الرئيسية » مقالات » هولوكوست عامودا والقانون الدولي 1-3

هولوكوست عامودا والقانون الدولي 1-3

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الثامنة والأربعون لمحرقة عامودا التي تحولت إلى جرح أبدي ينزف دما وأضحت بمثابة نا قوس أزلي، يناجي الكرد جميعا أفرادا وجماعات،وعلى كافة مشاربهم وتوجهاتهم ليس لليقظة والحذر فقط،بل توحيد الصفوف والكلمة والإرادة للحيلولة دون تكرار مجازر عامودا وقامشلو وسجن الحسكة ونوروز 2008 وغيرها في المستقبل.
تعد جريمة الإبادة الجماعية في أميديا** [ عامودا] الكردية في 13.11.1960 الواقعة في غربي كردستان، حيث تم احراق حوالي 300 تلميذ كردي بصورة متعمدة وبعد تخطيط مسبق من أكثر الصفحات مأساوية ودموية في التاريخ المعاصر لهذا الجزء من وطن الكرد كردستان عامة وهذه المدينة الكردية العريقة التي شهدت الكثير من الأحداث الجسام وقدمت كوكبة من الكتاب والشعراء والمناضلين الكرد بوجه خاص. انها نكبة حقيقية وفاجعة مؤلمة جدا دخلت الذاكرة الجماعية لأحفاد الميديين لتضيف إليها صفحة مأساوية أخرى،مكتوبة بالدم الأحمر القاني لأطفال الكرد الأبرياء،فضلا عن العديد من مثيلاتها منذ جريمة هارباك وخيانته المشؤومة في العام 550 ق م وإلى يومنا هذا.لم تلقِِِ هذه المحرقة الإهتمام الكافي سواء من الحركة الكردية أو من الكتاب والشعراء الكرد لأسباب أكثر من واضحة لدينا،ماعدا بعض المحاولات المتواضعة التي جاءت غالبيتها في السنوات الأخيرة،وبالتالي ليست موضوع بحثنا هذا***. بصرف النظر عن العديد من الأسئلة المطروحة من قبل ثلة من الكتاب والمؤلفين وشهود عيان كرد،نجو من تلك المحرقة والتي ظلت دون أجوبة إلى يومنا هذا،يستحيل التوصل إلى استنتاجات منطقية وموضوعية حول خلفيات وأسباب تدبير تلك الجريمة المروعة ورسم لوحة وان كانت تقريبية في معالمها وخطوطها العريضة،دون الوقوف على الأوضاع السياسية السائدة أنذاك سواء داخل سورية أو على الصعيدين الاقليمي والدولي وعلاقتها المباشرة وغير المباشرة بالأحداث والتطورات التي تفاعلت آنذاك في كردستان الشمالية والجنوبية وتأثيرها على غربي كردستان.وعلى هذا النحو وبالنظر لطبيعة هذه الجريمة التي اتخذت طابعا جماعيا والتي تدخل في نطاق المعاهدة الدولية لعام 1948 حول منع جريمة الجينوسايد والمعاقبة عليها وتكتم الحكومات السورية المتعاقبة على تلك الجريمة البشعة والجرائم الأخرى التي تلتها بحق الشعب الكردي وعلى يد حكومة البعث الديكتاتورية،مما يطرح السؤال المشروع حول المسؤولية الجنائية الدولية للدولة السورية ذاتها.فالجريمة السوداء وبركنيهاالمادي والمعنوي جرت على الأرض الكردية وفي مدينة كردية واستهدفت شعبنا لغاية إبادته وحرمانه من براعم المستقبل ولكن هذا الاقليم من وطن الكرد كان وما زال خاضعا للسيادة السورية،لذا وانطلاقا من المعاهدات والمواثيق الدولية المتعاقدة والنافذة تتحمل الدولة السورية مسؤولية خاصة لايمكن اعفاءها أو التغاضي عنها.سوف لن نكتفي بسرد الأحداث وتحليلها في سياق تاريخي-سياسي وقانوني دولي صرف،بل مقارنة جريمة عامودا التي تجاوزت الإطار المحلي الداخلي مع مجازر وحشية مماثلة تعرضت لهل شعوب أخرى على أيدي النازيين الألمان ابان الحرب العالمية الثانية في مدينتي أورادور الفرنسية وليديتسه الجيكية.وربما يتسائل أحدهم وما علاقة محرقة عامودا بالمجازر الجماعية في تلك المدينتين؟ فالجواب هو نعم عناك علاقة مباشرة وعضوية: أولا- فالإبادة الجماعية في عامودة الوادعة في غربي كردستان والمدينتين المذكورتين لا يجب النظر إليها في السياقين التاريخي أو الجغرافي فحسب،بل كون جرائم الإبادة الجماعية وتصفية شعوب أخرى من منطلق عنصري وعدواني لتوسيع المجال الحيوي لقومية ما على حساب قومية أو مجموعة أثنية أخرى،هي محصلة نظرية نازية أو قومية استعلائية وشوفينية تنظر إلى القوميات الأخرى نظرة دونية وتبرر كافة وسائل الإبادة بواسطة نظريات معادية للجنس البشري،مهما كانت التسميات التي تخفي جوهرها الحقيقي سواء كانت ألمانية أو عربية قومية وعنصرية.فتلك الحركات سواء

2

النازية الألمانية،الفاشية الأيطالية أو البعث العربي تشرب من منبع واحد،وتستوحي منه غذاءها الروحي ألا وهو التوسع أو زيادة
مساحة المجال الحيوي لقومياتها على حساب إبادة وتصفية القوميات أو الأثنيات الأخرى بحجة تفوق العنصر الألماني أو أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة والخ من خزعبلات التفوق العنصري التي أثبتت المعطيات العلمية على هراءها وسخافتها.ثانيا- هروب مجموعة من النازيين الألمان أي مجرمي الحرب الذين ارتكبوا أفظع الجرائم بحق الشعوب التي خضعت لإحتلال القطعان الرمادية المتوحشة،سواء في المدينيتين الآنفتي الذكر أو غيرها من المناطق الواقعة في روسيا،أوربا الشرقية أوالغربية،بعد الحرب العالمية الثانية إلى سورية ومصر،حاملين معهم خبراتهم العسكرية -الاستخباراتية واللوجستية،بما فيها تكتيكات ووسائل الأرض المحروقة المتبعة اثناءعمليات الإبادة الجماعية ونقلوها للأنظمة القومية والشوفينية الحاكمة آنذاك في سورية ومصر ونذكر على سبيل المثال وليس الحصر: 1-كان قائد الإستخبارات الألمانية في الشرق الأوسط فالتر راوف محتجزا في مدينة ريميني الإيطالية حتى 1948 إلى أن تمكن من الهرب عن طريق الفاتيكان إلى سورية ومن هناك التجأ إلى تشيلي وخدم هو شخصيا فضلا عن مجموعة آخرى من النازيين ومجرمي الحرب طغمة بينوتشية بكافة امكانياته وقدراته المكتسبة اثناء الحرب العالمية الثانية.2-حسب معلومات وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية يختفي الخبير في شؤون الشرق الأوسط من الاستخبارات الألمانية Beisner تحت اسم مزورهو Jäger: ومنذ 1952 في القاهرة،حيث استعانت الحكومة المصرية بخبرته العسكرية في تأمين السلاح وتدريب مقاتلي جبهة التحرير الجزائرية في ذلك الوقت.3- لجوء مجموعة خبراء ومهندسين ألمان في مجال الطاقة النووية والتجهيزات العسكرية،حيث عملوا لسنوات طويلة في صفوف الجيش المصري.4-ليس سرا على متابعي أخبار مجرمي الحرب الهاربين من قبضة العدالة الدولية،أن النازي النمساوي والجلاد ألويس برونرمن مقاطعة بورغنلاند والساعد الأيمن للسفاح آدولف آيخمان ،المسؤول عن إبادة أكثر من 24 ألف شخص اثناء الحرب العالمية الثانية،حل ضيفا في العام 1954 على الرئيس المصري جمال عبد الناصر ومفتي القدس السابق وعميل المخابرات الألمانية تحت العمامة أمين الحسيني الذي تواجد هو الأخر آنذاك في مصرولكن برونر لم يحصل على إقامة دائمة هناك وبناء على وساطة وتدخل شخصي من الحسيني انتقل في أواسط الخمسينات إلى دمشق،حيث قدم خدماته لحكومة الوحدة وفيما بعد البعث السوري ولا سيما في مجال تعذيب السجناء السياسيين وإبادتهم وتصفيتهم جسديا وتدبير عمليات إبادة جماعية وتنظيم حرائق وفقا لخبرته الغنية السابقة وكان أخر عنوان له هو:دمشق- المزة شارع جورج حداد رقم 7****.فإذا كان بوسع ألويس برونر مساعدة الاستخبارات العسكرية السورية والإشراف على عملية واسعة النطاق ضد منظمة العمل الشيوعي في أواسط الثمانينات،حيث تعرف عليه عدة شهود عيان في مدينة عامودا،فبإمكانه أيضا نقل خبرته للعنصريين في حكومة الوحدة بتنظيم حريق عامودا وعلى نفس نمط تلك الحرائق والمجازر التي نظمها برونر هو وزملاؤه المجرمين في فرنسا و اليونان أو تشيخيا أثناء الحرب الكونية الثانية.

أ‌- الوضع الداخلي السوري عشية حدوث الجريمة
من المعروف أن اٌلاقليم السوري آنذاك كان جزء من الجمهورية العربية المتحدة التي تشكلت في العام 1958 مع مصر.،حيث كان رئيس المكتب الثاني عبد الحميد السراج الحاكم الفعلي في هذا الجزء واتسم نهج حكومة الوحدة الشوفيني بإشهار العداء للشعب الكردي على كافة الأصعدة،حيث نذكر منها:
– اننا نحكم على موقف حكومة الوحدة من الكرد ليس من خلال مواقف جمال عبد الناصر التكتيكية الصرفة من نضال شعبنا التحرري في جنوب كردستان ولاسيما فتح اذاعة باللغة الكردية في القاهرة،بل تعامل الحاكم الفعلي في سورية عبد الحميد السراج رجل جمال عبد الناصر للمهمات الصعبة في الاقليم السوري و رئيس المكتب الثاني والمعروف بمواقفه الشوفينية العلنية والحاقدة ضد الشعب الكردي.وهل هناك أبلغ دليل على موقف المصريين التكتيكي من كرد كردستان الجنوبية ونضالهم ضد السلطة الملكية حينذاك من اعتراف محمد حسنين هيكل المستشار السياسي لجمال عبد الناصر،حيث تذكر المؤلفة الكردية المصرية القديرة درية عوني هذه الواقعة:أكد لي الاستاذ هيكل في هذا الخصوص:” انه فعلا في البداية اهتممنا بالقضية الكردية نكاية في نوري السعيد،ثم تعرفنا على الأكراد وقيادتهم واصبحت مساندتنا لهم عن قناعة”*****.القسم الأول من هذا الكلام هو الصحيح أما الشطر الثاني فهو من قبيل ذر الرماد في العيون ليس أكثر ولا يستحق حتى تضييع الوقت في التفكيرة به.وإلا سوف نذكر القارئ بالعديد من الأفلام المصرية عندما ينبري أحد الممثلين منزعجا وهو يقول لزميله: أنت مستكردني وإلا إيه؟.وبتعبير آخر كيف نفسر كلام هيكل نفسه عندما قال:أن مصر فعلا زودت العراق بالسلاح والذخيرة على شرط أن يبدأوا المفاوضات مع الأكراد بعد شهر على أكثر تقدير ولكن كان يحاول بكل قواه[ أي جمال عبد الناصر] ان يقنع عبد السلام عارف ثم عبد الرحمن عارف بوجوب حل المشكلة الكردية سلميا”.فالديكتاتور حافظ الأسد أيضا عبر عن “عاطفته الجياشة” مع كرد شمال كردستان ولكنه في الوقت نفسه أقام الحزام العربي الشوفيني في قلب غربي كردستان وأحرق الكرد وهم أحياء في سجن الحسكة. ولم يشذ شاه إيران المقبور في السبعينات عن هذه القاعدة المعروفة لدينا.
– معاداة الشعب الكردي على كافة الأصعدة وممارسة سياسة عنصرية وحصار اقتصادي شامل لخنق الشعب الكردي وتجويعه وحمله على الرحيل.وتجلى تلك السياسة الهمجية في منع تجارة الحبوب على الرغم من أن غرب كردستان كان وما زال عنبر وخزان هائل لإنتاج الحبوب في سورية.
– منع اللغة الكردية وقمع أي مظهر من مظاهر الحياة الثقافية ،بما فيها اصدار قرار بمنع الكرد من الاستماع إلى راديو يريفان باللغة الكردية
– اعتقال قيادة البارتي في آب 1960 والمحكمات الصورية وغير العادلة ضد الوجوه البارزة في الحركة القومية الكردية،تنم عن موقف شوفيني وعنصري ضد الشعب الكردي وما عداها ليست سوى بهلوانات سياسية وتكتكية عابرة تخدم استراتجية معينة ألا وهي إبادة الشعب الكردي بكافة الوسائل.
يتبع
– ———————–
– * د.آلان قادر حقوقي وكاتب كردستاني ،رئيس الجمعية الكردية للدفاع لحقوق الانسان في النمسا- تشرين الثاني 2008
– *** الأسم الحقيقي هو أميديا،آميدي، وهناك أسماء لمدن كردية أخرى تحورت وتشوهت مع مر الزمن مثل: مدينة عمادية أي أميدية أو آميدي وديار بكر أي: آمد، كلها مقتبسة من تسمية الإمبراطورية الميدية[ ميديا] 728- 550 ق.م
– *** حسب المعلومات المتوفرة لدينا،صدر إلى حد الآن كتابان فقط عن تلك المجزرة:1- كتاب الشاعر الكردي القديرأحمدي نامي باللغة الكردية :حريق سينما عامودا حيث ترجم هذا العام إلى العربية.2- كتاب المحامي الكردي وأحد الناجين من المحرقة الأستاذ حسن دريعي: عامودا تحترق. فضلا عن بعص الدراسات والمقالات والقصائد،وهي لا تسموا إلى مقام أولئك الشهداء وضحايا عامودا في سبيل تحرر الكرد وانعتاقهم
– **** انظر دراسة المؤلفان الألمانيان :Michael Mallman/ Martin Cüpers بعنوان:Halbond und Hackenkreuz أي الهلال والصليب المعقوف الصادرة باللغة الألمانية في العام 2006 في مدينة دارمشتادت.
*****راجع كتاب :درية عوني عرب وأكراد خصام أم وئام دار الهلال 1993