الرئيسية » مقالات » ليس كل المسلمين إرهابيون , ولكن كل الإرهابيين مسلمون !

ليس كل المسلمين إرهابيون , ولكن كل الإرهابيين مسلمون !

1-2

ما هي أسباب بروز ظاهرة ممارسة الإرهاب بين صفوف المسلمين؟
هذا الشعار الذي رفعته جماعة هندوسية قومية متطرفة في الهند , فهل هي على حق في ذلك , بغض النظر عن النوايا والخلفية التي تكمن وراء طرح مثل هذه الموضوعة من جانب هذه الجماعة القومية المتطرفة؟
كل الدلائل التي تحت تصرف الباحثين والكتاب والصحفيين المستقلين والحياديين في جميع ارجاء العالم , إضافة إلى الرأي العام العالمي تشير , بما لا يقبل الشك , إلى أن هذه المقولة أو الموضوعة صحيحة تماماً , وأن هذه الظاهرة التي اقتصرت على المسلمين بدأت منذ بداية العقد التاسع من القرن العشرين وتواصلت في عقده الأخير وهي لا تزال مستمرة حتى الوقت الحاضر. وهي موضوعة تصف وتعبر عن واقع حال قائم يستطيع الإنسان تتبعه من خلال نشرات الأخبار اليومية والكتب والمجلات والصحف الصادرة في العالم كله خلال العقود الثلاثة الأخيرة. والهندوس القوميون لم يتهموا الإسلام وكل المسلمين بالإرهاب , بل كانوا دقيقين حين شخصوا بصواب أن كل الإرهاب الراهن يأتي من بين صفوف المسلمين , وهناك فارق كبير بين الدين وبين من يحمل هذا الدين وكيف يحمله ويتعامل معه ويعبر عنه في سلوكه اليومي.
والأسئلة التي يفترض أن يطرحها كل إنسان مسلم عاقل على صعيد العالم الإسلامي هي: لِماذا برزت ظاهرة الإرهاب الدموي في أوساط المسلمين من العرب وغير العرب؟ وما هي العوامل الكامنة وراء هذه الظاهرة الدموية؟ وكيف يمكن وضع حدٍ لها؟
يذكر أغلب الباحثين في شئون الإسلام والمسلمين بأن أول بروز لهذه الظاهرة كان في أوائل الثمانينات من القرن الماضي , وأن هذا البروز العملي لم يكن دون مقدمات فكرية وسياسية سبقت الممارسة بعدة عقود , وأن جملة من التراكمات الفكرية والسياسية والأحداث هي التي ساعدت على تحول هذا الكم المتراكم من العملية الفكرية والتثقيفية والسياسية الحكومية والمؤسسات الدينية إلى حالة نوعية أو كيفية جديدة , إلى ممارسات سياسية , حين نشأت بعض الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية. وهو ما سنحاول التطرق إليه بشكل مكثف.
المسألة الأولى التي يفترض تسجيلها في هذا الصدد هي طبيعة مناهج وأساليب التربية والتعليم الدينية التي تمارس منذ عدة عقود في عدد من الدول العربية والإسلامية , ولكن بشكل خاص في كل من السعودية وباكستان وافغانستان ومصر والسودان. فالمملكة العربية السعودية , كدولة تقوم على “أساس ديني” وكمؤسسات دينية , كانت المبادرة إلى نشر الاتجاه الوهابي المتطرف في الإسلام السياسي والمنبثق عن المذهب الحنبلي السلفي المتزمت في كل من السعودية ومصر وباكستان , خاصة منذ أن بدأ تدفق النفط الخام السعودي يصل إلى الأسواق الدولية , إذ معه تساقطت المليارات من الدولارات كزخات مطر مستمرة على رؤوس وفي جيوب الحكام والشيوخ السعوديين. وخلال فترة وجيزة , وبمساعة الأموال السعودية , هيمن الاتجاه الوهابي الديني والسياسي في الإسلام على المناهج والعملية التربوية الدينية في المدارس الحكومية السعودية وفي المساجد عبر أئمتها , وعلى عملية التثقيف العام في المجتمع , وكذلك على أجهزة وأساليب وأدوات الإعلام السعودي , إضافة إلى الهيمنة على الفكر والتربية والتثقيف التي كانت ولا تزال تتم في المدارس الدينية التي أقيمت في الدول الأخرى بأموال الدولة السعودية وشيوخ النفط السعوديين. وعمل القيمون على الأيدولوجية الدينية السلفية الوهابية ذات المضمون السياسي على تكريس ما يلي:
1 . الالتزام بالنص المتوفر ورفض الاجتهاد. وفي هذا الموقف يكمن الجمود الفكري الفعلي والتزمت الشديد ورفض التحرك صوب الأمام وصوب التغيير والتطوير مع حركة الزمن والتغييرات المرتبطة به , إذ ليس بالإمكان , في عرف هؤلاء , الحصول على نصوص أفضل أو تفسير واجتهاد أفضل للنصوص , فالنصوص ملزمة حصراً وكفى المؤمنين شر النقاش!
2 . رفض الاعتراف بالمذاهب الأخرى واعتبارها خارجة عن الدين وعن النص القرآني , وبالتالي فهي منحرفة عن الدين وكافرة وتلحق أذى بالمسلمين ويفترض مكافحتها , وبشكل خاص الموقف من أتباع المذهب الشيعي بمختلف مدارسهنم واتجاهاتهم , باعتبارهم قوى رافضة منحرفة.
3 . اعتبار أتباع جميع الأديان من غير المسلمين كفرة لأنهم لم يتخلوا عن دينهم ولم يلتحقوا بالإسلام , باعتباره آخر الأديان السماوية , أن نزول الدين افسلامي نسخ الأديان الأخرى , وأن محمداً هو خاتم الأنبياء والمرسلين!
4. اعتبار الصراع في العالم يجري بين المسلمين من جهة , والكفار من جهة أخرى (أي أتباع بقية الأديان من يهود ومسيحيين وصابئة مندائيين وبهائيين وسبتيين وهندوس وبوذيين ..الخ , وعلى المسلمين الانتصار في هذا الصراع وبكل السبل المتوفرة. وهذا يعني أن من حق المسلم أن يمارس كل السبل الممكنة لمواجهة رافضي الدخول في الإسلام لأنهم كفرة , وحد الكفرة هو القتل. وهذا الموقف ينطبق من الناحية النظرية على المسلم غير الحنبلي الوهابي أيضاً بالنسبة على اكثر الوهابيين تشدداً وتطرفاً.
5. قاد هذا التوجيه الفكري والتثقيف السياسي الدائم في مدارس السعودية وفي باكستان وافغانستان وكذلك في مصر بواسطة الأموال السعودية وفي غيرها من الدول إلى نشوء جماعات فكرية وسياسية تدعو إلى ممارسة الجهاد السياسي , أي ممارسة القوة والعنف من أجل الوصول إلى الغايات. واعتبار ممارسة العنف ضد الكفار واجب , إذ أنه يدخل في عرفهم المختل ضمن مبدأ الجهاد في الإسلام.
6 . كان هذا النوع من التربية والتثقيف في الفكر الديني السياسي ضد أتباع الديانات والمذاهب الدينية الأخرى ولا يزال يشكل القاعدة الأساسية في المناهج التربوية والتعليمية والدراسية في المملكة السعودية , كما عمل القيمون على هذا النهج بنتشره وغلغلته في مناهج التربية والتعليم في الدول العربية والإسلامية عبر الأموال وشيوخ الدين وفتاوي السعوديين.
ورغم وجود تحالف وتعاون سياسي واقتصادي واسعين جداً والتزام أمريكي في الدفاع عن حكم السعوديين , فأن هذا التعليم لم يتغير من جهة , كما لم تحاول الولايات المتحدة التصدي له , بل كل الدلائل كانت تشير إلى تشجيعها له , وخاصة في أعقاب التدخل العسكري السوفييتي في أفغانستان حيث رعت الولايات المتحدة والسعودية وباكستان وبعض دول الخليج , بعض الجماعات الإسلامية السياسية المتطرفة القادمة من المدارس الحكومية السعودية والمدارس الدينية في باكستان وافغانستان لمحاربة الوجود السوفييتي. ولم يهتم أيديولوجيو وحكام الولايات المتحدة بالبذرة الأساسية في فكر هذه الجماعات الإسلامية السياسية ونزوعها للعنف في تحقيق الغايات وفي كونها ليست ضد الاتحاد السوفييتي ووجوده في أفغانستان و”إلحاد وشيوعية” الدولة السوفييتي حسب , بل هي ضد أتباع بقية الأديان “السماوية وغير السماوية” وضد التقدم الحضاري والإنساني , ضد العلمانية. وفي الآونة الأخيرة بدات بعض الجهات غير الحكومية تتحدث عن طبيعة المناهج العدوانية في التربية والتعليم السعوديين , إلا أن الحكومة لم تحرك ساكناً. كما أن الحديث عن الحوار بين الأديان يرادمنه العلاقة بين الدول وليس حرية الدين في السعودية أو في الدول العربية والإسلامية. وهي مسالة لا بد من تحديدها بوضوح لكي لا يستغفل العالم بالحديث عن حوار الأديان , ولكن يبقى الضهاد الديني في الدول العربية الإسلامية قائماً دون معالجة جدية.
هذا النوع من التثقيف كان موجوداً في المؤسسة الدينية المسيحية أيضاً في فترات سابقة من تاريخ العالم المسيحي , ولكنه تراجع تماماً وأصبح محصوراً في بعض المواقع والمؤسسات الدينية ومقتصراً على الجانب الفكري وبعيداً عن الممارسة العملية , وهو مرفوض من الغالبية العظمى من سكان الدول الغربية , في حين نمت وتطورت هذه النزعة والوجهة في الفكر الإسلامي السلفي المتطرف , وخاصة في دول بعينها. فأغلب شيوخ المساجد ومعلمي ومدرسي المدارس الحكومية والدينية في السعودية وفي الخارج خرجوا من تحت عباءة وجبة المدارس الدينية الإسلامية الوهابية في السعودية وباكستان وافغانستان , وفي بعض المواقع والمؤسسات الدينية السياسية في مصر أيضاً.
لم يقتصر هذا الاتجاه في التثقيف على الاتجاه الوهابي في إطار المذهب الحنبلي حسب , بل وجد ما يماثله في المدرسة الشيعية الخمينية ذات الجذور والنزعات الصفوية التي تميل إلى تصدير الثورة الشيعية إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي واعتبار الأديان والمذاهب الأخرى منحرفة وكافرة بالمحصلة النهائية. وهي تدعو إلى ممارسة الجهاد , الذي لا يعني هنا سوى العنف والقتال من أجل الوصول إلى الأهداف.
كانت المؤسسة الدينية الشيعية في العراق تسير باتجاه أكثر عقلانية من اتجاه المؤسسة الدينية في إيران وأكثر ابتعاداً عن ممارسة السياسة أو العنف والقوة في فرض مواقفها , وخاصة في أعقاب فشل ثورة العشرين. واستمر هذا الاتجاه حتى منتصف الخمسينيات حين بدأت الدعوة الشيعية تتخذ مساراً سياسياً جديداً وحين بدأ العمل لتشكيل حزب سياسي يدافع عن “مصالح الشيعة”!. وتنامى هذا التيار باسم الجماعة الفاطمية في فترة حكم عبد الكريم قاسم , الذي تأسس فيما بعد باسم حزب الدعوة الإسلامية , الذي تفرع وانشطر إلى عدة جماعات إسلامية سياسية متباينة ومتصارعة في ما بينها. ومنذ نهاية الخمسينيات أو في عهد عبد الكريم قاسم بدأ التيار الإسلامي السياسي الشيعي المتحزب يدعو إلى ممارسة القوة والعنف للتغيير , ثم تصاعد هذا الاتجاه بعد وصول الخميني إلى السلطة في إيران. وكانت الدولة الإيرانية , ولا تزال , هي الراعية الفعلية للتيار الشيعي على الصعيد العالمي بمختلف اتجاهاته , وهي المنشطة لتشكيل الخلايا السياسية التي تمارس العنف للوصول إلى الأهداف المنشودة من جانبها. وحين أخذ السيد الراحل محمد باقر الصدر بقاعدة ولاية الفقيه منذ نهاية العقد الثامن وبداية العقد التاسع , أي بعد وصول الخميني إلى السلطة , بدأ العنف يأخذ طريقه بشكل أوسع في صفوف الأحزاب السياسية الشيعية. ولكن المرجعية الشيعية العليا في النجف لم تكن تتدخل كثيراً في السياسة و كما لم تكن تدعو إلى العنف , رغم معارضتها لنظام صدام حسين , بل كانت المؤسسة الدينية السياسية في قم هي الداعية فعلياً إلى ممارسة العنف باعتباره جهاداً في سبيل الإسلام!
وإذا كان نشاط الجماعات الشيعية المتطرفة قد تركز في عدد من الدول العربية (وبشكل خاص في لبنان والعراق , حزب الله في لبنان والعراق , ميليشيات جيش المهدي وغيرها) وفي باكستان وافغانستان حيث يشكل مخاطر جدية على الحياة المدنية والسلام الاجتماعي فيها , فأن الاتجاه الوهابي الحنبلي العنفي كان ولا يزال هو الأنشط والأوسع والأكثر خطورة وتطرفاً وعنفاً في ممارسة الإرهاب. ويقدم نموذج القاعدة وأنصار الإسلام السنة وعشرات الجماعات الأخرى المماثلة بمسميات متباينة , ولكنها في الجوهر الفكري والسياسي والممارسة واحدة لم تتغير.
المسألة الثانية التي لا بد من الإشارة إليها تتجلى في عملية التمويل المالي. كانت التمويل المالي الرئيسي والأساسي للمدارس الدينية والمساجد والأحزاب الإسلامية السياسية في أغلب الدول العربية والإسلامية وفي المدن الأوروبية والولايات المتحدة وغيرها يأتي من موارد النفط الخام السعودية والخليجية , أي كانت حكومات الممكلة السعودية وبعض حكومات دول الخليج , إضافة إلى شيوخ النفط والميسورين في العالم الإسلامي , تقوم بتمويل كل تلك المدارس والمساجد والأحزاب ونشر وتعميم الكتب التربوية والتثقيفية الإسلامية التي تعبر عن تلك النقاط التي أشرنا إليها في أعلاه. وكان هذا التمويل ولا يزال سخياً جداً ويساعد على شمول أعداد غفيرة من طلبة المدارس الدينية والأحاب والكتل افسلامية السياسية خارج السعودية ودول الخليج , حيث تستطيع بها أن تجر إليها الكثير من أبناء الفئات الكادحة والفقيرة وتوظفها في مشاريعها السياسية. وهذه الحالة تمارسها الحكومة الإيرانية على نطاق واسع حقاً بالنسبة للمدارس والجوامع والأحزاب الشيعية في العالم , ولكنها تقدم الدعم للقوى والأحزاب من مذاهب أخرى للوصول إلى غايتين : على جعلها تسير على نهجها السياسي في الشرق الأوسط وعلى الصعيد الدولي أولاً , وكسبها على مواقعها المذهبية قدر الإمكان ثانياً. وهذا ما نجده في قطاع غزة أو في سوريا أو حتى مع قوى معينة غير شيعية في العراق أو في السودان ومصر.
والمسألة الثالثة تبرز في وجود قضايا معلقة تسهم في تنشيط الاتجاهات الفكرية السلفية والانتقامية والعنفية بعيداً عن لغة الحوار وممارسة آليات ديمقراطية لمعالجة المشكلات القائمة. إذ أن التثقيف الإسلامي الذي كان ولا يزال ملتزمة به هو الذي يؤكد قول الشاعر العربي:
السيف أصدق أنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
منها بشكل خاص قضية فلسطين والجولان السوري المحتل ومزارع شبعا اللبنانية واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لها , مشكلة كشمير , والكيل بمكيالين في الموقف من الكثير من القضايات السياسية في العالم , إضافة إلى تفاقم مشكلات الفقر والحرمان والمرض والجهل وتنامي الفجوة بين الأغنياء والفقراء على الصعيد الدولي وفي كل بلد من البلدان العربية والإسلامية. إن الإحباط والشعور بالخذلان والمذلة والتمييز يدفع بالكثير من الناس إلى الالتحاق بالقوى المتطرفة ويدفع بها إلى المشاركة بعمليات الإرهاب. ورغم أن هذا لا يبرر في كل الأحوال ممارسة الإرهاب , إلا أن واقع الحال يشير إلى العلاقة الجدلية بين الفقر وعواقبه المتنوعة على الصعد المحلية وافقليمية والدولية. ومما يزيد في الطيبن بلة هو الحديث عن حقوق الإنسان من جانب الدول الغربية عموماً , ولكنها في الممارسة العملية تقيم أفضل العلاقات السياسية واقتصادية مع النظم التي تدوس على حقوق الإنسان وتمارس شتى العقوبات بحق مواطنيها والتي تتعارض مع لائحة حقوق الإنسان الدولية ومع شرعة حقوق الإنسان. والعلاقات مع السعودية هو النموذج الذي يمكن غيراده في هذا الصدد , ولكنه ليس الوحيد بأي حال.
من هنا يمكننا القول بأن الحكومات في الدول العربية والإسلامية بمجملها وبشكل عام لا تمارس سياسات ديمقراطية وعادلة وإنسانية إزاء شعوبها , سواء أكان في مجال سوء توزيع الدخل القومي وسوء استخدامه أو في التعامل التمييزي إزاء أتباع القوميات والأديان والمذاهب الأخرى غير الإسلامية وغير العربية , أو في مجال مصادرة أو تقريم الحريات الديمقراطية الفردية والجمعية وإشاعة سياسة القمع والاضطهاد والجلد وقطع الرؤوس والأيدي في بعضها , كما في السعودية وإيران … الخ , كلها تساهم في نشوء أجيال تقبل العنف وتمارسه وتريد الانتقام ..الخ , وهي سياسات تسهل التحاق الناس بالقوى التي تمارس الإرهاب والقتل تحت عباءة مهلهلة من الإسلام السياسي المشوه.
30/11/2008 كاظم حبيب
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية.