الرئيسية » مقالات » تيسير خالد في الملتقى الفلسطيني – الاندلسي حول النكبة وافاق التسوية السياسية

تيسير خالد في الملتقى الفلسطيني – الاندلسي حول النكبة وافاق التسوية السياسية

بدعوة من عدد من المنظمات الاسبانية في الاندلس والمؤسسة الاوروبية للتعاون مع فلسطين عقد في مدينة خاين / الاندلس اللقاء الثاني للتعاون مع فلسطين والذي عقد بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني وشارك فيه عديد الهيئات والمنظمات الاهلية والرسمية الاسبانية واعضاء في البرلمان الاوروبي القى تيسير خالد ، رئيس دائرة المغتربين في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وعضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين كلمة بعنوان – ستون عاما على النكبة وافاق التسوية السياسية جاء فيها :

**********
ما الذي تعنيه ذكرى النكبة للشعب الفلسطيني ، وما الذي تختزنه الذاكرة الوطنية الفلسطينية عن هذه الذكرى على امتداد ستين عاما . انها تعني التهجير والتشريد والمعاناة وفي الوقت نفسه الحنين الدائم الى الوطن والديار ، كما تعني ستين عاما من النضال المتواصل قدم فيها الشعب الفلسطيني خيرة ابنائه من الشهداء وفي المقدمة منهم القائد التاريخي الكبير ، الرئيس الراحل ياسر عرفات . وقد كانت الفعاليات الشعبية الفلسطينية مميزة في الذكرى الستين لهذه النكبة ، التي حلت بالشعب الفلسطيني
ما الذي يميز فعاليات الذكرى هذا العام عن غيره من الاعوام السابقة . هي بالتأكيد امتداد لفعاليات سنوات سبقت ، ولكنها هذا العام كانت الاشمل والاوسع ، ولذلك اسباب كثيرة نذكر منها
اولا * تمسك الشعب الفلسطيني بحقه في العودة الى دياره ، التي شرد منها ، وهو حق تكفله قرارات الشرعية الدولية وفي المقدمة منها القرار 194 ، والذي على اساس الاعتراف به وبضرورة تنفيذه قبلت اسرائيل عضوا في هيئة الامم المتحدة . بهذه الفعاليت يؤكد الشعب الفلسطيني أن الشرعية الدولية والحقوق الوطنية التي تكفلها هذه الشرعية لا يمكن ان تموت بالتقادم ، كما قال ذات مرة الرئيس الفرنسي الاسبق فرانسوا ميتران
ثانيا * الدفاع عن الهوية الوطنية وعن المشروع الوطني الفلسطيني ، الذي تقوده منظمة التحرير الفلسطينية قي مواجهة تداعيات الانقسام الداخلي الفلسطيني بعد الانقلاب الذي قادته حركة حماس في قطاع غزة ، والذي الحق اضرارا فادحة بوحدة الشعب وقضيته الوطنية
ثالثا * انسداد افاق التسوية السياسية ، التي قيل ان مؤتمر انابوليس قد اطلقها في نوفمبر من العام الماضي ، بفعل السياسة العدوانية الاستيطانية التوسعية لدولة اسرائيل ، ورفض هذه الدولة الوفاء بالالتزامات التي يطالبها بها المجتمع الدولي ، بما في ذلك وقف جميع النشاطات الاستيطانية ووقف أعمال بناء جدار الفصل العنصري ، الذي تقيمه على الاراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 1967 ، وهو جدار ادانت بناءه محكمة العدل الدولية في تموز من العام 2004 وطالبت اسرائيل بوقف العمل به وهدم ما بنته منه وجبر الضرر الذي وقع على الشعب الفلسطيني افرادا وجماعات وهيئات نتيجة اعمال بناء هذا الجدار ، الذي تحاول اسرائيل من خلاله رسم صورة التسوية مع الجانب الفلسطيني .
رابعا * المأزق الذي وصلت اليه المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي بعد أن اعلنت اسرائيل من خلال الخرائط التي تقدمت بها أن الهدف من المفاوضات هو ضم مناطق القدس العربية ومحيطها والكتل الاستيطانية والسيطرة على الجزء الفلسطيني من شاطيء البحر الميت وعلى مناطق الاغوار الفلسطينية ، سلة غذاء الشعب الفلسطيني ، الأمر الذي يحول اراضي الدولة الفلسطينية ، التي تتحدث عنها الادارة الاميركية والرباعية الدولية الى مجموعة من المعازل ، تشبه تلك التي كانت قائمة في جنوب افريقيا في عهد التمييز العنصري البائد . بعد مؤتمر أنابوليس تشكلت 12 لجنة تفاوضية وعقد اكثر من 250 لقاء واجتماعا تفاوضيا ، ورغم ذلك لم يحدث اي اختراق في العملية التفاوضية ولا زالت الفجوة واسعة في المواقف التفاوضية للجانبين الفلسطيني والاسرائيلي .
خامسا * التصعيد غير المسبوق في الممارسات العدائية والارهابية لدولة اسرائيل ضد قطاع غزة وحرمان مواطنية من الكهرباء والوقود والمواد الغذائية والصحية وفرض العقوبات الجماعية المحرمة دوليا عليهم ، هذا الى جانب عمليات القتل والاغتيالات التي طالت مئات المواطنين من الاطفال والنساء والشيوخ منذ بداية العام الجاري .
سادسا * شعور المواطن الفلسطيني أن دولة اسرائيل تعمل على اقامة نظام فصل عنصري في الضفة الغربية بين المواطنين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود من خلال مواصلة النشاطات الاستيطانية وأعمال بناء الجدار وعزل وتمزيق المناطق بمئات الحواجز العسكرية وبالطرق والانفاق والجسور المخصصة لتسهيل حركة المستوطنين ، وغيرها من التدابير الميدانية ، التي تحول حياة المواطن الفلسطيني الى جحيم لا يطاق وتبني عمليا دولة خاصة بالمستوطنين على اراضي الضفة الغربية من خلال توفير الحماية لهم بقوانين وانظمة ادارية وقضائية تعكس سياسة تمييز عنصري باتت واضحة للجميع يتحدث عنها بوضوح عدد من السياسيين والكتاب والمؤرخين الاسرائيليين وتحدث عنها كذلك الرئيس الاميركي الاسبق جيمي كارتر .
هناك طبعا افكار خاطئة شاعت في اوساط الرأي العام العالمي ، روجتها الدعاية الاسرائيلية حول اسباب النكبة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني ، يهمني ان اتعرض لها في هذا اللقاء من اجل جلاء الحقيقة وتسليط الضوء على مسؤولية اسرائيل السياسية والقانونية والاخلاقية عنها .
لنعد قليلا الى الفصل الحاسم من فصول المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني ، الى قرار التقسيم رقم 181 لعام 1948 ، متجاوزين الفصل الاول ، الذي بدأ بوعد بلفور وبالانتداب البريطاني على فلسطين . انطلق ذلك القرار من استثناء القدس بسكانها العرب ، الذين كانوا آنذاك 105 آلاف نسمة وسكانها اليهود ، الذين كانوا آنذاك أيضاً 100 ألف نسمة ، ليقرر تقسيم فلسطين الانتدابية الى دولتين ، الاولى عربية على نحو 43 بالمئة من مساحة فلسطين يعيش فيها اكثر من 800 ألف فلسطيني ونحو عشرة آلاف يهودي والثانية يهودية على نحو 57 بالمئة من مساحة فلسطين يعيش فيها 499 ألفا من اليهود و 438 ألفا من العرب ، في حين لم تكن مساحة الاراضي التي استحوذت عليها الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي تتجاوز 6 بالمئة من مساحة فلسطين .
وبصرف النظر عن المساحة ، التي حددها القرار لكل دولة من الدولتين ، فان التكوين الديمغرافي وتحديدا للدولة اليهودية ، دولة اسرائيل ، اطلق العنان لسياسة ترتب عليها في الممارسة العملية مأساة حقيقية للشعب الفلسطيني ، هذه السياسة يمكن تخليصها وتكثيفها بكلمة واحدة ، هي الترانسفير ، او التهجير القسري ، او التطهير العرقي. ليس في ذلك مبالغة على الاطلاق أو تجاوز على الحقيقة . بل هذه هي الحقيقة في مواجهة محاولات اسرائيل التهرب من مسؤولياتها السياسية والقانونية والاخلاقية عن النكبة – المأساة ، التي تزامنت مع تأسيس دولة اسرائيل أو قيامها .
هذه السياسة كان لها اساس في مصدرين : الاول هو الانتداب البريطاني والثاني هو الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي . ففي مجرى احداث ثورة العام 1936 شكلت سلطات الانتداب البريطاني لجنة تحقيق عرفت باسم ” لجنة بيل ” . هذه اللجنة قدمت في العام 1937 توصية بتقسيم فلسطين الى دولتين ، واحدة عربية واخرى يهودية وطلبت في الوقت نفسه اجراء تبادل سكاني بين الدولتين بحيث يجري تهجير 225 الف فلسطيني من اراضي الدولة اليهودية الى اراضي الدولة الفلسطينية ونحو 1250 يهويدي من اراضي الدولة الفلسطينية الى اراضي الدولة اليهودية . وقد رحبت الترويكا القيادية للحركة الصهيونية والوكالة اليهودية المشكلة آنذاك من حاييم وايزمان ، وموشي شاريت ودافيد بن غوريون بالفكرة وكتب في حينه دافيد بن غوريون في يومياته الخاصة بتاريخ 12 تموز 1937 يقول : ” ان الطرد الاجباري للعرب من الاودية التي اقترحت للدولة اليهودية يعطينا ما لم نكن نملكه حتى في ايام الهيكلين الاول والثاني ، انه يعطينا الجليل خاليا من السكان العرب ” .
يوسف فايتس ، احد قادة الوكالة اليهودية ومدير قسم الاستيطان في الصندوق القومي اليهودي كان هو الاخر على قناعة بسياسة الترانسفير هذه ، فقد كتب في يومياته ، التي دونها في 20 كانون الاول من العام 1940 ، ان شراء الاراضي ليس وسيلة لبناء الدولة ، ليؤكد ان الوسيلة الانجع والافضل لذلك هي ” طرد العرب الى سوريه والعراق ” مستثنيا من عملية الطرد او الترانسفير بيت لحم والناصرة والقدس القديمة ، حتى لا يكون ذلك سببا في اثارة الرأي العام المسيحي في العالم ضد هذه الافكار السوداء .
شبه اجماع ساد اوساط الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي على الترانسفير ، التهجير القسري ، التطهير العرقي كوسيلة لاقامة الدولة اليهودية . فقط هي ” حركة هاشومير هاتسعير ” بزعامة موشي سميلانسكي ، التي تحولت لاحقاً الى حزب مبام ، كانت تعارض هذه الافكار وهذه المخططات باعتبارها معادية للاشتراكية ، وتدعو بدلا من ذلك الى دولة عربية – يهودية ثنائية القومية .
على خلفية هذه الافكار والممارسات كانت سياسة الترانسفير ، التهجير القسري والتطهير العرقي ، التي وجدت ترجمتها الفعلية في ماسمي في الايام الاخيرة من عهد الانتداب على فلسطين بالخطة ” دالت ” ، التي اعتمدتها قيادة الوكالة اليهودية في العاشر من آذار 1948 سياسة رسمية اوكلت تنفيذها للوحدات العسكرية للهاجاناه. بتوجيهات تفصيلية لترجمتها ، كاثارة الرعب بين السكان ومحاصرة القرى والبلدات والاحياء الفلسطينية وقصفها وحرق المنازل والاملاك والبضائع وهدم البيوت والمنشآت وزرع الالغام وسط الانقاض لمنع السكان من العودة الى قراهم وبلداتهم واحيائهم ، وهو الامر الذي كشفه عدد من المؤرخين الجدد اليهود من أمثال بيني موريس ، وشيما فلابان ، وآفي شلايم وايلان بابيه ، بالاعتماد على ” قانون السرية ” الاسرائيلي ، الذي يسمح بالاطلاع على معلومات ووثائق مضى عليها 40 عاماً . خطة ” دالت ” تلك تواصلت على امتداد ستة أشهر ارتكبت فيها 28 مجزرة اشدها هولاً وقسوة مجزرة دير ياسين وترتب عليها تدمير 531 بلدة وقرية فلسطينية واخلاء نحو احد عشر حيا سكنيا في عدد من المدن الفلسطينية ، مثلما ترتب عليها تهجير 800 ألف فلسطيني ، تحولوا الى لاجئين في وطنهم ولاجئين في البلدان العربية المجاورة .
الآن ، ما هو وضع حالة الصراع على الارض ، وهل يوجد في سياسة دولة اسرائيل مؤشرات حقيقية على الاستعداد لراجعة الوقف من الشعب الفلسطيني والتسلي بحقوقه الوطنية .
تعرفون أن الرئيس الايركي جورج بوش دعا الى عقد ؤتر في انابوليس في السابع والعشرين من نوفمبر الماضي ، أي قبل عام تحديدا . اعتقد البعض أن المؤتمر سوف يطلق عملية سياسية تفضي الى تسوية للصراع ، وفعلا تشكلت اللجان التفاوضية وعقدت نخو 250 اجتماعا ولقاء تفاوضيا . وقبل اسابيع انعقد اجتماع اللجنة الرباعية الدولية في شرم الشيخ في جمهورية صر العربية ، ولحظت أن الفجوة بين الجانبين لا زالت واسعة . من الذي يتحمل المسؤولية عن هذا الوضع ولماذا لا تتقدم المفاوضات على المسار الفلسطيني – الاسرائيلي . سوف احاول أن اسلط الضوء على ذلك مبينا الاسباب بعدد من العناوين حول عدد من القضايا التفاوضية :
اولا : هناك نشاطات اسرائيلية غير شرعية تجري في المناطق الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 . قرارات الشرعية الدولية أولا ، وخطة خارطة الطريق الدولية ، التي اعمدتها اللجنة الرباعية الدولية ثانيا ، ونداءات الامم المتحدة والمنظمات الدولية واللجنة الرباعية الدولية جميعها تدعو اسرائيل الى وقف هذه النشاطات الاستيطانية ، والنتيجة أن حكومة اسرائيل تواصل اصدار مناقصات حكومية لبناء الاف الوحدات السكنية في المستوطنات غير الشرعية التي بنتها على اراضي الضفة الغربية . اجمالا ومنذ مؤتمر انابوليس في نوفبر من العام الماضي وحتى نوفمبر الحالي تضاعف الاستيطان 12 ضعفا عما كان عليه في العام 2007 . هذا مؤشر خطير على سياسة دولة اسرائيل .
ثانيا : أعمال بناء جدار الفصل العنصري الذي تقيمه دولة اسرائيل في عمق الاراضي الفلسطينية المحتلة . من المفيد هنا القاء بعض الضوء على مسألة بناء هذا الجدار . خلال نصف عام من العمل الدؤوب قدمت محكمة العدل الدولية في لاهاي رأيها الاستشاري حول هذا الجدار ، وهو الرأي ( الفتوى) ، الذي جاء يعزز ما ذهب اليه البروفيسور الجنوب افريقي واستاذ القانون الدولي جون دوجارد في تقريره للجنة حقوق الانسان في الامم المتحدة ، والذي شكك فيه بالطبيعة الامنية للجدار حسب الادعاءات الاسرائيلية واكد فيه انه يمثل انتهاكا صارخا لحقوق الانسان في الاراضي الفلسطينية ، مثلما اكد فيه ان نحو 210 آلاف مواطن فلسطيني سوف يعيشون في المنطقة الواقعة بين مسار الجدار وبين خط الهدنة لعام 1949 في عزلة تامة عن المدارس وأماكن العمل والعيادات والخدمات الصحية وغيرها من الخدمات الاجتماعية واكد فيه كذلك ان إسرائيل سوف تحكم من خلال الجدار سيطرتها على موارد المياه الفلسطينية . جاء في تقرير جون دوجارد ” ان اسرائيل بتشييدها للجدار سوف تضم فعليا معظم المنظومة الغربية لمستودعات المياه الجوفية التي تضم 51 بالمئة من موارد الضفة الغربية من المياه ” وان الجدار سوف يعرض للتخريب اثناء المراحل الاولى من البناء ما يقدر بنحو مئة الف دونم من اخصب الاراضي الزراعية في الضفة الغربية وسوف ” يعرض للتخريب اثناء مراحله الاولى من البناء ما يقدر بنحو مئة الفا دونم من خصب الاراضي الزراعية في الضفة الغربية وسوف يبدد ويدمر كما هائلاً من الممتلكات ويعزل الفلسطينيين عن اراضيهم الزراعية ومياههم الجوفية وسبل معيشتهم “.
محكمة العدل الدولية طالبت دولة اسرائيل بوقف عمليات البناء الجارية وهدم وازالة ما تم انجازه من اعمال البناء باعتباره مخالفة صريحة للقانون الدولي . كما طالبت اسرائيل ، باعتبارها دولة احتلال جبر الضرر الناتج عن عمليات البناء وعمليات الهدم معا ، ودعت فتوى المحكمة الدولية الأمم المتحدة وخاصة الجمعية العامة ومجلس الامن البحث في اجراءات يجب القيام بها لانهاء الوضع غير القانوني الناجم عن إعمال بناء الجدار وانشاء سجل لحصر الاضرار لهذا الغرض ، مثلما دعت جميع البلدان الأعضاء في الامم المتحدة وغير الاعضاء عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناجم عن بناء الجدار والى الامتناع بشكل كامل عن تقديم أية مساعدات سياسية او ديبلوماسية او مادية لدولة اسرائيل في هذا الشأن . أما الاضرار ، التي تتحدث عنها فتوى محكمة العدل الدولية ، فانها لا تنحصر في اضرار لحقت بافراد وحسب او اضرار مادية وحسب ، حيث تتحدث الفقرة 163 من الفتوى عن ( جميع ) الاضرار ، وهذا يعني الاضرار التي لحقت بالافراد ، والاراضي الحكومية واراضي الاوقاف واراضي المجالس البلدية والمحلية والقروية والبيئة والاراضي المشاع والمراعي والموارد الطبيعية ، وخاصة مصادر المياه والممتلكات العامة والبنية التحتية وتلك التي لحقت بالخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية وغيرها . ورغم ذلك تواصل إسرائيل سياسة ادارة الظهر للأمم المتحدة والمجتمع الدولي ويواصل الجدار زحفه على الاراضي الفلسطينية . فحسب تقديرات منظمات وهيئات دولية ، بما فيها تلك التي تتبع الامم المتحدة ، كمكتب تنسيق الشؤون الانسانية ( اوتشا ) وكذلك وكالة الغوث ، فقد انجزت اسرائيل بناء 70 بالمئة من الجدار في حين تواصل العمل في 10 بالمئة باعتباره قيد البناء من أصل طوله البالغ نحو 723 كيلومترا ، اي ما يساوي ضعف طول حدود حزيران 1967 .
ثالثا : القدس : كانت القدس حاضرة في جميع مداولات مجلس الأمن الدولي حول القضية الفلسطينية . ففي عام 1968، صدر عن المجلس القراره رقم 250، وفيه يدعو اسرائيل للامتناع عن إقامة عرض عسكري في القدس، الأمر الذي رفضته اسرائيل ، ليبدي المجلس أسفه في قرار لاحق على اقامة هذا العرض، ثم ليشجب في القرار رقم 252 ، عدم امتثال اسرائيل لقرارات الجمعية العامة الداعية لعدم إجراء تغييرات في القدس. وفي عام 1969 ، تبنى المجلس القرار رقم 267 ، وفيه تأكيد على مضمون قرارته السابقة ، والتي تدعو إلى إلغاء جميع الإجراءات التي تقوم بها اسرائيل لتغيير وضع القدس.وفي قراره رقم 271 ، إدان مجلس الأمن الدولي عدم امتثال اسرائيل لقراراته في حماية الأماكن المقدسة بعد حريق المسجد الأقصى، عام1969 .
وفي عام 1971 ، أصدر المجلس قراره رقم 298 ، وفيه يأسف لعدم احترام اسرائيل القرارات السابقة الصادرة عن المجلس، ويؤكد على أن جميع الإجراءات الاسرائيلية في القدس لاغية كليا وباطلة . وتوالت قرارات مجلس والجمعية العامة للأمم المتحدة على هذا النحو بالنسبة للقدس ، وكذلك فعلت محكمة العدل الدولية في الفتوى الصادرة عنها في تموز من العام 2004 ، دون أن تبدي اسرائيل حدا أدنى من الاستعداد لاحترام قرارات الشرعية الدولية حول القدس . سياسة اسرائيل في القدس يمكن تلخيصها على النحو التالي : مصادرة الأرض ، بناء المستوطنات ، تهجير الفلسطينيين من المدينة ، احلال المستوطنين اليهود مكانهم ، ازالة المعالم والأثار التاريخية العربية والأسلامية من المدينة ، وهي سياسة لا تؤشر على الاستعداد لبناء سلام مع الفلسطينيين .
رابعا : السيطرة على مصادر المياه الجوفية الفلسطينية ومنع الفلسطينيين من الوصول الى مصادر المياه السطحية سواء في نهر الاردن أو البحر الميت . هناك فجوة كبيرة في استخدام المياه بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فالأرقام تشير إلى أن الإسرائيلي يصل استهلاكه اليومي من الماء الى نحو 274 لتر للفرد الواحد، وفي المقابل نجد الفلسطيني لا يتعدى استهلاكه من الماء 65 لتراً في اليوم في الضفة الغربية ، و 75 لتراً في قطاع غزة ، بجودة متدنية جداً وذات مستوى مرتفع من الكلوريد والآكسيدات، الذي يشكل خطراً علي الصحة يتجاوز المستوى المسموح بعدة درجات، هذه الفجوة نابعة من كون إسرائيل هي الجهة المسيطرة علي المياه في المصادر المشتركة مع الفلسطينيين “حوض الأردن والحوض الجوفي “، وتقوم باستغلاله لمصلحتها. فضلا عن ذلك فإن 50% من مخزون المياه في الضفة الغربية يتم سحبه إلى داخل إسرائيل، بما في ذلك مياه الشتاء ، وتستهلك المستوطنات في الضفة الغربية بما فيها القدس التي يقطنها نحو أربعمائة ألف مستوطن نحو 32% من المياه ، فيما حصة الفلسطينيين البالغ عددهم نحو 3.7 ملايين نسمة لا تزيد على 18%. وهذا ايضا مؤشر واضح على الاطماع العدوانية التوسعية لدولة اسرائيل .
خامسا : هدم منازل الفلسطينيين ، فاسرائيل وفي سياق سياسة التضييق على الفلسطينيين تمارس سياسة تحرمها القوانين الدولية والقانون الدولي الانساني وبخاصة معاهدة لاهاي لعام 1907 واتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949 . فقد قامت اسرائيل منذ احتلالها قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس عام 1967 بهدم اكثر من 18 ألف منزل سكني فلسطيني ، وشردت عشرات الاف العائلات الفلسطينية حسب معطيات اللجنة الاسرائيلية ضد هدم البيوت في الوقت الذي شهدت فيه المستوطنات غير الشرعية التي تبنيها على اراضي المواطنين الفلسطينيين عمليات بناء واسعة . هذه السياسة التي تمارسها اسرائيل هي الاخرى مؤشر واضح على عدم استعدادها للتقدم نحو تسوية سياسية للصراع مع الجانب الفلسطيني . لا يوجد تفسير اخر لسياسة هدم منازل الفلسطينيين بحجة البناء غير المرخص ولسياسة تسمين المستوطنات وعدم تطبيق نفس القوانين على البناء في المستوطنات والبؤر الاستيطانية ، التي طالبت خطة خارطة الطريق الدولية بازالة ما بني منها منذ العام 2001 ، غير سياسة ترانسفير مضمرة تمارسها دولة اسرائيل ضد المواطنين الفلسطينيين في مدينة القدس وفي مختلف المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية .
سادسا : سياسة الحصار والاغلاق والخنق الاقتصادي والعقوبات الجماعية ضد المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة والحواجز العسكرية في الضفة الغربية ، وما يترتب عليها من مضاعفات ومخاطر . العالم يتابع بدون مبالاة سياسة العقوبات الجماعية المحرمة دوليا ، التي تفرضها دولة اسرائيل على المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة ، حيث تمنع دخول الوقود ومواد البناء ومدخلات الانتاج الزراعية والصناعية والمواد الغذائية والادوية لتسبب بذلك في زيادة معدلات الفقر والبطالة وتدهور مستويات المعيشة . في قطاع غزة تصل نسبة الاسر الفلسطينية التي تعيش تحت خط الفقر ، أي بمداخيل لا تتجاوز 2 دولار للفرد يوميا الى نحو 70 بالمئة من السكان . ليست سلطة الامر الواقع ، التي تفرضها حركة حماس على قطاع غزة ، هي التي تتضرر من سياسة العقوبات الجماعية هذه المحرمة دوليا ، بل المواطن العادي ، وهو الامر الذي يجب أن يكون واضحا للرأي العام الدولي ، حتى يغادر سياسة عدم المبالاة وسياسة ازدواجية المعايير في التعامل مع حقوق الانسان . وفي الضفة الغربية المحتلة تمارس دولة اسرائيل سياسة خنق اقتصادي بوسائل اخرى مختلفة عن تلك التي تمارسها في قطاع غزة ، فهي تنشر الحواجز العسكرية في جميع انحاء الضفة الغربية . كشف تقرير صادر عن الأمم المتحدة ان عدد هذه الحواجز قد زاد في الواقع بعد مؤتمر انابوليس بنسبة 7%، وارتفع من 566 حاجزا في سبتمبر (أيلول) 2007 الى 607 حواجز في أبريل (نيسان) الماضي . وأوضح التقرير الذي أصدره مجلس التنسيق في القضايا الانسانية التابع للأمم المتحدة، ان اسرائيل أزالت خلال هذه المدة 110 حواحز ، لكنها بالمقابل أضافت 141 حاجزا جديدا، تركزت في مناطق نابلس والخليل وطولكرم وقلقيلية. هناك 250 ألف مواطن فلسطيني في محيط القدس مقطوعي الصلة عن مدينتهم ، لا يستطيعون ادارة أعمالهم فيها ولا تعليم أبنائهم في مدارسها أو علاج مرضاهم في مستشفياتها ولا حتى الصلاة في مساجدها . لا يقف خطر هذه الحواجز التي تمزق الضفة الغربية عند هذه الحدود ، بل ان تأثيرها مدمر على الحياة الاقتصادية ، اذ يستحيل أن تسير عجلة الحركة الاقتصادية والتجارية وعملية التنمية في ظل وجود هذه الحواجز العسكرية .
هذه نماذج تعكس شواهد على سياسة دولة اسرائيل . انها ليست الوحيدة ، فهناك نماذج اخرى لا تقل أهمية تتصل بحقوق الانسان ، التي تبقى غائبة عن جدول أعمال واهتمام الرأي العام الدولي عندما يتصل الامر بالمواطن الفلسطيني . للحياة البشرية قيمة عظيمة ، وفي الحق في الحياة يتساوى البشر بصرف النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية او الجنس . الرأي العام الفلسطيني يدرك ذلك ، ويدين على هذا الاساس كل عمل ارهابي وكل عمل يستهدف المدنيين بصرف النظر عن هويتهم ، ولكنه في الوقت نفسه يطالب الرأي العام الدولي أن يغادر سياسة ازدواجية المعايير في التعامل مع الحق في الحياة . للشعب الفلسطيني الحق في الحياة دون خوف من فوهات بنادق قوات الاحتلال والدبابات والطائرات الاسرائيلية ودون خوف من سياسة القتل اليومية التي تمارسها اسرائيل ضد ابنائه في قطاع غزة ، كما في الضفة الغربية . الحق في الحياة ، والحق في العيش بحرية خارج معسكرات الاعتقال الجماعي الاسرائيلية ، هي من الحقوق المقدسة ، التي تسمو على ازدواجية المعايير . حسب المعلومات التي وثقها مركز الميزان لحقوق الانسان فقد فاق عدد الشهداء الذين سقطوا على أيدي قوات الاحتلال ، خلال الربع الأول من العام 2008 في قطاع غزة، نظيره على امتداد السنوات الثلاث السابقة. كما أنه اقترب من أعداد القتلى خلال عام 2007 بأكمله، التي بلغت (281)، فيما فاق عدد الأطفال الذين قتلتهم قوات الاحتلال خلال الربع الأول من العام 2008 عددهم في العام 2007 بأكمله، حيث بلغت حصيلة القتلى من الأطفال قي العام 2007 (31) طفلاً، فيما بلغ عددهم في الربع الأول من العام الجاري (42) طفلاً. أما تقارير مراكز حقوق الانسان المتعلقة بالأسرى في السجون الإسرائيلية، فجميعها تؤكد أن نحو ربع الشعب الفلسطيني تعرض للاعتقال منذ عام 1967 على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وأن نحو احد عشر الفا من المواطنين الفلسطينيين تحتجزهم اسرائيل في نحو 30 من السجون والمعتقلات ومراكز التوقيف الإسرائيلية، في ظروف مخالفة لكل الأعراف والقوانين الدولية ، بينهم ( 34 نائباً) في المجلس التشريعي من أصل ( 132 نائباً) مجموع أعضاء المجلس وفي مقدمتهم رئيس المجلس .
لنعد من جديد الى النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني واقتلعت مئات الالاف من ابنائه من ارضهم وحولتهم الى ملايين من اللاجئين ، الذين يعيشون على مساعدات وكالة الغوث الدولية . تستطيع اسرائيل ان تتهرب الى حين من التزاماتها المنصوص عليها في القرار الدولي 194 ، وأن تضع نفسها أيضا الى حين ، بمساعدة الادارة الاميركية وحمايتها ، فوق القانون الدولي والشرعية الدولية ، ولكنها لن تتمكن من اخفاء مسؤوليتها السياسية والقانونية والاخلاقية عن المأساة التي حلت بالشعب الفلسطيني . السبب بسيط وواضح وهو أن الشاهد على سياسة الترانسفير والطرد الجماعي والتطهير العرقي ما زال حيا يواصل نضاله من أجل حقه في العودة الى دياره وممتلكاته ويستند في ذلك الى اعتراف دولي بهذا الحق ’ حتى لو تنكر له الرئيس الاميركي جورج بوش في رسالته الى ارئيل شارون في ابريل من العام 2004 وفي خطابه في الكنيست الاسرائيلي في الخامس عشر من أيار 2008 . فهذا حق جماعي مثلما هو حق فردي ، تكفله قرارات الشرعية الدولية ولا يسقط بالتقادم ، وهو حق له صفة الالزام لأن الجمعية العامة للأمم المتحدة تجدد التأكيد عليه كل عام منذ عام النكبة ، وله صفة الالزام كذلك بالنسبة لاسرائيل ، لأنه كان شرطا من شروط عضويتها في الامم المتحدة .
ان الشعب الفلسطيني يناضل من أجل السلام القائم على العدل ، وعلى تسوية سياسية لهذا الصراع الدامي على اساس قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة ، وبما يوفر الامن والاستقرار لجميع شعوب ودول المنطقة ، وفي المقدمة منها دولة فلسطين وعاصمتها القدس العربية ، دولة حرة وديمقراطية لا مكان فيها للمستوطنات والحواجز العسكرية ولجدار الفصل العنصري ، وتصون حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم وفقا لقرارات الشرعية الدولية ، وتغلق في الوقت نفسه معسكرات الاعتقال الجماعية التي اقامتها اسرائيل منذ العام 1967 ، بمخالفة واضحة وصريحة لاتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949 وللقانون الدولي الانساني .
أخيرا ، فان دول الاتحاد الاوروبي تستطيع أن تقدم الكثير من أجل دفع جهود التسوية السياسية للصراع على مساره الفلسطيني – الاسرائيلي الى ألأمام ، بممارسة الضغط على دولة اسرائيل ودفعها لاحترام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ، ومبادرة السلام العربية ، التي اقرتها القمة العربية في دورة انعقادها في بيروت عا 2002 ، وتبناها اجتماع وزراء خارجية الدول الاسلامية ، الذي انعقد في طهران في أيار من العام 2003 . لدول الاتحاد الاوروبي دور سياسي ، يمكن أن أن يساعد الادارة الاميركية الجديدة ، للخروج من النفق المظلم ، الذي زجت الادارة الاميركية عموم منطقة الشرق الاوسط فيه ، بمغامراتها العسكرية وبسياسة الفوضى الهدامة ، التي اشاعتها في أرجاء هذه المنطقة الحساسة من العالم . قد تبدو افاق التسوية السياسية مسدودة بفعل السياسة العدوانية والاستيطانية التوسعية لدولة اسرائيل ، غير أن شعوب المنطقة ودول وشعوب العالم المحبة للسلام يجب الا تتخلى عن مسؤولايتها في حماية الامن والسلم الدوليين ، بعد التجربة المريرة التي مرت بها المنطقة ومر بها العالم وما زال بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، والتي تؤكد أن تدهور الامن والاستقرار على مستوى منطقة الشرق الاوسط وعلى المستوى الدولي يرتبط على نحو واضح بمحاولات اسرائيل اغلاق ملف الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي على دائرة امنية دموية . ان تدهور الأمن يبدأ من فلسطين والسلم والاستقرار يبدأ كذلك من فلسطين .

30/11/2008