش أحد الزوجين رذاذ الماء فجأة على وجه حبيبه أو يلامسها بخفة متدرجة !!
واستماع الزوج لتعليقات حبيبته وهي تشاهد حبيبها الذي يفتقد للخبرة التي تملكها في أعمال المنزل، إلى تبادل الابتسامات الرقيقة إلى غير ذلك مما يوطد العلاقة الحميمة بينهما …

إضافة إلى كل ذلك فإن مشاركة الرجل لزوجته سيرفع من قيمتها في نفسها وفي أسرتها، وحتى في مجتمعها الصغير المحيط بها؛ لأنها والحالة هذه تعلم أنها ليست دمية في يد زوجها يتمتع بجسدها حينما تثور شهوته !! وما أعظم هذه القيمة والقناعة لو أدركناها جميعا وزرعناها في قلوب نسائنا !!

ومن النتائج الإيجابية والآثار الطيبة لمساعدة ومشاركة الرجل لزوجته في روضتهما الزوجية أن ذلك ينعكس على تربية الأبناء إيجابا ، فعندما يرون روح التعاون والمشاركة سائدة بين الأبوين لا شك أنهم سيدخلون تلك الأجواء أيضا ويتعودون على التعاون والمشاركة بعيدين عن الانعزالية والأنانية والتواكلية ..
ويا بشرى لزوج ملتزم بدينه في تعامله مع حبيبته الزوجة؛ لأنه يبني في علاقته السعيدة معها جسرا من الأجر والثواب يعبر بها إلى الجنة …
فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة ) رواه النسائي برقم 2528 ، وصححه الألباني .
ويكفي ردا على النظرة السلبية هذه السائدة في مجتمعاتنا للرجل الذي يقوم بمساعدة زوجته قول الله تعالى : ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( ابدأ بمن تعول ) رواه البخاري برقم 1360 ، ومسلم برقم 1034 .
فأين المسلمون من هذه التعاليم السامية ، والمبادئ الراقية التي لو طبقها الرجل في تعامله مع زوجته وحبيبته ليبنيا معا أجمل عش يزغردان فيه للحياة بأجمل وأبهى صورها ..
واختم لحني هذا بهمسة في أذن بعض متقدي الإسلام ممن يدعون حرية المرأة ويتباكون عليها وأتساءل: إذا كان الإسلام قد ظلم المرأة حسب ما ترون، فلماذا نساؤكم يعشن في مجتمعنا حياة النكد والمشاكل التي يواجهنها برفقتكم يا دعاة التحرير ؟!!