الرئيسية » مقالات » المالكي بين مطرقة الخطط الامريكية وسندان التحالفات السياسية

المالكي بين مطرقة الخطط الامريكية وسندان التحالفات السياسية

ان مما لا شك فيه ان المراقب السياسي اليقظ يقرأ الاحداث بشكل مترابط مع الواقع السياسي الموجود على الساحة، فالحدث يجري في ظل واقع سياسي، ولعل الاشهر القليلة الماضية شكلت تحولا محوريا في سياسة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي فمن المعروف ان المالكي لا يوجد لديه سند شعبي حقيقي فالرجل يقود حزب منشق على نفسه ولا وجود فعلي له في الساحة، فلو نظرنا بالمنظور الطائفي الذي اديرت به العملية السياسية في العراق فان المالكي زعيم لجناح في حزب شيعي، ومركز قوته الانتخابية هو في المنطقة الجغرافية الشيعية في العراق، هذه المنطقة ولو تقربنا بمنظارنا الواقعي لها نجدها خاضعة فعليا لسيطرة حزبين رئيسيين هما جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر والمجلس الأعلى لعبد العزيز الحكيم، وكما هو معلوم فان المجلس الأعلى يسعى منذ سقوط النظام الصدامي للوصول الى منصب رئيس الوزراء من خلال مرشحه المعروف عادل عبد المهدي هذا الطموح اصطدم برفض مطلق من قبل مقتدى الصدر والذي دعم بقوة الجعفري ثم المالكي والغرض هو ان لا يصل المجلس الأعلى لرئاسة الوزراء، فالجفعري والمالكي لا يشكلان عنصر قلق انتخابي على مقتدى الصدر واتباعه فيما ان المجلس الاعلى وبنفوذه التاريخي في المناطق الشيعية يشكل مصدر قلق عميق لهؤلاء،، ومن نافلة القول فان وصول الجعفري والمالكي تم بقوة انتخابية من قبل مقتدى الصدر،، ورغم ان المالكي ابدى لمقتدى فروض الولاء والطاعة الا انه اضطر ان يغير موقفه بفعل الضغط الامريكي عليه اذ أُكره على مقاتلة جيش المهدي في مناسبات متعددة، مما جعله يبتعد مرحليا عن مقتدى الصدر. ومن الطبيعي ان ننوه على ان المالكي لم يكن ليصل الى سدة الحكم لولا الفيتو الكردي على الجعفري والذي ابعد قسرا عن رئاسة الوزراء، حيث توصل التوافق في حينها الى المالكي بوصفه المرشح المقبول من قبل الكتل السياسية الرئيسية في العراق، وبدون استطراد في طبيعة الحكومة التي يديرها المالكي الا ان هذه الحكومة متكونة من اركان ثلاث، اولا الركن الشيعي والذي عانى من انشقاقات كبير في الائتلاف العراقي الموحد تمثلت في انسحاب جماعة الصدر واتباع الفضيلة مع عدد من انصار جناح الجفعري وعليه فالباقي من هذا الركن هو المجلس الاعلى مع التيار الانشقاقي لحزب الدعوة بقيادة المالكي وفي هذا الركن هناك رغبة عارمة للمجلس الأعلى باقساط المالكي، ثانيا الركن الكردي، ويتميز هذا الركن بتماسك اطرافه المتمثلة برئيس الجمهورية جلال الطالباني ورئيس اقليم كردستان مسعود البرزاني وهناك رغبة معلنة بالتخلص من المالكي لتراجعه عن وعوده للقيادات الكردية في مسائل شتى، والركن السني، ويعاني الركن السني من تشظي في اطرافه الثلاث اذ يستحوذ الحزب الاسلامي على القرار في هذا الركن ويخضع كليا وان على كره تيار عدنان الديلمي لقرارات الحزب الاسلامي فيما يجاهر تيار خلف العليان برفضه لوصاية الحزب الاسلامي، ويدعم على العموم هذا الركن المالكي في مقابل الحصول على مزيد من الامتيازات… وغير بعيد عن الحكومة يقف اياد علاوي بطموحه الجارف للعودة الى سدة الحكم يعضده صالح المطلك في مقابل الحصول على امتيازات ملموسة ويسعى هذا الجناح علاوي ومن معه لاسقاط المالكي وان لم يتم اعلان هذا الهدف على الملء…. وفي ظل هذه التركيبة السياسية المتشعبة والمعقدة بدأ يناطح اركان حكمه فبدا بمقتدى الصدر، ورغم هذه المناطحة الا انه لا يبدو امام مقتدى الصدر خيار اخر سوى دعم المالكي للوقوف بوجه المجلس الأعلى، فيما شكلت المناطحة الحقيقة للمالكي هي في مواجهته للحليف الكردي القوي والمتماسك وقد وصل الامر لحد التصادم العسكري في مناطق من محافظة ديالى المتنازع على اجزاء منها وتمثل أوج التصادم في التحول النوعي للمالكي من قضية كركوك، فلقد اثار المالكي ما كان يعتمر الصدور من رغبات خزنتها الاطراف في صدورها فاثار مشاعر الكرد وعدائهم بسبب موقفه في قضية كركوك فيما ألهب مشاعر العرب والتركمان والذين هللوا لمواقف المالكي الاخيرة من كركوك.. ان من اليسير ان نقول ان استعداء الحليف الكردي يعد بمثابة كتابة وصية لمريض قربت وفاته، فالتحالف الكردستاني بدأ فعليا بخطوات ملموسة لاسقاط المالكي، ورغم النفي الذي اعلن من قبل التحالف الا انه لا توجد نار بدون دخان، وللتحالف الكردستاني قوة سياسية وبرلمانية معتبرة وقادرة على قلب موازين الامور، ولكن السؤال هل يجهل المالكي القوة الانتخابية والبرلمانية والعسكرية للتحالف الكردستاني؟؟؟؟؟ حقيقة الامر ان بعض السذج ومحدثي السياسة يرون ان المالكي قرر تغيير مواقفه لانه اراد ان يقوّم مسيرته، ولكن من يقرأ واقع التحالفات السياسية التي ذكرناها والقوة الانتخابية والبرلمانية لاركان الحكومة لا يمكن ان ينظر بهذه السذاجة، فالمالكي رجل يقرأ الاحداث ويزن الامور ولم يكن ليبادر الى مثل هذه القرارات وهو يعرف بانه لا يملك ركيزة انتخابية حقيقة لولا وجود دعم كبير وحقيقي يقف خلفه ويدعمه في هذه السياسة التي ادت وستؤدي الى تضعضع الائتلاف الحكومي الحاكم وبالتالي تضعضع مركز المالكي، فماذا قامر المالكي؟؟؟ تساؤل اراه امامي ويوميا خصوصا مع التذبذب الذي حصل في موقف المالكي في موضوع الاتفاقية الامنية وقصة تعديلاته التي تبينت فيما بعد ان قيمتها ارخص من قيمة الحبر الذي استخدم لكتابتها في الاتفاقية الامنية بين العراق وامريكا،، ان من الواضح ان ادارة اوباما ستكون امتدادا لادارة بوش ولعل ابقاء وزير الدفاع الامريكي غتيس في منصبه مؤشر قوي على هذا الامتداد، والظاهر ان منظري السياسة الخارجية الامريكية قرروا اجراء تغييرات فعلية على الخريطة السياسية للقوى الفاعلة في الحكومة، فمقتدى الصدر واتباعه يعلمون بان هناك فيتو امريكي قطعي يمنع تولي ايا من اتباعهم لمنصب رئيس الوزراء ولهذا لا بديل لهم عن المالكي للوقوف بوجه طموح المجلس الأعلى، والعرب السنة وكما اسلفنا يسيطر على القرار فيهم الحزب الاسلامي والذي يسهل استرضاءه بمنصبي رئيس الجمهورية ووزير الخارجية،، فيما يقف المجلس الأعلى موقف المغلوب على امره والمضطر الى دعم المالكي للتواجد في موقع القرار وعلى عتبة غير بعيدة تقف قوى المعارضة المتمثلة باياد علاوي والمطلك والذين برغم رغباتهم في اسقاط المالكي الا انهم مستعدين للقبول بجزء من الوليمة وان تخصيص مواقع معتبرة لهم كمنصب رئيس مجلس النواب ووزير الدفاع سيكون بلا شك عامل استرضاء حقيقي لهم….وهنا يبقى التحالف الكردستاني وحيدا في رغبته في اسقاط المالكي،، وهذا هو الهدف،، فالهدف الأمريكي المرحلي على ما يبدو هو التقليل من المكاسب الكردية والتي تزايدت بفعل النفوذ القوي للكرد في الحكومة المركزية،، اذن هناك رغبة أمريكية في تحجيم النفوذ والمكاسب الكردية،، هذه الرغبة لم تأتي من فراغ بل اتت بفعل ضغوط تركية قوية، وللاسف الشديد مازال عدد من الساسة لا يقدرون القوة الحقيقية لتركيا وقدرتها على التأثير في القرار السياسي الأمريكي، فالإستراتيجية الأمريكية لا يمكن لها ان تستغني عن تركيا، لان اهم القواعد العسكرية الموجهة ضد روسيا موجودة في تركيا وان وجود قواعد أمريكية في أي منطقة من العراق لا يشكل بديل عن القواعد الأمريكية في تركيا،، فالقواعد الأمريكية في تركيا وبفعل الموقع الجغرافي المهم لتركيا وطريق التموين والامداد البحري لها يعد ركيزة أساسية للإستراتيجية الأمريكية في مواجهة روسيا، وعليه فان الصوت التركي يجد الآذان الصاغية له في البيت الأمريكي،، ومن هذا الصوت تحديدا بدأ الضغط لتقليل المكاسب الكردية وتحجيم النفوذ الكردي في العراق….ان مما لا شك فيه ان المالكي حسب خطواته بدقه،، ولكن يبقى ان ما يتعذر على المالكي حسابه هو نتائج الانتخابات المقبلة خصوصا لدى الطرف السني والذي سيواجه عواقب منهجيته المصلحية والتي افقدته المساندة الشعبية في الشارع السني، كما ان الصراع بين اتباع الحكيم واتباع الصدر وافتقاد جماعة الفضيلة لمنهجية سياسية واضحة ستفتح الباب امام اللاعب العلماني الشيعي البارز علاوي لان يدلو بدلوه وبطبيعة الحال فان علاوي لن يفوت فرصة التشرذم السني خصوصا وهو سيدخل الساحة السنية معضدا بالمطلك، حقيقة الامر ان المفاجأة الانتخابية هي امرٌ متوقع وقد يتعذر حتى على الادارة الأمريكية حسابه، ورغم الادارة الأمريكية التي عودتنا على حساب كل التفاصيل الدقيقة بدأت فعليا بجهد حقيقي لمحاولة ضرب الصف الكردي حيث حركت وبقوة القوى العشائرية المناهضة للبرزاني والطالباني بقيادة الوزير السابق في عهد صدام ارشد زيباري والذي يقود القوى الكردية المتضررة من سقوط نظام صدام حسين ويستعين بقوة القادة العشائريين في المنطقة الكردية وبطموحات البسطاء الذين يطمحون الى حياة أفضل، ولا يفوتنا ان نذكر الانشقاق الغريب الذي حصل في حزب الطالباني والذي قاده صهره وبدون سابق انذار، ورغم ان هذا الجهد الأمريكي يبدو للوهلة الأولى عقيما في ظل القبضة المحكمة لليرزاني والطالباني الا ان مما لا شك فيه ان الأمريكيين لديهم حساباتهم المعقدة التي قد لا تكون منطقية بالنسبة لنا،، يبقى ان هذه الحسابات في الواقع الكردي يسعى الطالباني والبرزاني لتحجيمها بما يملكانه من قوى سياسية وعشائرية وسيطرة ميدانية على الساحة الكردية… ويبدو ان الخطط الأمريكية في المنطقة الكردية تواجه بمزيد من العقبات الطالبانية-البرزانية وان نجاحها يُعد بعيد المنال على الأقل في المرحلة المنظورة… الا ان تحريك صراع من هذا النوع لا شك انه سيؤثر على القوة الفعلية للتحالف الكردستاني والذي بدل ان يتوحد كعادته في مواجهة خصومه وحلفاءه السياسيين من السنة والشيعه يجد نفسه مضطرا لان يوجه جهده الأساس تجاه مواجهة اعداءه وخصومه الداخليين، واعتقد ان هذا هو الهدف الأمريكي الأولي لهذه الخطة، الا ان الخبرة السياسية المتراكمة للقادة الكرد كالطالباني والبرزاني وساعديهما الايمنيين الخبير السياسي برهم صالح ووزير الخارجية العراقي المحنك هوشيار زيباري قد تفرز مفاجآت غير سارة للمالكي وللأمريكيين معا فاذا ما استطاعوا مواجهة الخطط الأمريكية بشكل سريع هذا معناه تفرغ اللاعب الكردي للمواجهة السياسية المقبلة مع المالكي والخطط الأمريكية الجديدة، وان مهارات اللاعب السياسي الكردي مما لا شك فيه وعامل الخبرة لديه ستشكل فارقا في اللعبة السياسية العراقية،، واذا ما اخذنا عنصر المفاجأة الانتخابية المحتملة في بقية المناطق مع وجود طموح اياد علاوي،، فان هذا في مجمله قد يعكسه اللاعب الكردي كورقة ضغط يعيد بها الامور الى نصابها،، وان من المؤكد ان السياسة الأمريكية المقبلة ستميل الى تغيير الوجوه السياسية الفاعله في العراق للايحاء بان تغييرا ايجابيا حصل ولكن والى ان تحين ساعة الانتخابات ونتائجها لن يكون امامنا وامام المتتبع للاحداث السياسية في العراق سوى الترقب، فلا نتائج نهائية قريبة تلوح في الافق..وقد تتغير موازين اللعبة وحساباتها بين لحظة واخرى، فلا بديل امامنا سوى الترقب والانتظار والأمل ان يكون الرابح هذه المرة هو العراق وشعبه….

*كاتب وخبير قانوني عراقي.