الرئيسية » مقالات » حق العودة..للمواطنين السوريين أولاً

حق العودة..للمواطنين السوريين أولاً

إن المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تقول: “يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق..”. وكذلك فإن المادة الثالثة تضيف “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه”. أما المادتين الخامسة والتاسعة تنصان، وعلى التوالي، بأن “لايعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة” وكذلك “لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً” وغيرها من القوانين والنظم التي تنظم علاقة الدولة بالمواطن وبالعكس وكذلك علاقة المواطنين مع بعضهم في إطار تلك الدولة.
وبالتالي وفي ظل هذه القوانين الدولية والتي وقعت عليها سوريا في حينها وأيضاً بمناسبة إنعقاد “(الملتقى العربي الدولي لحق العودة) والذي استضافته العاصمة السورية دمشق خلال الفترة (23- 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2008)، وبمشاركة أكثر من خمسة آلاف شخصية من المؤتمرات و الهيئات و الأحزاب و المنظمات و الاتحادات الشعبية ولجان حق العودة وممثلي المؤتمرات والشخصيات الفلسطينية العربية والعربية والإسلامية والدولية، الرسمية والشعبية، من الاتجاهات كافة، وتجمعات اللاجئين الفلسطيني ومن أنحاء العالم..” – حسب ما ذكرتها وكالات الأنباء – يحق لنا أن نتساءل أين “حق العودة” للاجئين السوريين، بمختلف أطيافه ومكوناته، والمشتتين في أصقاع الأرض شرقاً وغرباً. ألم يكن الأجدر بهؤلاء (5) خمسة آلاف من المؤتمرون أن يتساءلوا بين أنفسهم – وهم ضيوف على مائدة الشعب السوري الجائع – لما ما يقارب مليوني ونصف سوري يعيش في الغربة وذلك بين منفي ومهجر ومغترب و”مطفوش” من السلطات الأمنية المخابراتية.
إننا سنحاول أن نلقي بعض الضوء على عدد من المسائل والقضايا التي تبناه المؤتمرون أنفسهم في (إعلانهم التضامني الدولي) مع قضية الشعب الفلسطيني وحقهم في العودة ونسقطها على الشعب السوري وحقه هو الآخر في العودة – وهذا لا يعني إننا ننكر على الأخوة الفلسطينيين حقهم ذاك، بل نعلن بهذه المناسبة كل تضامننا مع الشعب الفلسطيني وحقه في العودة وبناء دولته المدنية الديمقراطية على ترابه الوطني – ولكن “الشيء بالشيء يذكر” وبالتالي نود أن نذكر السلطات الأمنية السورية بأن من يعقد المؤتمرات لحل قضايا عالقة لشعوب وبلدان مجاورة فالأولى به أن يلتفت إلى الداخل الوطني والذي يعاني من نفس المعضلات والقضايا العالقة؛ حيث يقدر “صافي الهجرة الخارجية في سورية.. بنسبة لا تقل عن 12% من مجمل حجم السكان السوريين” وذلك إما لحاجة إقتصادية (الفقر والبطالة) أو نتيجةً للضغوطات والملاحقات الأمنية وما أكثرهم.
يدعوا المؤتمرون في إعلانهم الدمشقي – عفواً الدولي – إلى ما يلي: أولاً- “إن حق اللاجئين.. في العودة إلى بيوتهم وأراضيهم التي هجروا منها وفي التعويض عما لحقهم من أضرار يقع في صلب القضية.. وجوهرها، وهو حق راسخ غير قابل للتصرف، أو التنازل عنه، أو المساومة عليه، أو الانتقاص منه”. ونحن هنا نسأل القيادة السورية والتي رعت هذه الفعالية على أراضيها وفي قصر المؤتمرات وبحضور (5) خمسة آلاف مدعوا – الرقم مرعب حقيقةً وخاصةً في ظل هذه الأزمة المالية العالمية وفقر ومعاناة الشعب السوري المغلوب على أمره، ولكن يبدو أن أرقام وأرصدة المافيويات السلطوية السورية في البنوك الغربية أكثر رعباً ولا تتأثر بهكذا أرقام وولائمهم – نعم.. نود أن نسأل تلك السلطة التي رعت الفعالية، هل على الشعب السوري هو أيضاً أن يطالب بما ورد في “أولاً” من إعلانكم وبالتالي محاسبتكم على ما أقترفتم من مآسي وكوارث بحق الشعب السوري وآخرها مرسومكم السيء الصيت ذو الرقم (49) والذي يسلب المواطن الكوردي – وهو في الداخل ولا يحتاج لحق عودتكم – من حقه في إمتلاك وبيع وشراء عقاره وداره وما يملك من أراضٍ وحقولٍ زراعية.. أفيعقل لنظامٍ هكذا؛ يُحرم مواطنيه من حق ملكية ما هو عائدٌ له أصلاً، بأن يطالب للآخرين بحق العودة والتعويض وإلى ما هنالك من الحقوق والتي هي شرعية وقانونية بالمطلق، أليس ذاك يعتبر نفاقاً ودجلاً سياسياً من جانب النظام السوري وبالتالي لعباً بالقضية الفلسطينية وحقهم في العودة، بينما يحرم على (أبناء شعبه) تلك الحقوق.
وما يأتي ثانياً، فإننا نحن السوريون أيضاً متمسكون به وسنطالب الدول وحكوماتها أن تثبته لصالح الشعب السوري؛ ألا وهو “إن حق العودة هو حق شرعي طبيعي، فردي وجماعي، تكلفه الأديان و المواثيق والقوانين الدولية، وهو حق ثابت لا يسقط بالتقادم، كما أنه حق مطلق، لا تملك أية جهة فردية كانت أم جماعية، شعبية كانت أم رسمية، الحق في التنازل عنه، كما لا يجوز الاستفتاء عليه”. وبالتالي فعلى السلطات السورية أن تسقط إدعاءاتها الأمنية بحق الملاحقين والسياسيين السوريين لكي يعودوا إلى الوطن. وفي ظل الفقرة الثالثة من الإعلان المذكور والذي يؤكد على “ضرورة تعميم ثقافة المقاومة ونهجها لأن خيار المقاومة هو السبيل الأجدى والأقصر لتحقيق عودة الفلسطينيين إلى ديارهم ويدعو إلى حماية هذا الخيار وتحصينه على المستوى الوطني والقومي والإسلامي والعالمي” فهل يحق لنا نحن السوريون كذلك أن نعمل ونؤكد على هذا الخيار؛ المقاومة المدنية الديمقراطية وليس العسكرية الحماسوية الجهادوية – كما يفهم من روح الإعلان الدمشقي – أم أن المقاومة حكرٌ على السلطة وأدواتها في المنطقة، وإذا كان النظام السوري يقر ويؤكد في إعلانه ذاك على هذا الحق و(على إعتبار أنه نظام عقائدي بعثي) فلِمَ أنكر على قوى إعلان دمشق المقاومة المدنية – وليس العسكرية الإسلاموية – لحالة الإستبداد في البلد وزج بقيادته في غياهب سجونها.
وأيضاً.. بدورنا نؤكد على “إن التمسك بحق العودة هو من أولويات مشروع التحرير الوطني.. وإن قيام أبناء (الوطن) وأحرار العالم بالدفاع عن هذا الحق هو التزام و واجب إنساني وحضاري”. وبالتالي على المعارضة السورية أن تعمل جاهدةً على توحيد صفوفها للوصول إلى هذه الإستحقاقات المطلبية والقانونية والإنسانية. وكذلك فعلى المعارضة أن تعمل على رفع الغبن الواقع على مجمل الشعب السوري وخاصةً بعض المكونات التي تعرضت للمظالم والمشاريع العنصرية – أكثر من غيرها – كالشعب الكوردي وبالتالي أن تدعمه “في تأكيده الدائم بتمسكه بأرضه و وطنه، وإرثه الحضاري و هويته” الكوردية وكذلك عليها أن تؤكد “تمسكها بوحدتها في الداخل و الخارج كونها شرط حماية لحقوقها العادلة التي لا تقبل التفريط أو المساومة و لا التجزئة أو الإرجاء”. وإلا فيكون (كل) الكلام عن “التغيير الديمقراطي” في البلد “حبرٌ على ورق” وورق أصفر أيضاً وسيبقى النظام يتلاعب بالجميع ويمدد من عمره.
الفقرة السادسة من إعلان المؤتمرون يقول: “إن تهجير الشعب الفلسطيني تم على يد القوات الصهيونية عبر مخطط اعتمد أساليب الإرهاب والقتل والمجازر مما يشكل جريمة تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية وهو ما تتحمل مسؤوليته أيضاً القوى الدولية التي أيدت و تؤيد المشروع الصهيوني وتقدم له كل أشكال الدعم والحماية”. ونحن نقول كذلك بأن ما أرتكبه النظام السوري من جرائم ومجازر بحق الشعب السوري وعلى الأخص منها بحق الشعب الكوردي يعتبر “جريمة تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية” وهو (أي النظام السوري) يتحمل المسؤولية الكاملة عن تلك الجرائم. أما ما يتعلق بالشق الدولي والمسؤولية فإننا نقول: بأن لم تكن “القوى الدولية” قد وافقت على جرائم النظام تلك فإنها كذلك لم تمنعها للقيام بها وبالتالي فهي أيضاً تتحمل قسماً من تلك المسؤولية كونها قد تقاعست عن القيام بدورها الإنساني الرادع لنظامٍ لا يقل عنصريةً عن النظام العراقي الصدامي البعثي البائد.
وهكذا فإن “هيئة الأمم المتحدة مطالبة بتفعيل حق العودة (السوري) دونما إبطاء، وإن استمرار معاناة اللاجئين شهادة إدانة صارخة للنظام الدولي و دليل على” تقاعسه عن القيام بالدور المنوط به. وبالتالي “على هيئة الأمم المتحدة أن تتحمل مسؤوليتها في تمكين وكالة غوث اللاجئين.. (الأنروا) من الاستمرار في أداء واجباتها في جميع أماكن عملها” وليس فقط بالنسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين. وكذلك فإنه “من حق اللاجئين (السوريين) أن يتمتعوا بالحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية في مختلف أماكن اللجوء لحين عودتهم، وإن من واجب الدول.. التي يقيمون فيها، العمل على تمكينهم من هذه الحقوق ورفع كل أشكال الظلم والمعاناة” والعمل على عودة هؤلاء اللاجئين إلى البلد بأسرع وقتٍ ممكن من خلال الضغط على النظام السوري بالكف عن ملاحقتهم أمنياً وإشاعة الديمقراطية والحريات العامة في البلد للوصول إلى نظام ديمقراطي برلماني تعددي لا يحتكر طرف واحد للسلطة كما هو معمولٌ به في ظل الدستور السوري الحالي والذي يجيز لحزب السلطة (البعث) على أن “يقود الدولة والمجتمع” في ظل قانون الطوارئ والنافذ منذ ما يقارب نصف قرن.
أما الفقرة الثانية عشر من الإعلان المذكور فإنها تؤكد على أن ما “يسمى بيهودية الدولة” ما هو إلا “مخططاً لاستكمال تهجير الفلسطينيين المقيمين بأرضهم المحتلة عام 1948، ومحاولة لإسقاط حق العودة، وتكريس قانون العودة اليهودي باعتباره شرعنة للنموذج العنصري في فلسطين، وإذكاء لمشروع الاستيطان على حساب الشعب الفلسطيني وهويته”. فإننا نتساءل هنا: هل يحق لنا نحن الكورد المقيمين على أرضنا ومنذ آلاف أو قل مئات وعشرات السنين أن نسمي (المشاريع) العنصرية؛ كالحزام العربي والإحصاء الإستثنائي وأخيراً المرسوم رقم (49) العنصري هي بمثابة “عربنة” سوريا و”تكريس قانون” التوطين العربي “باعتباره شرعنة للنموذج العنصري في” غرب كوردستان و”إذكاء لمشروع الاستيطان على حساب الشعب الكوردي وهويته”. أم أن (مشاريعنا) تكتسب الصفة الوطنية؛ كون أنظمتنا هي (أنظمة وطنية) وحسب إدعاءاتها. وهنا لا يبقى لنا إلا أن نثمن نحن أيضاً “صمود” شعبنا “في الداخل و الخارج ومقاومته وتضحياته على مدى السنين والأجيال، رجالاً ونساءً وشيوخاً وأطفالاً وأحراراً وأسرى، في وجه حملات التهجير والتوطين”.
وأخيراً نقول للنظام السوري الذي رعى تلك الفعالية؛ “الملتقى العربي الدولي لحق العودة” كان الأجدر والأولى بكم أن ترعوا مؤتمراً للمصالحة الوطنية السورية وأن تعملوا على عودة اللاجئين السوريون المشردين في ديار الغربة بين المعاناة والحرمان والشوق والحنين إلى البلد، بل كان الأولى بكم أن تخففوا من معاناة شعبنا في الداخل وذلك عبر كف يد الأجهزة الأمنية المخابراتية عن ملاحقة أحرار البلد وفتح الحريات والديمقراطية للتعددية السياسية والحزبية وكذلك التخفيف من حالة البؤس والفقر والحاجة والتي يعاني منها الشعب السوري عامةً والكوردي خاصةً وذلك بـ(فضل مشاريعكم) ومراسيمكم العنصرية و.. بدلاً من أن تفتحوا العزائم والولائم لمرتزقيكم من الأبواق العربوية القومجية العنصرية وعلى حساب لقمة الشعب السوري الجائع. ولكن.. نحن المخطئون؛ فإننا نـ”نفخ في قربة مثقوبة” أصلاً ولا يمكن أن يتحقق المشروع/الحلم الوطني السوري الديمقراطي البرلماني التعددي – والذي ندعو له مع الآخرين – إلا من خلال تغيير النظام وسلوكه معاً وليس من خلال هذا النظام.

هولير – 2008