الرئيسية » مقالات » العراق… من هيمنة الفرد (الدكتاتور) إلى حقوق الفرد (المواطـن)

العراق… من هيمنة الفرد (الدكتاتور) إلى حقوق الفرد (المواطـن)

لقد أوجد الكائن البشري على الأرض نظاما متكاملا – أخلاقيا قانونيا سياسيا – و ذلك بفعل ما يملكه من إحساس بالتجربة و حيويتها في خلق وعي يفرق بين ما هو نافع و مفيد و بين ذلك الذي أصبح نظاما باليا و غير قابل للتطبيق، و إذا كان البعض من المفكرين “الدينيين” يشكك في قيمة التجربة بحجة أنها تقوض الإيمان الديني و بالتالي يخلطون بين التجربة كحالة من التمرن على الوعي و الارتقاء بهذا الوعي نحو الأفضل و الأحسن، متناسين أن مجال التجربة كمؤثر على الواقع يختلف عن مجال الدين، فاليقين الديني له أيضا تجربته الخاصة و مجاله الاستكشافي المحصور به، فمثلا حينما يقول القرآن ((و اعبد ربّك حتى يأتيك اليقين)) فإن ذلك يعني أن يعيش المؤمن تجربة روحية معينة تجعله يتجاوز الحالات الروحية الواحدة تلو الأخرى، أو كما يصفها المتصوفة بالمراتب و المنازل الروحية أو كما يقول المسيح في الإنجيل: إلهي لا تجعلني أخوض تجربة..” و نحن استشهدنا بالنص الديني لنبين لأؤلئك الذين يخلطون الدين بالسياسة – و السياسة لها تجربتها المنفصلة عن الدين – بأن التجربة الدينية مختلفة كليا عن التجربة السياسية التي تتعلق بالعالم الزمني المادي.

و الآن و نحن كعراقيين نعيش “تجربة” جديدة قائمة على التعدد و الحرية و الديمقراطية، فإن علينا أن ننتبه إلى أن هذه التجربة تسير نحو الرقي رغم الأخطاء بفعل التجربة التي تنمي الوعي باللحظة و ظروفها المحيطة بها و كيفية إضافة المزيد إلى هذا الوعي، فقد عشنا مرحلة الهيمنة للدكتاتور الإله الذي تنفذ مشيئته فوق أي شيء آخر و الذي كان يتحكم بكل شيء – لا راد لقضاءه – بمعنى أنه أعطى نفسه صلاحيات الإله، و انتقلنا فجأة إلى حالة الفوضى و فقدان الدولة – لا القانون لأن القانون لم يكن موجودا أصلا أيام الطاغية – و تفتت الهوية العراقية التي كانت ملتهبة أصلا.

هنا تنامى الوعي لدى الإنسان العراقي، خصوصا النخبة المثقفة، مدركين عبر تجربتين مرّتين أن الحالة الوسطية بين استغلال الدولة للفرد و بين الفوضى و دكتاتورية الأقاليم أو الفدراليات هو بناء توازن متين، كأي دولة فدرالية حقيقية، يقوم على حماية الفرد أولا و ضمان حرياته مقابل دولة قوية ذات صلاحيات واضحة لا شك في حدودها، و إن كانت الأمور ستستمر من حيث الدراسة و البحث في كيفية تنظيم هذه العلائق الحيوية كون التجربة تثبت نفسها بنفسها أو بمعنى آخر فإن الوعي لا يتطور إلا من خلال رؤية و لمس الخطأ و من ثم يكون من الأسهل معرفة كيفية معالجة هذا الخطأ.

إن الإنسان العراقي عموما لا يزال يعيش حالة الانتماء الهامشي أو الفرعي أي إلى العشيرة و المنطقة و القومية و حتى الدين – إذا ما تحول الدين إلى التدخل في الشأن السياسي – بالتالي فإن العراق و العراقية كهوية لا يمكن أن تتطور إلا من خلال خلق واقع شعوري يمكن للمواطن من خلاله ضحالة و تخلف كل الانتماءات الجانبية، و هذا لا يتم من دون جعل الفرد و الفرد وحده غاية للدولة، لإن تحويل أي قومية أو مذهب أو دين أو طائفة غاية – مع الفرد أو بدونه – سيخل بتوازن العراق مرة أخرى و من ثم نعود إلى الوراء في التناحر و الصراع و التناحر، كما أن الفدرالية القومية و الطائفية ستحطمان العراق لا محالة و تعيقانه عن التحول الفلسفي ليصبح العراق مظهر العقل العراقي “الفــــــــــرد” الخلاق الذي هو أحب المخلوقات إلى الله، بل هو غاية الله – الله أو الإله هنا هو إله كل الأديان و لا ينحصر في دين أو عقيدة – و هذه الدولة هي الضامن الوحيدة لراحة و رفاهية الإنسان العراقي.