الرئيسية » مقالات » لماذا تخلّف الايزيديون؟ 5-2

لماذا تخلّف الايزيديون؟ 5-2

دور المثقف السلبي في تزييف الخطاب السياسي
فالمثقف الايزيدي حاله هو حال المثقف العراقي بدأ بالتراجع رغماً عنه بعدما ملّ من الكتابة ولم يلق آذاناً صاغية، فقدم الكثير من الاراء والسياسات والمقترحات والمبادرات والافكار، ولكنه لم يتمكن من بلورة رأي معين بسبب الهيمنة والدور السلبي الذي لعبه المثقفون المسيسون الذين وصفناهم سابقاً. وأن مقالنا حول ملابسات مقابلة بريمر يلقي بالضوء الساطع على حجم المخطط الذي يتم فيه رسم المستقبل الايزيدي كديانة. فالحكومة المركزية رفعت يدها عنهم، ربما لاسباب تتعلق بالجانب المذهبي وحساسية المذهب الشيعي تجاههم،وهذا ما استبعده انا شخصياً. بينما الساسة الاكراد وجدوا في هذه الشريحة جميع المواصفات التي يمكنهم بها الاستفادة منهم من حيث عدد البشر الخاوي، وجغرافية لاتقدر بثمن، وخيرات وأرض زراعية ليس لها في العراق من مثيل، والاهم من كل ذلك فهي من غير أدنى مقابل. فلماذا لا يفعلون؟ ولماذا يسمحون للغير مشاركتهم في هذه الغنيمة الدسمة؟ ولماذا يسمحون لهم برؤية النور؟ وكيف لا يدعمون صنف معين من المثقفين لكي يديروا بواسطتهم الحلقات التي تخنق المثقف الآخر الذي يريد أن يركب التطور من حيث يجب أن يكون؟
وعليه، فليس من المصلحة العليا للسياسة الكردية، على الاقل ظاهريا، في أن يكون هنالك خطاب سياسي إيزيدي موحّد، وتحاول بشتى الوسائل قمع أية نهضة، أو الجمع حول توحيد الكلمة باتجاه تحقيق المصالح العليا للمجتمع الايزيدي خارج المفهوم الكردي، وبهذا فإنهم وبحسب قناعتي يزرعون الالغام في طريق مستقبل كردستان. فليس من الحكمة أن يدّعون بأن الايزيديين هم الكرد الاصلاء، وهم على قناعة بأن الواقع يتحدث بشيء آخر ويعزف على وتر ثانِ نتيجة ما يحصل على أرض الواقع من تصرفات تثبت يوما بعد آخر عكس ما يقال. وليس من المعقول أيضاً أن ينسى الآيزيديون حجم الضرر الذي لحق بهم جراء هذه السياسة العرجاء، فيما لو أهملوا الجوانب الخصوصية لهم وتعاملوا معهم كعشيرة كردية محتقرة. فالمشكلة في أن احزاب اليوم لا تسمع الرأي المخالف، أو الرأي غير المتفق وتعتبره تعالياً عليها ويجب سحقه لأنه جاء من مصدر غير المصدر الذي يثقون به حتى ولو كان انتهازياً، والمهم أن تقول للمسئول نعم.
إذن، لماذا لا يتمكن المجتمع الايزيدي من توحيد خطابه كما هو حال بقية شرائح المجتمع العراقي؟ فهل الخلل في المثقفين؟ هل في المجلس الروحاني؟ هل في القيادات العشائرية؟ هل في التنظيمات السياسية؟ هل في دور المجتمع المدني؟ هل في سياسة الدولة؟ هل في جميعهم معاً؟ نعم في جميعهم معاً.

الحركة الايزيدية من أجل الاصلاح والتقدم.
لقد تاسست الحركة الايزيدية من أجل الاصلاح والتقدم كمشروع في 16/4/1991، وتغذت على أخطاء الاحزاب الكردية، وخطت خطوات مهمة في الاتجاه السياسي بعد الاحتلال وبوقت قياسي. ومن أهم تلك الخطوات هي مشاركتها ككيان سياسي معترف به رسمياً في الانتخابات العامة وحصولها على مقعد في المجلس النيابي رغم كل التزوير وفي جميع مراحل العملية الانتخابية، وهو بذلك يعد واحداً من الانجازات الكبيرة فيما لو تم استثماره بشكل عقلاني وبكفاءة. وأعني بالعقلانية والكفاءة فيما لو بقى المسئولين عنها بعيدين عن المناصب وتفرغوا للعمل السياسي في الوسط الجماهيري. ومن ناحية ثانية كان التعاطف معها كبيراً في بداية الامر اولاً: كونها تمثل الايزيديين كحزب مستقل بهم. وثانياً: بسبب الاخطاء التي مارستها الاحزاب الكردية على الارض، ثم خلو الساحة من أي تيار سياسي آخر في المنطقة.
وبما أن هذا الحزب يعمل في وسط جماهيري متعاطف معه، وهذا الامر غير مرغوب فيه من قبل الاحزاب الكردية، راحت تدس في أوساطهم عملاءها وتعمل على نخره من الداخل باي ثمن. ومن أهم ما عملته تلك العملاء هو التشهير ونقل بعض الاقوال وتنسيبها إليهم محاولين تشويه صورته في الذهن الايزيدي، وقد نجحوا إلى حد بعيد بسبب الدعم المادي الذي تم رصده لهذا العمل. وبذلك عملوا على إحداث الانشقاق ومن ثم تجريده من محتواه. فتم تصويره على أنه حزباً دينياً متطرفاً أخطر من الحزب الاسلامي الكردستاني والاسلامي العراقي والتيار الصدري وحزب الفضيلة والمجلس الاعلى الاسلامي وحزب الدعوة الاسلامي وميليشاتهم. بينما لم تكن سوى حركة ناشئة من مجموعة شباب في بداية عمرهم السياسي معتمدين على الجانب العاطفي ، وإنما أتت الخبرة وتراكمت مع الزمن من خلال التعامل والحراك السياسي اليومي. ولم تكن كذلك حزباً متطرفاً وله سلطة وزنزانات وسجون ومعتقلات، أو تملك ميليشيات وفرق الموت، ولكن تم تصويرها وكأنها أخطر من تلك المواصفات ونسبت إليها الكثير من الاعمال التي جرت في المنطقة. منها التعاون مع الارهاب والتمويل من القاعدة والاحزاب السنية والبعثية والاسلامية. وبهذا فإن الحركة خرجت عن مسارها رغما عنها ولم يكن باستطاعتها بلورة واقع يمكن أن تجمع من حولها الجماهير التي وضعت الامل فيها؛ أولا لكونها ناشئة وتفتقر إلى الكوادر التي تتمتع بسمعة طيبة في المجتمع، ومن جانب ثانِ حجم الاعلام الذي سخّر والمبالغ المادية التي رصدت لفشلها. فهي بدت تأن تحت الثقل، ولكنها تتنفس بهدوء ولازالت حية وتتمتع بحيوية.

دور قاسم ششو
كان هناك بالتوازي مع وضع الحركة أمراً آخراً وهو دعوة قاسم ششو في بداية السقوط وتمركزه في سنجار. وكان من الممكن أن يعمل بمستوى حزب سياسي فيما لو استمر في وضع برنامج طموح وحسبما سمعت منه شخصياً عندما قال بأن الفرص ضاعت قبل هذا الوقت وذكر من الامثلة أيام الانكليز ودور حمو شرو في إضاعة الفرصة آنذاك، وكيف يجب أن لا ندعها أن تفوت في هذا الوقت. ولكن هو الآخر لم يكمل المشوار بالرغم من اننا اتصلنا به عدة مرات وقلنا له سوف نقف معك وندعم موقفك بقوة، وعندما تركز اقدامك في الارض بالتعاون مع القوى السياسية الكردية، عندها سيكون لنا معهم شراكة وندعم مواقف البعض وسنفوز كلانا في مساعينا المستقبلية. المهم أن يكون لنا في هذا الظرف ما يثبت شخصيتنا ومنها وبها نتفاهم مع الجهات السياسية لأن وضعنا وواقعنا يتطلب توحيد الجهود لمجابهة الاحداث مواجهة عقلانية. ولكن بعد زيارته لأربيل واتفاقه مع الساسة الاكراد على بعض ما أراد، سقط هو الآخر من الحسابات وانضم إلى الشارع العام، ربما لوضعه الخاص وحساباته العائلية والشخصية. وبهذا فإن إسقاط كل غصن من الشجرة سببت في فقدان الثقة وبالتالي لم يبق أمام عامة الناس سوى الاستسلام للأمر الواقع وتكذيب الدعوات والمدعين بالتغيير.

دور التجمع الديمقراطي الايزيدي
بعد عدة محاولات واتصالات في المهجر ومن ثم الاتصال بالداخل في الوطن، نظمت مجموعة من مثقفي المهجر لوبي سياسي بنظام مدني يهدف إلى بلورة الواقع الايزيدي وتقديم صورة واقعية عن البؤس وحالة التشرذم التي خنقت الواقع الايزيدي، محاولين إخراج الوضع من عنق الزجاجة. إلا إنه هو الآخر لم يقدر على رص الصفوف وتوحيد الصف والكلمة بسبب الخلافات الداخلية والتدخلات المعروفة من قبل بعض الشخصيات التي لها مصلحة معينة في تفتيت الواقع الايزيدي. ومن ثم محاولة شق الاتفاق على أي مستوى بحيث لا يحصل تقارب في توحيد الكلمة وعمل برنامج واضح يهدف إلى تطوير الواقع الايزيدي على أساس الخصوصية. فالغريب في كل هذا هو التصور الكردي بأن أي تطور إيزيدي سيكون ضد التوجه القومي وهذا هو الذي سبّب في حصول هذا التباعد وسيعمل على الشق العميق حتماً في المستقبل. فأرى بأن السياسة الكردية يجب ان لا تخشى أو تشك في التوجه القومي الايزيدي، ولكن كل الخوف الايزيدي يأتي من التذويب والانصهار الديني في التوجه القومي وبالتالي تجريده من خصوصيته واعتبارهم عشيرة من الاكراد.

تعيين الدكتور ميرزا الدنايي مستشاراً لرئيس الجمهورية.
والامر الذي كان من الممكن أن نعتبره ذو أهمية كبيرة ويقلب الكثير من الموازين، هو تعيين الدكتور ميرزا الدنايي كمستشار للسيد رئيس الجمهورية لشئون الايزيدية للوصول إلى مركز صنع القرار مباشرة فيما لو تصرّف بشيء من الصبر والتحمّل. وبالتالي فإن رئيس الجمهورية كان يتفهم معاناة الايزيدية أكثر من غيره وأنه بدعم موقفهم كان سيكسب الارض والبشر من دون خلق معاناة وما يحصل الآن من ضبابية، وكان سيكون للأمر وجهاً آخراً. فمهما تدعي السياسة الكردية، ومهما تقدم من دراسات تاريخية، ومهما تصرف من الملايين، فإن جميعها ستفشل إذا لم يوافق المجتمع الايزيدي باستفتاء عام على الانظمام للإقليم. وإن حصل الامر وانظمت مناطق الايزيدية إليه ويحمل معه عناصر الشك والريبة والتصور السلبي من التعامل على الارض وتقييد دورهم وعدم اعطائهم الوضع القانوني والدستوري بما لا لبس فيه من حيث احترام الخصوصية وتثبيتها في الدستور، فسيكون للأمر مستقبلا كلام ثانِ تماماً مهما قدّم المزيفون الايزيديون للقيادة الكردية التي تعلم باليقين ماموجود لحد التصرف الشخصي لكل واحد بدليل لو أن شخصاً معينا تشاجر مع زوجته في غرفة النوم، فإن الخبر يصل في نفس اللحظة إلى مقر الحزب والاسايش.

الحزب الليبرالي الايزيدي (الحزب المجهول).
لقد طل علينا بشكل مفاجيء بيان تأسيسي للحزب الليبرالي الايزيدي في الاول من سبتمبر/2008، وقد حمل في طياته طموحات كبيرة ومعالجات واقعية بأفكار عصرية حرّك الماء الساكن بقوة وتفاعلت موجاته في جميع الاتجاهات وتهامست الناس بين مذعور وغير مصدق ومتشكك ومتفائل والجميع على حق. تلاه بمذكرة استنكار في 3/سبتمبر/2008، حول فتوى فرزندة، ثم توضيح حول مناقشة كتل واحزاب سياسية ايزيدية تتفاوض مع الحزب الليبرالي. وفي 9/سبتمبر/2008 أصدروا توضيحاً هاماً حول بعض البيانات الكاذبة. وفي 27/9/2008 أصدروا بيان استنكار بخصوص حصة الاقليات في قانون المحافظات. وفي 12/أكتوبر/2008 أصدروا بيان استنكار بخصوص تهجير المسيحيين. وفي 13/أكتوبر/2008 أصدروا البلاغ السياسي للحزب الليبرالي الايزيدي. وهكذا بدت سلسلة البلاغات والبيانات تعبر كلها عن مواقف سياسية مهمة وقوية ولكن من مصدر مجهول (معروف)، حيث لا تغطى الشمس بغربال ويجب على الذي يتحمل مسئولية كبيرة كهذه أن يكون أهلا لها وقادرا على تحدي الصعاب وقد درس امكانياته بدقة قبل إطلاق التصريحات. ولحد الان لم يتضح الامر فيما إذا كان سيكون هناك ظهور لهذا الحزب أم لا، ولكن في حالة عدم الاعلان عن نفسه سيكون بمثابة الكارثة على رأس كل مَن ساهم في هذا العمل ويتحملون مسئولية تاريخية مشينة، خاصة إذا ما علمنا بأنه لم يعلنوا عن أنفسهم لكي نقول بأن جهة معينة سببت في إفشالهم، وإنما هم الذين أفشلوا أنفسهم.

واقع حال كردستان.
هنا يجب أن نعلم بأن الراهن الكردي لا يخلو هو الآخر من المفاجآت. حيث الانشقاقات السياسية، وتأسيس أحزاب سياسية معارضة، والشكوك التي تحوم حول الدور الامريكي الداعم بسبب الضغط التركي واهميته أمريكياً من جهة، ووجود حزب العمال الكردستاني من جهة ثانية، ودور إيران وسوريا، ودور الحزب الاسلامي الكردستاني في الشارع الكردي، وموقف الحكومة المركزية من تطبيق المادة 140 من الدستور، وما يفوح من الروائح الكريهة بسبب الفساد الاداري والمالي والسياسي، والاخطاء الكبيرة التي تمارسها على الارض. فكلها عوامل تنذر بدق ناقوس الخطر في الصف الكردي، وليس من السهل استبعاد هذه التوقعات من الساحة بما فيما إذا ما خلت الساحة للحزبين الرئيسيين وتاريخهما المعروف مع بعض والذي من الممكن أن يتجدد العداء على ضوء تقسيم المصالح ومناطق النفوذ. وبقراءة بسيطة للواقع، سوف يكون لجميع هذه التوقعات ردود أفعال سلبية، وستفتح المجال لخلق معارضة إيزيدية واقعية في الداخل الكردي وهي الان في حكم النضج وتحتاج فقط إلى قيادة شجاعة تضع العربة على السكة، وقيادة الحركة الايزيدية بقيادة السيد وعد حمد مطو قد تكون هي المرشح الكبير لهذه الخطوة.
إن الذي يقودني إلى قول هذا هو البحث والاستطلاع الذي أجراه الزميل هوشنك بروكا من خلال استطلاع اراء مختلف المواقف والشخصيات، وعلينا أن لانهمل نتائج الابحاث المهمة لأنها تعبير حقيقي عن حجم المشكلة. فلقد توافقت جميع الاراء التي استطلعت بما فيهم من هم الآن في السلطة الكردية من الايزيديين بأن الواقع الايزيدي مع السياسة الكردية يشوبها الخلل. فالذين أجابوا على أسئلة الزميل هوشنك افصحوا بوضوح عن ذلك، بينما الذين لم يجيبوا عليها، فهم خائفون من قول الحقيقة وليس إلا تجاهلا للحقيقة التي يرونها بعيونهم ولكن بدوافع مصلحية لم يشتركوا في ذلك الاستبيان، وأن عدم إجابتهم كانت أكثر بلاغة ووضحاً مقارنة بالذين أجابوا على ذلك الاستبيان، وهي نتائج نفهمها في البحث العلمي الاكاديمي.
في عام 1981، وعندما كانت الحرب العراقية-الايرانية مشتعلة الاوزار وتحصد ارواح الشباب من كلا البلدين وتثكل وتيتم، قرأت في إحدى المجلات الرصينة مقالاً يناقش وضع الحرب بإجراء مقارنة بين طموح حزب البعث ومدّه القومي، وطموح القيادة الايرانية في مدّها الاسلامي. وفي حينه أعطى المقال نفس علامات الخطورة للموقفين بالنسبة للعرب عامةً، ودول الخليج بشكل خاص مشيراً إلى تعامل العرب بتخوف مع الاتجاهين، القومي البعثي والاسلامي الايراني بنفس المقدار. ولهذا قاموا بتغذية الطرفين بحيث لو أن أي منهما انهكت قواه، فسيكون من السهل التعامل مع الطرف الثاني والتخلص منه. وفي هذا الصدد فإنه لا الموقف القومي المتشدد، ولا الموقف الاسلامي الذي لا يستبعد بروزه المتشدد في الوسط الكردستاني يمكنهما أن يكونا لصالح مستقبل الايزيدية. وأن مصدر القلق الايزيدي يأتي من التصرف على ضوء هذين البعدين، إلاّ ما يكون منه مكتوب بوضوح في الدستور الكردستاني من حقوق وبنود تلزم بوضوح بعدم تكرار مآسي السابق. ويجب أن لايكون هذا مصدر إزعاج للسياسة الكردية سواء بحق الإيزيدية أو المسيحيين او باقي المكونات في الوسط الكردستاني، لأن الضبابية تولد الشكوك وان وضع كردستان كتجربة ناشئة يتطلب زرع الثقة بين مكوناتها بدلاً من التشكيك بمصداقيتها. وللموضوع بقية

علي سيدو رشو
القاهرة في 4/12/2008