الرئيسية » مقالات » مرقد النبي ناحوم في القوش من ينقذه من الأنهيار ؟ (1 ـ 2 )

مرقد النبي ناحوم في القوش من ينقذه من الأنهيار ؟ (1 ـ 2 )

في الصيف المنصرم وأثناء تواجدي في القوش ، دخلت المبنى الآيل الى السقوط او بالأحرى الأطلال الباقية والمعروفة بمرقد او مقام النبي ناحوم الألقوشي ، ورغم التحذيرات وما ينطوي الدخول الى المبنى من مخاطر ، ويتضح ذلك ذلك حين الولوج الى البنيان فهو معرض الى الأنهيار في اية لحظة ، لكني افلحت في تصوير البنيان من الداخل دون خطورة .
إن هذا الموضع يحمل في طياته صفحات مطوية من تاريخ الزمن العراقي والذي يعكس حالات التنوع والتسامح والتعايش التي كانت سائدة في تلك العصور . كما ان الكتابة عن هذا المرقد يحملنا الى الأشارة الى بعض الصفحات التاريخية لبلاد ما بين النهرين فارتأيت ان اتطرق الى شئ من التاريخ العراقي والذي له مساس مع هذا الموضوع .

الساحة الداخلية لتجمع جمهور المصلين
ولكن قبل ذلك احب ان اناشد الجهات ذات العلاقة ، بأن تعمل على اعادة بناء هذا لصرح ، فالبناء آيل الى السقوط كما اسلفت ، ويحتاج الى يد كريمة خيّرة لتباشر في تجديد البنيان وحسب اعتقادي فإن هذه العملية ستكون غير مجدية ( التجديد ) ، ولكن تهديم البناء وإعادة البناء ستكون اسلم لجهة الأحتفاظ بالمبنى قائماً وراسخاً .
يمتد وجود اليهود في العراق الى اقدم العصور قبل وجود الديانتين المسيحية والأسلامية في هذه الديار ، ففي عام 732 قبل الميلاد تمكن تغلث بلاسر الآشوري من سبي بعض قبائل اليهود ونقلهم الى آشور ، وبعد وفاة تغلث بلاسر امتنع اليهود من دفع الجزية للاشوريين ، فقامت آشور مرة أخرى لتأديب المتمردين وكان في هذه المرة أسر الأسباط العشرة التي يقال انها لم تعد ابداً ، وهي الملقبة بالأسباط العشرة المفقودة .
وبدءاً من عام 626 قبل الميلاد شنت بابل المستقلة سلسلة من المعارك أدت الى انهيار الكامل لما كان يعرف باسم الأمبراطورية الآشورية .
وحينما انتزعت بابل حريتها من الأستبداد الآشوري ، وقضت على الأمبراطورية الآشورية فكان نصيب البلدان التابعة لآشور ان تكون تابعة للسيد الجديد وهي الدولة الكلدانية ، وحينما اعلنت اورشليم العصيان على الدولة الكلدانية الحديثة توجهت هذه القوات نحو الغرب ، وفي عام 597 ق . م . قامت الجيوش البابلية الكلدانية بقهر المدافعين عن القدس وقامت هذه القوات بأسر 3023 يهودي وأخذتهم الى بابل . وكان ذلك اول اسر جماعي ، امام السبي الثاني فكان عام 587 ق . م . والثالث عام 581 ق . م ( أرميا 52 : 29 ـ 30 ) وهذه الفقرات اقتباس من جول كولي : التحالف ضد بابل ) .
إن ايراد هذه المقتطفات التاريخية كان غرضها تبيان قدم هذا الموضع في ارض بلاد ما بين النهرين المعروف بميزوبوتاميا . لقد كان لليهود مساهمة ودور تاريخي في بناء وتكوين الحضارات التي انبثقت وازدهرت ثم أفلت وتلاشت في ربوع هذه البلاد ، واصبح هذا الموضع من المعالم التاريخية العراقية والتي تعتز بها القوش وهو مرقد النبي ناحوم ( الألقوشي ) .


كتابة باللغة العبرية مثبتة في احد الجدران من الداخل
يعتبر هذا المرقد من المزارات الدينية اليهودية المنتشرة في العراق . ، وناحوم اسم عبري معناه معزِّ ، وهو احد الأنبياء الأثني عشر الصغار من القوش وهو المعروف بفصاحة لسانه ودقة تعابيره ، وهو قريب من موقع الحدث فلذلك يسهب في وصفه للموقع وللمعارك وللحوادث الدائرة الدائرة في نينوى وقت انهيار تلك المدينة ومعها كان انهيار الدولة الآشورية في 612 قبل الميلاد .
وجاء في قاموس الكتاب المقدس عن موقع القوش حيث ورد في حرف الف الذي كتبه الدكتور القس بطرس عبد الملك والدكتور القس جون الكساندر طمسن عن مادة الألقوشي ، فجاء :
وكان النبي ناحوم القوشياً ، ويذكر تقليد ان القوش من ضمن بلدان الجليل . ويقول تقليد اخر كانت تقع جنوبي بيت جبرين في منحدرات يهودا ، اما التقليد المتأخر الذي يقول ان موطن ناحوم كان في اشور على مسافة سفر يومين شمال الموصل فلا قيمة له .
لكن في طبعة الكتاب المقدس للآباء الدومينكان لسنة 1878 م تعلق اللجنة التي اشرفت على طبعه والذي قام بالنصيب الأوفر فيها البطريرك عبد يشوع خياط والمطران داود اقليمس ، وهذه النسخة مستخدمة في كنائسنا الشرقية ـ الكلـــــــدان والسريان ـ والمترجمة من النسخة المعروفة بالبسيطة {Pshetta } جاء :
كان ناحوم من مدينة القوش بموجب افتتاح حيث يقول : وحي على نينوى سفر رؤية ناحوم الالقوشي ، والقوش مدينة صغيرة في جوار نينوى بآشور .
ويعلق المطران بابانا في القوش عبر التاريخ ص 26 على الذين يدعون فلسطينية القوش بقوله :
ايقول لنا هؤلاء العلماء في اية بقعة من الأرض تقع القوش فلسطين وهل انفتحت الأرض وابتلعتها بدليل انه لا يوجد منها اثر .. ام انها ابرة صغيرة ضاعت بين ثنايا رمال التاول وصحاري الجليل وابتلعتها الأرض .. ويمضي الى القول : إن اليهود انفسهم يأتون لزيارته سنوياً عشرات ومئات العوائل من جميع انحاء العراق . بل ومن كل اسيا وأوروبا .
يبدو ان تحديد القوش التي نسب اليها النبي ناحوم ضمن بلدان الجليل ، او جنوب بيت جبرين في منحدرات يهوذا ان هذا التحديد كان من التقليد الوارد ، وليس ثمة تحريات او اكتشافات اثرية تؤيد هذا التقليد . لكن التقليد الآخر الذي يحدد القوش القريبة من اطلال نينوى كموطن للنبي ناحوم هو المرجح ، حيث ان اطلال هذا المرقد لازالت ماثلة للعيان وان مدينة القوش كمدينة تاريخية لا زالت عامرة بسكانها محتفظة بلغتها الكلدانية القديمة وبمآثرها وتراثها ، ليس هذا فحسب فأن اليهود انفسهم كانوا يقصدون هذا الضريح سنوياً .
لقد كان يقوم على رعاية المرقد الى سنة 1950 م المدعو موشي الذي كان يسكن داراً تقع قبالة باب المرقد ، وكان الرجل يعمل في تصليح الحلى الذهبية في محل يقع مقابل بيت ساكي اسمرو في سوق القوش ، وكان يعتمر في رأسه { Poshia } كالتي يستخدمها اهالي السليمانية ، ويبدو انه قدم الى القوش من هذه المدينة ، وكان يحرص ان يبقي السراج التي تعمل على الزيت { Shraa} مشعولة على مدار الساعة < حبيب تومي القوش دراسة انثروبولوجية اجتماعية ثقافية ص207 > . وسبق لي ان زرت المرقد وكان عمري حوالي ست سنوات برفقة والدتي في اواخر الأربعينات من القرن الماضي .
لقد كانت مراسيم زيارة اليهود لهذا الموقع من انحاء العراق في شهر تشرين الأول ، حيث كان اهل القوش يهدمون العرازيل {Qopranat} التي تنصب في فصل الصيف للوقاية من حرارة الشمس وايذانا بقدوم فصل الأمطار ، وفي هذا الشهر يتوجه اليهود الى القوش للزيارة وللسياحة ، وهم ياتون من المدن العراقية بواسطة سيارات الحمل ( اللوري) عن طريق الموصل غير المبلط ، ومن كردستان كان قدومهم عبر الجبل بواسطة الدواب ، وكان هنالك قرى في كردستان يعيش فيها اليهود منذ العصور القديمة ، وأشهر هذه القرى كانت صندور التي يسكنها اليهود فقط .
بعض القادمين الى القوش يبقون حوالي عشرة ايام إذ بعد السفر المضني لابد من البقاء في المكان المقدس بضعة ايام أخرى ، في يوم السبت يتوقف اليهود عن العمل كلياً ، ولهذا كانوا يطبخون الطعام من يوم الجمعة .
في هذه الأيام ترتفع الأيجارات واحياناً يؤجر اليهود سكن مشترك مع عائلة القوشية لشدة الأزدحام ، لكن الفترة باعتبارها نهاية الصيف يكون ممكناً النوم فوق السطوح ، مع توفر غطاء جيد . وكذلك يرتفع سعر المواد الغذائية خاصة الألبان واللحوم والبيض ، ففي الأيام الأعتيادية لا يتجاوز سعر البيضة الواحدة ثلاثة فلوس في حين يرتفع سعرها ايام الزيارة ليجاوز الخمسة فلوس ، ان هذه الأيام كانت ايام انتعاش اقتصادي لأهل القوش .
ان مراسيم الزيارة تتلخص في اداء الصلوات داخل الكنيس ، وبعد ذلك تبدأ الأحتفالات خارج المرقد والتي كان يشارك فيها شباب القوش ايضاً على نغمات الزمر والطبل ،الطبل والزرنا { Dawel Zorna } وكان الموكب المحتفل يتجه نحو الجبل الى موضع الـقوش التـاريخي المـعروف فراش اللـصوص { Shwetha Dganawe} ، وكنا اطفالا ونحن نراقب الشباب والشابات يرقصن في حلقات الدبكة {Khegga} ، وكنا نغني دون ان نعرف ماذا نقول وبعضها لا زال عالقاً بذهني :
بالتوراة بالنبي
صلواثا دنبي ناحوم
نبي ناحوم دهوذاي
واخرى :
هالولو هالولو موشي وناحوم وايليا
وسارة خاثا دناحوم القوشنايا نويّا
من هنا فان هذه الزيارة لم تكن تنعش الأقتصاد فحسب ، انما كان يمتد الى الشباب باشتراكهم في حلقات الرقص ، والأطفال في قضاء اوقات ممتعة بعيدة عن الروتين اليومي .
حبيب تومي / اوسلو