الرئيسية » مقالات » الخيار الإيراني واستحقاقات السلام

الخيار الإيراني واستحقاقات السلام

يبدو أن النظام الإيراني، القابض علي العديد من ملفات التأزيم في المنطقة، واشتغاله علي قضايا الخلاف والاختلاف، يدرك جيداً أن الصراع العربي الإسرائيلي، وما قد يتمخض عن مفاوضات السلام من استحقاقات أو تغيير في بعض المعطيات، يشكل إحدي أكثر قضايا المنطقة تشعباً وإشكالية. بحكم أن القضية الفلسطينية، وعبر تطوراتها وما لحقت بها، قد أفرزت الكثير من التعقيدات، ورسخت بأبعادها المتداخلة والمتشابكة، منظومة سياسية / ثقافية، شكلت جزءاً من ذاكرة الانكسار لدي أكثر من جيل، له صلته بإرهاصات الوضع الفلسطيني وتداعياته، ويحمل في داخله احتقانات النكبات والنكسات، علاوة علي أن ظاهرة التناحر والتصادم بين القوي والأنظمة المتصارعة علي الملف الفلسطيني، قد طرحت إلي الواجهة أجندات واصطفافات.
ساهمت إلي حد كبير، أن تؤسس لمنظومات القمع وتمد في عمر سياسات البطش والتجويع وخنق الحريات، تلك التي اعتمدتها غالبية أنظمة الحكم في المنطقة، التي عزفت بما فيه الكفاية علي الأوتار الحساسة، مما تلهب المشاعر وتثير الحفيظة، وعلي وقع شعارات المواجهة مع إسرائيل من جهة، والمتاجرة بالقضية الفلسطينية والمزاودة علي أصحاب الحق من جهة أخري، انطلاقاً من إلمامها بشكل التعامل مع نبض الشارع، سواء العربي منه أو الإسلامي، والذي يري في التعاطف مع الشعب الفلسطيني تجسيداً للقيم الإنسانية، ويتخطي في دلالته ومضامينه حدود الجغرافيا والانتماء، سواءً أكان إلي الجنس أو اللون أو الدين أو القومية. ويدرك هذا النظام أيضاً، أن مجرد الدخول في وضع لبنات الحل لهذا المسار، لا بد وأن يكون ضمن سياقات أو مشاريع موازية، ستكون لها أوفر الحظوظ في التأثير علي القضايا التي تشد الخناق علي خاصرة المنطقة، وتفكيك التوازنات الإقليمية، القائمة علي أساس المعادلة الفلسطينية، والتي تشكل بمجملها، ركيزة السلطة المطلقة والسياسات التي تراهن علي موازين القوي، ضمن الصراعات الدائرة من لدن المراكز الدولية علي النفوذ والمصالح، وعليه فهو لن يتواني عن وضع العراقيل أمام أي مخرج قد يصب في اتجاهات الحل، وعن فرد عباءته علي كل البؤر ومدها بمزيد من عوامل الاحتقان، بهدف الخلط في الأوراق، وإرباك أي مشروع من شأنه إحداث التغيير أو تصحيح ما هو منكسر بفعل التراكمات، لا بل سيبقي يحاول اللعب وفق مبدأ (الطعن في الظهر) أو (الأخذ بالتلويح ما كان قد أعطي بالتصريح)، حتي تكون القضايا تحت السيطرة، وإلا فإن في استحقاقات عملية السلام واستقرار الوضع الإقليمي، اقتراب المحطة النهائية للمعادلة الإيرانية، ويبقي إيران بمنهجه المتعنت وسياساته الهوجاء وجهاً لوجه أمام خيارات قد لا تحمد عقباها، خاصةً وأن داخله المحتقن والمتفاقم من جراء سياسات القمع والتهميش والإقصاء، بات يشكل حملاً ثقيلاً علي كاهله، وقد يكون هو الذي يفرض نفسه علي السياسة الإيرانية لأن تتقن لعبة التوازنات وتحتمي بأكثر من واجهة، حتي وإن كانت القضية الخلافية المثارة في الأوساط الدولية لم تتعدي بعد مسألة تخصيب اليورانيوم أو مواجهته لخيارات التغيير. فإيران التي مازالت تحتل أراضاً عربية ــ عربستان ــ وتنازع الجوار علي الحدود والموانئ، وتضخ في شرايين النعرات، الطائفية منها والمذهبية، وما فيها من استباحة للدماء وهتك للمحرمات، كما في العراق ولبنان وفلسطين، وإيران التي تحتضن قضايا شعوب ما تزال تعاني القمع والاضطهاد، كالكرد والبلوش والآزريين، وشرعنتها لإرهاب الدولة وملاحقة الخارجين عليها، وإيران التي حشرت بأنفها في أكثر من ساحة ورقعة، من موقع الوصاية أو النيابة، وتحت شعارات مختلفة، هي علي دراية بما تحمل هذه القضايا من تداعيات مستقبلية علي واقعه. وبحكم أنها باتت تعرف من أين يؤكل الكتف، ستبقي تحاول، وعبر إمساكها ببعض خيوط اللعبة في المسار التفاوضي العربي ــ الإسرائيلي، أن تردد بأن مبادئها هي التي تفرض عليها لأن تكون في خندق المناصرين لقضايا المسلمين عامةً والقضية الفلسطينية علي وجه الخصوص، أكثر من ذاك الفلسطيني نفسه، الذي ذاق الويلات وتعرض في سبيل الحرية إلي صنوف من القهر والاضطهاد، وأن انتماءها إلي الخيمة الإسلامية تجعلها في موقع المواجهة للغرب ، لأن مثل هذه التبريرات ستلقي وقعها المقبول من لدن المتلقي، وإن كانت تمارس نفس الطقوس التي تعلن محاربتها. وبحكم أن المبادئ لا تتجزأ وليست لها أن تنحاز إلا إلي حقائقها، يلف الموقف الإيراني الكثير من التشكيك، ويضع البعض أكثر من علامة استفهام حول نواياها ومشاريعها، حتي وإن كانت لا تترك مناسبةً إلا وتعبر من خلالها عن تمسكها بالحقوق الفلسطينية ومعاداته للصهيونية والدولة العبرية، معتبراً أن الدوافع الحقيقية للخيار الإيراني، تكمن في منظومة متكاملة، تهدف التأسيس للحلم الفارسي والوصول به إلي إمبراطوريته بصبغتها الدينية والمذهبية الخاصة بها.
Azzaman International Newspaper – Issue 3162 – Date 1/12/2008

جريدة (الزمان) الدولية – العدد 3162 – التاريخ 1/12/2008