الرئيسية » مقالات » التاريخ : شاهد عدل لا شاهد زور !!

التاريخ : شاهد عدل لا شاهد زور !!

التاريخ مصدر الهام لاندفاع الشعوب نحو اثبات الذات واحراز التقدم

هذه حقيقة ثابتة عرفتها المجتمعات الانسانية منذ القدم ، فكما ان للانسان تجاربه وخبراته في الحياة وهي تتوّسع وتتعمّق على امتداد السنين وتزداد قيمة الانسان كلما امتد به الزمن وكلما حفلت به التجارب ، فكذلك المجتمعات أيضا لها خبراتها وتجاربها التي تعّد خزين قوي من أدوات التفكير والحكمة والرؤية لاستحضار الحلول والعلاجات التي تحتاجها في حياتها . واذا كان الانسان – كما يصفه الفيلسوف هيغل – له تجربة منقطعة لأنه صاحب رحلة قصيرة ليأتي غيره من بعده ، فان المجتمع حي لا يموت هكذا بسرعة وعلى امتداد عصر كامل او عصور طوال . وكما جاء في القرآن الكريم : ” وتلك الايام نداولها بين الناس ” . وعليه ، فان لكلّ مجتمع تاريخه الذي يعتز به سواء يحمل ايجابياته وسلبياته ، وليس هناك اي امة من امم الارض تطمح للوصول الى غاياتها وأهدافها المرسومة في التقدم والتطور ان لم تضع التاريخ ركيزة أساسية في صنع اجيالها المتعاقبة ، وسواء كان ذلك التاريخ تاريخها بالذات ام تاريخ العالم كله ، فللتاريخ دوره في تكوين اي جيل قوي .



التاريخ العدل : ارنولد توينبي

هكذا يستوجب من الدولة والمجتمع معا استعادة هذا ” الدور ” في التربية الوطنية ، كي يقف النشىء الجديد بشكل خاص والجيل الجديد بشكل عام على تجارب الاباء والاجداد في مراحل شتى من الازمان . ان ذلك بكل تأكيد ، يّولد الشعور بحالة التواصل ، ويعمل على خلق آصرة حقيقية من سلسلة حياة تاريخية متجدّدة يسمّيها الفيلسوف البريطاني المؤرخ الشهير آرنولد توينبي بـ ” مبدأ الابوة والبنوة ” ، فالابناء من دون تاريخ سوف لن يعرفوا آباءهم واجدادهم ، وبالتالي سوف لن يدركوا طبيعة جذورهم خصوصا اذا ما كانت الامة تمتلك تواريخا مثقلة بالاحداث المهمة .. وان اهميتها تبدو واضحة من خلال استمرارها بأوجه مختلفة تتجدد من زمن الى آخر بحكم استراتيجية المكان او بحكم طبيعة الثروات والخيرات التي يتميز بها ذلك المكان . ولكن أي ” تاريخ ” يريده ارنولد توينبي ، ليس هو المزوّر ، ولا المشّوه ، الذي يبتدعه المتعصبون والمتطرفون الذين لا يعرفون الموضوعية ، ولا الحياد ، ولا نسبية الامور ، ولا فهم طبيعة التحديات .. او انهم قد يعرفون ذلك كله ، ولكنهم ، يزوّرون التاريخ لاغراض تسويق بضاعتهم السياسية او الايديولوجية اليوم .. انهم لا مانع لديهم من بناء جيل كامل على ما يريدون تسويقه من التاريخ .. وهذا ما جرى في بيئات متعددة من حياتنا في العصر الحديث ، اذ ولدت اجيال وهي تحمل ازدواجية في ثقافتها التاريخية او تغدو مضادة لكل ما جرى في التاريخ ، كونها ـ مثلا ـ تتعّلم التاريخ الرسمي بصيغة معينة في المدارس ، ولكنها تجد تاريخا شعبيا مسيطرا عليها من نوع آخر في الاوساط الاجتماعية .



مسؤولية انحرافات التاريخ في تدمير الحاضر

ان استعادة مادة التاريخ من جديد كي تؤدي دورها في تكوين الاجيال الجديدة سيغرس نزعات في النفوس والعقول غاية في الاهمية تدفعها لمقارنة الاحوال بين الامس واليوم ، بل وتوقفها من خلال اوجه التشابه والافتراق على كيفية مواجهة المستقبل . وهذا ما تؤكد عليه الدراسات المعاصرة اليوم في الامم المتقدمة ، بحيث غدت مادة التاريخ من اساسيات التكوين الوطني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي عندما يتربّى الانسان منذ صغره على حب التاريخ وعشق الزمن لا بصفة تقديس للماضي والتشرنق فيه بل من اجل اطلالة عليه لمعرفة نقاط الضعف والقوة .. ناهيكم عن تكوين ثقافة تاريخية موسوعية منذ الصغر يتقبلها بواسطة الصور والالوان والمشاهدات والرسومات لاهم ما تميّزت به الحياة في الماضي واستيعابه منذ الصغر جملة من المعاني والاشياء التي يمكنه من خلالها مواجهة التحديات التي يفرضها عليه المستقبل حتما . وعليه ، فالتوظيف التاريخي من اهم حاجات الاجيال ، ولكن ليس كما يجري اليوم بحيث نرى استخدام التاريخ بعد استدعائة ليكون اداة رهيبة في تفسيخ المجتمع ، والرقص على جراحات الماضي ، او دعوته ليكون شاهد زور على واقعنا المضني .. لقد غدا ” التاريخ ” اداة ضارة بدل ان يكون خزين ذاكرة مشتركة .. لقد غدا معولا هداما للماضي وسكينا حادة لتقطيع الحاضر وتشويه المستقبل .



مأساة ثورة المعلومات في تزوير التاريخ

ان طبيعة التحولات الجذرية التي أصابت العالم كله منذ عشر سنين ومازالت تتفاعل في ظل الانفتاحات الواسعة سواء المعرفية المعلوماتية ام الميدية الاعلامية والتي تسحب اجيالنا اليها سحبا سحريا لتجعلهم جزءا من ثقافة عولمية متنوعة ومختلطة .. لن يجابهها الانسان وليس باستطاعته اداء دوره فيه ان لم تكن لديه ثقافة اصيلة ومعرفة متمكنة وحيادية مجردة .. بتواريخه وعاداته وتقاليده وموروثاته وكل تجاربه التي تمكّنه في حقيقة الامر من مجابهة ذلك المستقبل وما سيبعثه من التحديات القوية والصاعقة على امتداد القرن الواحد والعشرين . ان الزمن كلما يتقّدم الى الامام تزداد اهميته وقيمته في حياة البشرية قاطبة وان الوعي بهذه المسألة من اهم مستلزماتنا في هذا الوجود .. ولما كان التاريخ هو التعريف بالزمن ومضامينه ومحتوياته واشكاله وعناصره .. فان اهميته تكاد تكون مركبة وتزداد تراكيبها مع استمرار الزمن وتواصل الاجيال .



السؤال الان : الى اي مدى يمكن توظيف التاريخ لربط المجتمع بمآثر ماضيه ؟

لعل من ابرز الامور واكثرها اهمية في حياة هذا العصر وفي مثل هذه الايام : معرفة استخدام المعلومات التاريخية الاقرب الى الحقائق كجزء من المعرفة الاساسية من اجل تكوين رؤية مستقبلية لما ستؤول اليه الاوضاع قبل ان تغدو تلك المعرفة وسيلة لمعالجات يحتاجها الواقع ، اي واقع مليىء بالتحديات وهو يسعى في مجال التنمية ويشارك في اطوار هذا العصر المتنوعة في كل المجالات . ان المدى الذي تتمتع به المعرفة التاريخية يشّكل بحد ذاته ذاكرة اساسية في حياة كل من الدولة والمجتمع ، اذ لا يمكن ان يتقّدم اي بلد من بلدان العالم ، او اي مجتمع من مجتمعاته المعاصرة دون التوغل في الجذور سواء ما يخص الهوية الوطنية او الذاكرة الشعبية او الانتماء لتاريخ ناصع يعتمد في بناء قيمته على عنصرين اساسيين : اولاهما ثقل احداثه وقيمة شخوصه وريادة ابطاله وقوة آثاره ودور مؤثراته على الاقليم او المنطقة والعالم . ثانيهما اتساع مداه بحيث كلما كان تاريخ البلاد غارق في قدمه وان اي جيل يكشف عن جذور جديدة للتاريخ في تلك الارض .. فان اتساع المدى يشكل قيمة حضارية مضافة الى المعرفة الوطنية اولا والى المعرفة الانسانية ثانيا .

ان مسألة التاريخ كانت ولم تزل تشغل التفكير الانساني .. وقد طّور العديد من المدارس والمناهج والدرسات في فلسفتها وتقديم بعض من النظريات حولها . وتقوم الاجيال كابرا عن كابر بتطبيق تلك الافكار والرؤى والنظريات على واقع معّين لتنتشله حتما .



السؤال الاخر : ما الكيفية التي تمكّن اي مجتمع ودولة من توظيف التاريخ والافادة منه ؟

ان الكيفية التي نستطيع من خلالها ان نستكشف مثل هذا العالم الزاخر الذي لا يشعر بقيمته الا اثنين فقط ، هما :

اولاهما صانع الاحداث التاريخية في الحرب والسلم واتخاذ القرارات المصيرية وشاغل الناس بقوة حكمه او فاعلية قراره او حركة فعله ناهيكم عمّا يتمتع به من الكاريزما ( = القيادة السحرية ) المؤثرة التي لم تستطع ان تخلق نفسها من فراغ ، فمن دون شك ان اي كاريزما في تاريخ اي منظومة سياسية او اجتماعية وحتى ثقافية لا يمكنها ان تصنع نفسها الا من خلال استيعابها للتاريخ ودروسه سواء في حقل معين او في عدة حقول متنوعة .

ثانيهما كاتب التاريخ ( = المؤرخ ) الذي ان استطاع ان ينجح في فهم مغزى ما يقرأ من خلال تحليلاته وتبيان عوامل صنع التاريخ ومسببّاته واستكشاف نتائجه بل واستنباط استنتاجاته .

ان المؤرخ هو الذي يقّدر ويثّمن دور هذا العالم الخطير من الماضي وكيفية معايشته من اجل الاستفادة منه الى الدرجة التي تسمح للمجتمع ( وحتى الدولة ) من درء مخاطر غير مكتشفة للاخرين . واستطيع القول بأن صانع التاريخ لا يمكن المضي في عمله ووظيفته باتخاذ القرارات من دون قراءة ما يكتبه المؤرخون الذين يتفّننون في أدائهم وقوة اعمالهم التي تميزها طبيعة المنهج المتّبع والذي يتطّلب قدرا كبيرا من العلمية من اجل كتابة تاريخ حيادي وأمين بعيد جدا عن المفذلكات والاكاذيب والتزويرات والتدليس .. لأنها كلها تسّبب جملة من المهالك التي لم تقتصر خطورتها على الحكام بل على المحكومين ايضا .



السؤال الاخر : هل ان تاريخنا تأسيس للفهم أم انه إعادة كتابة؟!

لابد لي من القول ان ما اصطلح على ترديده بـ ” إعادة كتابة التاريخ ” تمثّل مقولة شهيرة شاعت منذ اكثر من عشرين سنة وكانت وما زالت يرددها جمع غفير من الناس ساسة وقادة ونخب وفئات وطلبة ومثقفين .. في أنحاء مختلفة من قسماتنا العربية من دون أي إدراك لمغزاها أبدا ومدى فائدة تلك ” الإعادة ” لكتابة التاريخ أو بالأحرى استنساخه . فهل بالإمكان حقا أن نتحدث عالميا او عربيا او محليا عن ” مشروع ” استراتيجي في تكويناتنا السياسية والحضارية المعاصرة حين نعيد كتابة التاريخ ؟ وهل نجح العرب في القرن العشرين أن يفهموا تاريخهم بكل تنوعه وخصبه فهما حقيقيا ؟ وهل استطاعت المؤسسات الثقافية والجامعية والمجمعية ومراكز البحوث العربية جمعاء وبكل ما اعتنت به أن تنجح في بناء جيل يفهم تاريخه فهما حقيقيا ؟ وماذا حقق العشرات بل المئات من المؤرخين العرب الذين تزدحم بهم مؤسساتنا الاكاديمية والثقافية تلك من عملية إعادة الكتابة .. حتى نطالبهم بفهم التاريخ ؟ أظن أن المشكلة ليست عندهم لوحدهم أو عند مؤسساتهم ، بل تكمن في سياسات وزارات التربية والتعليم والثقافة والاعلام وحتى الداخلية في الدول العربية وادوار الحكومات والمجتمعات معا والتي لم تزل تحتكر جميعها مفاهيمها الخاطئة عن الماضي وعن الزمن وعن التاريخ والتراث .. وعن كل ما يخص جذورنا التاريخية التي اثمرت واقعنا اليوم . وتكمن الخطيئة عند البعض اعتباره ذلك الماضي مهما كان نوعه أشبه بالمقدس الذي لا يمكن أن تشوبه شائبة ، وعليها ان تتمثله من خلال تقليده وتمثيل أدواره ، فتطالب بإسباغ الشرعية والقداسة وكل عوامل الروعة عليه . او ان تعتبره جنازة لابد ان تدفن وتسدل الاستار عن كل ذكرياتها ومنتجاتها .. وفي كلتا الحالتين ، فان العرب هم من ابعد الناس عن الاعتزاز بالذاكرة التاريخية وفهمها واستيعاب الدروس منها ، فهي بمثابة خزين حيوي من التجارب والخبرات والامثلة الحية .