الرئيسية » مقالات » (بنات يعقوب) رواية جديدة لمحمود سعيد

(بنات يعقوب) رواية جديدة لمحمود سعيد

صدرت حديثاً عن دار فضاءات في عمان/الأردن، رواية جديدة للروائي العراقي المعروف محمود سعيد، بعنوان “بنات يعقوب” تقع في 594 صفحة من الحجم الكبير.

بدءً أود التوضيح أني لست ناقداً أدبياً، ولكن ما أكتبه هنا عن هذه الرواية هو مجرد انطباعات قارئ يعشق الأدب الهادف وخاصة الرواية الجادة. يقول النقاد في الفن المسرحي أن الممثل الناجح هو الذي يجعل المشاهد يعتقد أن ما يشاهده على المسرح أو الشاشة ليس تمثيلاً، بل هو الواقع بعينه. أعتقد أن هذا الوصف ينطبق على الكاتب الروائي الناجح أيضاً، والروائي محمود سعيد هو من هذا النوع، فعندما أقرأ له أية رواية أشعر أن ما أقرأه ليس من صنع الخيال بل هو الواقع، خاصة إذا كانت فكرة الرواية نابعة من أحداث تاريخية موثقة. وهنا يكمن سر نجاح محمود سعيد كروائي بارز، اصدر لحد الآن أكثر من 20 رواية، فازت بعضها بجوائز تقديرية في البلاد العربية، وروايته الأخيرة هذه أيضاً مرشحة لجائزة بوكر، كما وترجمت بعض رواياته وقصصه إلى اللغتين الانجليزية والإيطالية.

يتميز الروائي محمود سعيد بقدرته الفذة على توظيف الأحداث التاريخية والأساطير الشرق أوسطية التي هي مصدر الأديان السماوية، وفق ما أكتشفه علم الحفريات (آركيولوجي) في عمليات التنقيب في مختلف مناطق العراق ومناطق أخرى من الشرق الأوسط، في تأليف الرواية. وبعيداً عن الصراعات القومية والدينية بين العرب واليهود، يفند محمود سعيد في روايته هذه الحكايات التوراتية، والأساطير الإسرائيلية، ويؤكد أن معظمها حصلت في العراق وليس في مصر.

فمن قراءة العديد من كتب تاريخ بلاد الرافدين القديم نعرف أن العبرانيين لعبوا دوراً كبيراً في سرقة التراث البابلي فاستنسخوا الكثير منه في تأليف كتبهم الدينية، التوراة وغيرها من أسفارهم، والإدعاء بأن إله بني إسرائيل (يهوه Jehovah) أوحى بها إلى نبيهم موسى وغيره من بعده من أنبيائهم. وقد عملوا كل ما في وسعهم على تدمير وإخفاء تلك المصادر من آثار بابل وذلك عندما قاموا بدور الطابور خامس بمساعدة العيلاميين في غزوهم للدولة البابلية وتدمير كل ما رأوا من آثارها، لكي تبدو كتاباتهم وكأنها عبرانية أصيلة من وحي يهوه لأنبيائهم حسب زعمهم، وليست مقتبسة من تراث بابل. والمؤسف أن هذه الادعاءات ترسخت في الكتب الدينية وبمرور آلاف السنين صارت من المقدسات والمسلمات التي يمنع حتى مناقشتها. ولكن لحسن الحظ أنهم لم يفلحوا في تدمير جميع الآثار، إذ بقي الكثير منها إلى أن تم اكتشاف آلاف المدونات التي تم حل رموزها وقراءتها لتنطق بالحقائق الدامغة.

اعتمد الكاتب فكرة رواية (بنات يعقوب) على مصادر عديدة، ويمكن للمتتبع التأكد منها بقراءة كتاب: (Jealous Gods, Chosen People, The Mythology of The Middle East)، للباحث الأمريكي (David Leeming) أستاذ متمرس في الأدب الإنكليزي والأدب المقارن في جامعة كونكتيكوت الأمريكية. إذ يؤكد ليمنغ في كتابه أن معظم الأساطير التي تطورت فيما بعد إلى ما سمى بالأديان السماوية، المؤمنة بالإله الواحد (monotheist) مقتبسة من الأساطير البابلية. وكل دين جديد يستنسخ الذي سبقه مع إجراء بعض التعديلات لتناسب الظروف الزمانية والمكانية. فقصة موسى مثلاً هي نسخة مقتبسة من قصة سرجون الأكدي، الأقدم تأريخيا بأكثر من ألف عام. وسرجون هو أول من حكم إمبراطورية في التأريخ القديم في حدود سنة 2350 ق.م حيث تحكي الرواية البابلية في مدونات بابل أن المنجمين تنبئوا للملك الأكدي أن طفلاً سيولد في اليوم الفلاني، ويقتله ويأخذ منه السلطة. فأمر الملك بقتل جميع الأطفال الذين سيولدون في ذلك اليوم. ولما ولد سرجون أخذته أخته الكبرى بأمر من الأم فألقت به في اليم (النهر) حيث وضعته في قفة مطلية بالقار، وهي صناعة عراقية بامتياز غير معروفة في المناطق الأخرى. استعار دانيال وغيره من أنبياء بين إسرائيل الذين كانوا أسرى في بابل في عهد نبوخذ نصر حكاية سرجون واختلقوا منها شخصية موسى ، وادعوا أن ما حدث في العراق قد حدث في مصر…الخ.

وهناك بحث أكاديمي آخر نشر قبل سنوات، يخص هذا الموضوع، للباحث د. كمال صليبي بعنوان (التوراة جاءت من جزيرة العرب). كل هذه البحوث تؤكد عدم علاقة مصر بقصة اليهود أو دورهم في بناء الأهرامات وغيرها، بل كانت علاقة اليهود بوادي الرافدين، وبناء الجنائن المعلقة، وقد كتبت أسفارهم وكتبهم الدينية في بابل، كما تؤكد فكرة الرواية.

كذلك يلقي الفيلسوف الهولندي المعروف باروخ سبينوزا في كتابه القيم (دراسة في اللاهوت والسياسة) وهي دراسة فلسفية وتحليلية للتوراة وغيرها من الكتب الدينية، ترجمة حسن حنفي إلى العربية في الستينات من القرن الماضي، يؤكد سبينوزا في يحثه أن شخصية موسى قد تكون خيالية لا وجود لها في الواقع، لأن الأحداث المذكورة في التوراة ، حصلت بعد مئات السنين للفترة المنسوبة لعهد موسى. ويؤكد سبينوزا أن التوراة هي ليست من تأليف شخص واحد، بل تأليف عدد كبير من الأشخاص أدعوا النبوة، وعلى فترات متباعدة تفصل بينها مئات السنين. لا أزعم هنا أن مؤلف رواية (بنات يعقوب) قد قرأ هذه الكتابين، ولكن المعلومات التي اعتمدها في روايته مثبتة في عشرات المصادر التاريخية الأخرى، خلاصتها أن التوراة وغيرها من أسفار بني إسرائيل كتبت في بلاد الرافدين اقتبست الأساطير البابلية.

ومن قراءة الرواية، يدرك القارئ أن المؤلف يتمتع بمعرفة واسعة في التاريخ القريب والبعيد، وخاصة في تراث الشرق الأوسط، وبالأخص تراث وادي الرافدين، وأنه نجح في توظيف التراث في حبك الرواية وسردها. وعليه فرواية (بنات يعقوب) عبارة عن ملحمة تاريخية تحكي ما حصل في أواخر عهد نبوخذنصر، إمبراطور الدولة البابلية، وما كانت تتمتع به بابل في تلك الفترة من حضارة وهيبة ومكانة في الدنيا كلها، حيث انتعشت المعارف في مختلف المجالات، العلوم والفنون والطب والفلك والتنجيم والهندسة والرياضيات وغيرها. أما الهندسة فقد حققت تقدماً فائقاً بحيث استطاع المهندسون البابليون القيام بتصميم وبناء الجنائن المعلقة، إحدى عجائب الدنيا السبع، وحفر قنوات الرأي وبناء المدن والطرق وغيرها. ويوحي الكاتب إلى أن مكانة بابل في ذلك العهد كانت كمكانة بغداد في عهد الرشيد والمأمون في الدولة العباسية.

في عهد الإمبراطور البابلي نبوخذ نصر كانت قبائل العبرانيين تتنقل في أرض كنعان (فلسطين). وفي تلك الفترة عاش يعقوب ومعه أولاده الاثنى عشر، منهم يوسف وبنيامين وغيرهما، وهم آباء الاثنتي عشرة قبيلة من قبائل بني إسرائيل فيما بعد كما تقول الأسطورة الإسرائيلية. كذلك كان ليعقوب عدة بنات جميلات وعدة من الزوجات. وعندما حط الرحال في قرية حمور في بلاد كنعان، أحسن شيخ القرية ضيافتهم وشاركهم في أملاكه وحتى تزوج أبناؤه من بنات يعقوب، وبعد أن استقر بآل يعقوب المقام وأطلعوا على كل ما في القرية من ثروات، أمر يعقوب أبناءه بالهجوم ليلاً على أهل القرية وقتل رجالهم ونهب أموالهم وأغنامهم والهروب من المنطقة بالمنهوبات. ولكن بنات يعقوب قررن الفرار من أبيهن والتوجه إلى بابل عقاباً له لنكران الجميل وقتل أزواجهن، أبناء حمور.

ويواصل قبائل العبرانيين أعمال قطع الطرق والهجوم على قوافل التجارة وقتل التجار ونهب الأموال، وبث الرعب والفزع بين القبائل التي كانت تقطن في المناطق الممتدة من أرض كنعان إلى بابل، الأمر الذي دفع الإمبراطور العادل نبخذنصر ليقوم بحملة تأديبية لهم، فدمر مدينتهم أورشليم، وجلب الآلاف من اليهود إلى بابل كأسرى حرب. ولأنه كان حاكماً عادلاً، رفض نبوخذ نصر قتل أسراه اليهود أو حتى سجنهم، فأسكنهم في بابل وأشغلهم في المشاريع العمرانية، وعمل على تحويلهم إلى مواطنين نافعين. وفعلاً اندمج القسم الأعظم منهم مع الشعب البابلي وتأقلموا مع الحضارة وصاروا مواطنين مسالمين إلا نفر قليل منهم ضمروا العداء للإمبراطورية البابلية ومليكها بتحريض من بعض قادتهم مثل دانيال وحسقيال وعزرا (العزير)، فنظموا عصابات سرية تعمل على خلق الفوضى في البلاد وتخريبها، وقاموا بالاتصال بملك العيلاميين في بلاد فارس وحرضوه على احتلال بابل وتدميرها وتطوعوا له بالقيام بدور الطابور الخامس في مساعدتهم. وهذا ما تم لهم فيما بعد.

وفي نفس الوقت راح دانيال وأسباطه يدرسون ما أنتجته الحضارة البابلية من ثقافة ومعارف في التاريخ والقوانين والشرائع في الحكم والسلوك. فاستنسخوا هذه المعارف ومنها أسطورة الخلق، وقصة كلكامش في البحث عن الخلود، وحكاية عشتار، وقوانين حمورابي المدونة على مسلته التي استوحاها من إله الشمس (تموز)، فكتبوا التوراة وغيرها من الأسفار الإسرائيلية، لينسبوها إلى شخصية خيالية يشك في وجودها الحقيقي في التاريخ عدا في الأساطير الإسرائيلية، وهي شخصية موسى، وادعوا أن إله بني إسرائيل (يهوه Jehovah) ظهر له على شكل نار في سيناء وكلمه مباشرة وسلمه الألواح التي فيها التوراة ومنها الوصايا العشر.

وقد حقق المؤلف محمود سعيد نجاحاً باهراً في مزج الخيال بالأحداث التاريخية، وربط ما جرى في حرب الخليج الثانية (تحرير الكويت) والانتقال إلى العهد البابلي، كما أنه أبدع في الحبك الروائي وآلية السرد، لينقل القارئ إلى أجواء الماضي البعيد فيعيش أحداث تلك الفترة وكأنه يشاهد فيلماً سينمائياً. وبذلك فقد أزال الكثير من الغموض والزيف حول أصل التوراة وغيرها من الأسفار الإسرائيلية. إضافة إلى ذكره الكثير من التفاصيل الصغيرة حول الطبيعة البشرية والعلاقات الإنسانية التي تبقى كما هي في كل زمان ومكان وكما تقتضيه متطلبات الرواية الناجحة.