الرئيسية » مقالات » المبدأ الاقتصادي ونظرية فرويد -2

المبدأ الاقتصادي ونظرية فرويد -2

لم يوجد في تاريخ العلوم البشرية أحد قد تأثر بالغريزة الجنسية واهتم بها بقدر تأثر (فرويد ) بها واهتمامه لها ، ولا يوجد أحد ينظر إلى الانسان هذه النظرة الطفيفة الخسيسة . والعلماء اليوم بالرغم من اعتمادهم على طريقة فرويد في معالجة الأمراض الروحية ، واتخاذهم أساليبه في التحليل النفسي .. يصرحون بأعلى اصواتهم هذه الطريقة وحدها ليست مجدية . ويجب ألاتنحصر معالجة الأمراض النفسية فيها
.إن كثيرا ً من العلاجات النفسية تكون ذات منظار ضيق . وحتى التحليل النفسي الذي يؤدي إلى نتائج مرضية في كثير من الأحيان نجده يحصر بحثه على الغرائز فقط .هذه الطريقة توجه همها إلى أن ترضي الغرائز بصورة اتباع مبدأ اللذة .وهذا المبدأ لايعني بالجانب الأخلاقي ولا يتحدث عن الهدف الأصلي للشخصية وعلاقاتها الخيرة والشريرة عند تفاعلها بالتكافؤالاجتماعي ولهذا السبب فلو غضضنا الطرف عن الفشل الذي يلاقيه التحليل النفسي بالنسبة إلى حرية بعض الرغبات والميول المتطرفة ، فإن العلاج النفسي الصحيح يجب أن يكون له هدف أسمى هو رفع شخصية الفرد بعد ملاحظة أسس الشخصية وتحقيق الرفاه للفرد والمجتمع على السواء .
وبالرغم من أن نظرية فرويد لم تحصل على تأييد كثير من العلماء في العصر الحديث ، لافراطها بشأن الغريزة .. فإن الكثير من الغربيين يقرون مبدأ اللذة بالنسبة إلى تحقيق السعادة البشرية .
إن أساس البحث حول تحقيق السعادة في الدول الأوربية ولا سيما في امريكا بالتحديد يدور على العمل لحياة أفضل وعيشة ترفل بالاستفادة من اللذائذ ، ولهذا فإن قسما ً كبيرا ً من الجهود البشرية في العالم المتمدن قد خصص لجلب اللذائذ وأن الفضائل المعنوية والمثل العليا قد فقدت أهميتها واصبحت في خبر كان بالنسبة إلى الكثير من الناس حتى يذهب بعضهم إلى أنها في غنى عنها .
ومنذ حل الخلق النفعي مكان الخلق الديني والنفسي ، فإن الفضيلة لا تعتبر أمرا ً ضروريا ً في نظر المتمدنين ، بحيث يرى البعض أنه لا داعي لنا أصلاا ً لأن نكون أتقياء ، وإن اختيار الفضيلة والطهر سينحصر في علاقتها بالنفع واللذة الفرديين فقط .
هذا الأسلوب من التفكير يعد خطأ فظيعا ً من المدينة الحديثة ، وهو أعدى أعداء الانسانية وقيمها ومثلها الرفيعة . وعلى أثر اللامبالاة تجاه الإيمان والفضائل المعنوية ، فإن عالم الغرب تنتشرفيه وفي امريكا ايظا ً الجرائم يوميا ً واني اتكلم عن دراية وليس رواية .
الكثير ينجرفون إلى هوة سحيقة من التردي والتحليل والفساد وإن الاحصائيات السنوية في الدول الأوربية والأمريكية لتدل على ازدياد السرقة والخيانة والاختيال والانتحار ألى غير ذلك من أنواع الجرائم .
وإن من المؤسف أن لاتكون بلادنا معدومة النصيب في هذه المشاكل والجرائم . وهنا يستطيع كل فرد أن يدرك أن المجتمع الذي يتمثل الهدف الأسمى من حياة أفراده في اللذائذ المادية ولا تزيد الفضائل فيه على أنها تعتبر في عداد الأوهام والخيالات ، فإن الفساد والتفسخ يسرعان كالسيل الجارف إلى غزو أولئك الأفراد ويهددان حياتهم المادية والمعنوية بالفناء والدمار .
(ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا )
إن الاسلام يبني أساس ا لسعادة البشرية على مبدأ الواقع أو الفطرة . إنه ينظر إلى الانسان نظرة السماء الدقيقة ويؤسس سعادته على فطرته الواقعية وجبلته التي جبل عليها ، إنه ينظر إلى الانسان من جميع جوانبه المادية والمعنوية ، الروحية والجسدية ، ويحسب لكل جانب حسابه الخاص .
ومن هنا يظهر أن الذين كانوا يبحثون عن السعادة البشرية في الكمالات الروحية ومحق الغرائز الجسدية وكبتها، وقعوا في خطأ فادح فقد أهملوا حق نصف من وجود الانسان .
وكذلك الذين يرون اليوم انحصار سعادة البشر في تقويم الاقتصاد أو اللذة والشهوة وإهمال الجانب المعنوي فيه . فإنهم خاطئون جدا ً .إن الانسان يتكون من جسد وروح ، وعليه فهنالك نوعان من الرغبات في داخله : الرغبات المادية والميول المعنوية . فمن أخل برغبة من الرغبات الفطرية عند الانسان ، فإنه يخل بالسعادة الانسانية بنسبة ما أهمل من رغباته .
إن السعادة البشرية شأنها شأن شجرة باسقة تحمل آلاف الأغصان فبعضها يرتبط بالجانب المعنوي والروحي من الانسان ، وبعضها يرتبط بالجانب المادي منه ، والسعادة الحقيقية إنما تكون لمن تظله هذه الشجرة الطيبة بجميع غصونها وفروعها وتحيا فيه جميع الرغبات الظاهرية والباطنية ..

امريكا . ميشغان