الرئيسية » مقالات » أين الحكومة من كل هذا؟

أين الحكومة من كل هذا؟

الاستغلال البشع ينهش بصحة وعمر عاملات الطابوق الكادحات
والفساد المالي السائد ينهب خزينة الدولة والمجتمع ويملأ جيوب الفاسدين!

حين تابعت برنامج 7 أيام من قناة الحرة التي يقدمها الصحفي الأستاذ علي عبد الأمير عجام بتاريخ 3-/11/2008 وعالج في إحدى الفقرات الوضع الكارثي لعاملات الطابوق في العراق , وحين قرأت تقرير راصد الجيران في موقع الجيران الإلكتروني تحت عنوان “أين المسؤولين والمنظمات النسوية في العراق من معاناة النساء العاملات في معامل الطابوق؟” , عادت بي الذاكرة إلى ما كتبته في الجزء الأول من كتابي الموسوم “لمحات من عراق القرن العشرين” عن فترة الإمبراطورية العباسية وعن الاستغلال البشع الذي كان يترعض له العبيد حينذاك , ثم ما نشأ عن ذلك من ثورة الزنج الشهيرة , التي رافقتها وفي ذات الفترة تقريباً ثورة القرامطة , التي كتب عنها بإنصاف كبير الراحل الأستاذ الدكتور فيصل السامر في كتابه الموسوم “ثورة الزنج”. وقد ورد في كتابي المقطع التالي: “وكانت حصة العبيد من العمل شاقة جدا وفي أكثر الأعمال صعوبة , كما كانت حصتهم من التغذية محدودة جدا ولا تكفي لاستعادة أو تجديد قوة عملهم , وبالتالي كانت أعمارهم قصيرة ويعانون من أمراض كثيرة , وخاصة أولئك الذين كانوا يعملون في شق الترع والطرقات أو في إقامة السدود وحفر قنوات الري وجمع الأملاح”. وكتب أحمد علبي بشأن تغذيتهم يقول: “.. فأن طعام الزَّنج لم يكن ليشبع , فأن أحوالهم المعاشية كانت سيئة للغاية , وكان طعامهم يتألف “من الدقيق والسَّويق والتمر.“ وهناك, كما يقول ابن البيطار, “سويق الحنطة والشعير وسائر الأسوقة … الذي يكثر استعماله من الأسوقة هذان السويقان, اعني سويق الحنطة وسويق الشعير, وهما جميعا ينفخان البطن ويبطئان النزول عن المعدة”. [علبي, أحمد. ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد. الفارابي. بيروت. 1991. ص 108. راجع أيضاً” الدوري, عبد العزيز د. تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري. مصدر سابق. ص 94].
وكان بين هؤلاء العبيد الكثير من النسوة العاملات في الكثير من تلك الأعمال المرهقة , وخاصة جمع الملح.
وضع النسوة العاملات العراقيات في معامل الطابوق الذي عرض على شاشة قناة الحرة لا يختلف من حيث شدة الاستغلال وساعات العمل وبؤس التغذية عن وضع أولئك العبيد , من النساء والرجال , الذين ثاروا ضد أوضاعهم البائسة بقيادة علي بن محمد , رغم أن الفجوة الزمنية بين الحالتين تبلغ مئات من السنين.
جاء في تقرير الراصد ما يلي: ” لا تتجاوز اجرة المرأة العاملة في معامل الطابوق 3 دولارات يوميا وهي تبدأ عملها من الفجر حتى الليل , لا راحة ولا ضمان ولا رعاية ولا مسؤول يسأل عن ألاف النساء التي تقطعت بهن سبل العيش”. موقع الجيران بتاريخ 30/11/2008.
ليس هناك من يعترض على عمل المرأة , بل يطالب به من يناضل من أجل مساواة المرأة بالرجل وأخذ حقوقها كاملة غير منقوصة لكي تكون مستقلة في إرادتها ومواقفها ومصالحها , ولكن السؤال هو : تحت أي ظروف يفترض أن تعمل المرأة؟ وما هي شروط هذا العمل الذي تؤديه؟ وما هو الأجر الذي تتقاضاه لقاء ثماني ساعات عمل مثلاً بدلاً من العمل أكثر من أثنا عشر ساعة لقاء هذا المبلغ الزهيد جداً الذي يفترض أن يسد رمق عائلة كاملة من خمسة أو ستة أشخاص؟
أدرك تماماً الصعوبات التي تواجه منظمات المجتمع المدني المدافعة عن حقوق المرأة , وأدرك تنوع المشكلات التي تواجهها أبتداءً من وجود العدد الهائل من الأرامل والمطلقات اللواتي يعلن عائلاتهن , وكذلك البطالة المنتشرة بين صفوف النساء بشكل خاص , وثم الحرمان والفقر المدقع والفاقة الحقيقية , مروراً بالاختطاف والا غتصاب والقتل لمختلف الأسباب , واستمراراً بالعنف الذي يمارس ضدها ومن أكثر من جهة , وانتهاءً باستغلالهن أبشع صور الاستغلال واستثمار غياب الرقابة الحكومية أو عدم إحساس الحكومة أصلاً بوجود مثل هذه المشكلة ومثل هذه المعاناة في البلاد , فالحكام الذين كانوا حتى الأمس القريب في المعارضة ويتحدثون عن الفقر والاستغلال والجوع , نسوا او تناسوا هذا الواقع المزري وتركوا المرأة عرضة لاستغلال اصحاب معامل الطابوق , كنموذج من نماذج الاستغلال المرير.
أغلب هؤلاء الحكام جاءوا إلى السلطة باسم الفقراء والمحرومين ومن أجل الإنصاف والعدالة , وحين جلسوا في المقاعد الوثيرة للسلطة , نسوا بؤس الناس وفقرهم وكدحهم والاستغلال الذي يتعرضون له , ولم يبق لدى الكثير منهم سوى ملء الجيوب حتى أصبح العراق يحتل الموقع الثاني بعد الصومال بعدم الشفافية والفساد المالي والإداري بين دول العالم ومن مجموع 179 دولة مسجلة في لجنة الشفافية العالمية وفق تقريرالعام 2007.
النسوة العاملات في معامل الطابوق لسن عبيداً , بل هن يمتلكن حريتهن ويبعن قوة عملهن لقاء أجر , ولكن هذا الأجر الذي لا يزيد عن ثلاث دورات باليوم لا يساوي جهد ساعة عمل واحدة في حين هن يعملن يومياً بين 12-14 ساعة, وهن مجبرات على العمل بهذه الشروط الاستغلالية القاسية , إذ بغير ذلك يمتن وأفراد عائلاتهن جوعاً. حين لا يعملن سوف يفقدن الأجر وبالتالي يفقدن قدرة البقاء على قيد الحياة.
ليس كل العاملات في معامل الطابوق ريفيات , بل بينهن نسوة من المدينة وطالبات أجبرن على ترك مقاعد الدراسة والعمل مقابل هذا الأجر الذي لا يرقى إلى مقدار الطعام الذي كان يعطى للعبيد في زمن العباسيين , إذ أنهن لا يستطعن شراء ما يكفي بهذه الدولارات الثلاثة لأشباع الحد الأدنى من حاجات عائلاتهن الكادحة في بلد يعاني من تضخم زاحف ينهش في مستوى الدخل الفعلي للفرد ويضعف القوة الشرائية للدينار العراقي.
أملي أن تنتبه الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية التي تضع نصب عينيها الدفاع عن الفقراء والمعوزين والكادحين إلى هذا الواقع والتفكير بسبل معالجته وتعبئة الناس من أجل الدفاع عن مصالحهم في ظل حكومة لا تزال بعيدة من أن تفكر بمصالح الناس وبالفقراء منهم على نحو أخص.
أملي أن تنتبه النقابات العمالية والمنظمات غير الحكومية لهذا الواقع وتعمل من أجل الدفاع عن حقوق العاملات الكادحات اللواتي يعانين من الاستغلال البشع لأصحاب معامل الطابوق وغيرهم.
أملي أن تنتبه المجموعة النسائية في مجلس النواب العراقي إلى معاناة اختهن المرأة العراقية العاملة والكادحة من استغلال وقهر اقتصادي واجتماعي بشكل خاص.
إن وعي المرأة بحقوقها المشروعة , باعتبارها إنسانة كاملة الحقوق والواجبات كالرجل, سينقلها من حالة إلى أخرى , وسيجعلها قادرة على خوض الكفاح ضد مستغليها وسالبي حقوقها في المجتمع الذكوري العراقي الجاحد بشكل عام لدور المرأة ومهماتها وقدراتها والناكر لحقوقها المشروعة. وعلينا أن نناضل من أجل رفع مستوى هذا الوعي وربطه بالنضال السلمي والديمقراطي اليومي للمرأة في جميع المجالات والمستويات. إنه الطريق الوحيد لتكريس الحقوق ومنع الحكم الذكوري من مصادرتها.

30/11/2008