الرئيسية » مقالات » هل توجد أسباب للخوف من الكيانات العراقية في مجالس المحافظات ؟

هل توجد أسباب للخوف من الكيانات العراقية في مجالس المحافظات ؟

يستند الكيان العراقي على مكونات متعددة تساهم جميعها في بقاءه متوازنا ومجتمعا وقائما ، تشكل هذه المكونات جميعها القاعدة التي يرتكز عليها البناء الاجتماعي ، ولاشك أنها تتشكل بشكل متوازي ومتساوي حتى يمكن أن يستقر المقام ويثبت الحال .

الاستقرار من خلال قاعدة المكونات العراقية يسجله التاريخ العراقي القديم والحديث ، وتسجله وقائع الجغرافية الثابتة ، وتميزه تلك الخلطة التي تشكل عجينة العراق دون أن يطغي لون على لون .

ومن الغريب أن هذا الخليط الجميل الذي يشكل عجينة العراق ، لم يتميز أو يختلف أو يتنافر ضمن عملية بناء العراق ، العراق الدولة والكيان ، والعراق التاريخ والنضال ، والعراق التضحية ومشروعية الحياة والتطلع نحو المستقبل ، والعراق الإنسان .

وحتى لانجافي الحقيقة فقد غبن القانون الأساس حقوق الأيزيدية والمندائية ، فتجاوزهم ولم ينص أو يرد نص على ذكرهم مطلقا ، مع أنهم من مكونات العراق الأساسية ، ومن ابناءه المساهمين في التضحية والنضال السياسي ، ولم يرد ذكر سوى المسيحيين واليهود في القانون الأساس وهم ايضا مساهمين حقيقيين ومهمين في المكون العراقي وفي عملية النضال السياسي في العراق .

ومن يتابع مسيرة الدولة العراقية ويدقق في سياسة السلطات التي تعاقبت على حكم العراق منذ العهد الملكي مرورا بالجمهوري حتى نهاية العهد الجديد ، سيشعر بحجم الظلم والتهميش والأستهانة الذي لحق بالمسيحيين واليهود في الواقع العملي ، اذ لم يكونوا سوى نواب مواطنين أو مواطنين من الدرجة الثانية .

وطيلة تلك الفترات القاحلة من الزمن العراقي المرير كان الواقع غير ما تذكره نصوص الدساتير المؤقتة ، فالعراقيين لم يكونوا متساوين في الحقوق مطلقا ، وبالرغم من هذا الفارق الذي كنا نلمسه ، الا أن تلك المكونات كانت تدفن المها واحساسها بذلك في أملها وتطلعها نحو أفق المستقبل الذي كانت ترسمه الأحزاب الوطنية العراقية أحلاما لجميع العراقيين ، فتنصهر ضمن حركاته السياسية وتعطي لمستقبله وتطلعاته المشروعة .

وحين تبدل الدستور ورفع أسم اليهود منه دون تبرير منطقي ، أورد أقرارا للحق واستجابة للواقع أسم الأيزيدية والمندائية والشبك على أساس أنهم من المكونات الأساسية التي يتشكل منها العراق ، عراق العرب والأكراد والتركمان والكلدان والآشوريين والسريان والأرمن والشبك والكرد الفيلية .

فأذا كانت تلك المكونات تشكل قاعدة للعراق فماهي الخشية منهم في أن تكون لهم مساهمات فعالة وحقيقية في مجالس المحافظات ؟

هل بتنا نخشى عل مدننا من تسلط تلك المكونات العراقية الأصيلة ؟ هل أن مساهمتهم في قيادة مجالس المحافظات ستدفع بهم للسيطرة على العراق ؟ هل أن وجودهم الحقيقي المتناسب مع واقعهم الفعلي في قيادة مجالس المحافظات التي يتواجدون فيها سيجعلهم يسيطرون على مجلس النواب ؟

ماهي الخشية منهم وهم اهل العراق الأصليين وجزء من ترابه وتاريخه ؟

ولماذا لايتم التعامل معهم وفق تضحياته وعدد شهداؤهم المتصدرة للمشهد العراقي ؟ ولماذا لايتم التعامل معهم من خلال الانخراط بالحركات السياسية العراقية المعارضة والكفاح المسلح ضد نظام الطاغية ؟

كيف يمكن أن نفسر تلك النظرة القاصرة لهذه المكونات فنغبنها حقوقها ونمعن في تهميشها ، ونصر على أستمرار الظلم عليها دون وجه حق ودون أن نحاول أن نقتنع بأيجاد التبريرات القانونية أو الدستورية أو الأجتماعية التي يقدمها عضو مجلس النواب ليمنع عن هؤلاء حقوقهم ؟ أو يختزلها بشكل لايمثل الحد الأدنى منها !!

ما ذا سيضر العراق لو كان للمسيحيين في الموصل اربعة مقاعد وللأيزيدية مثلها وللشبك مثلها ايضا ؟ وماذا سيضر البصرة وبغداد لو فتحت قلبها للمندائيين ؟ وكيف سنعالج قضية الكرد الفيليين وحقوقهم الأساسية مستلبة ومواطنتهم مجروحة وقضيتهم مهمشة حتى اليوم ؟

أن الخوف من سيطرة العراقي المسيحي أو الأيزيدي أو المندائي على مجلس المحافظة يجسد حجم الفجيعة التي تقودنا في زمن عسير تسيطر فيه الطائفية والقومية المتعصبة على مفاصلنا المهمة .

أن الخوف من مساهمة المكونات العراقية في قيادة مجالس المحافظات يشكل ردة متخلفة تعيدنا الى أزمان لم تكن الا في الزمن العثماني البغيض ، والغبن الذي لحق بتلك المكونات وهم اهل العراق الأصليين المعجونين بترابه وتأريخه القديم يتشابه مع الغبن الذي لحق بالهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية ، فصاروا أقلية ، وصار المهاجرين اكثرية و صاروا قادة للبلد !!

ولو تمعن السادة النواب والقياديين في نصوص الدستور الذي يتساوى به العراقيين أمام القانون دون تمييز بسبب الدين أو القومية أو المذهب أو اللون أو الجنس ، ولو كان مبدأ المساواة قائما حقا لما احتاجت تلك المكونات لنسب وعدد من الكراسي ، ولكن شطب وإلغاء مبدأ تكافؤ الفرص المكفول للجميع والوارد ضمن المادة 16 من الدستور في هذه المرحلة ، يجعل من قوانين ظالمة تساهم في فرقتنا وظلم إخوتنا وتخلق فجوات وشروخ كبيرة بيننا لسنا بحاجة اليها ، ولاتمثل تطلعاتنا نحو المستقبل باتجاه ترصين وبناء الدولة الفيدرالية – الديمقراطية ، وستساهم في الأضرار بحياتنا في المستقبل .

أن مبدأ اللامركزية الأدارية الذي تنهجه المحافظات يشكل هدفا تنمويا يتطلب مساهمة في قيادة المحافظة من خلال القرارات التي تتعلق بالتنمية والحاجة والمستقبل لمجتمع تلك المحافظات ، وبما يتناسب مع الصلاحيات التي يمنحها المركز لتلك المجالس ، ومن الطبيعي أن لايعرف تلك الحاجة وقرارات التنمية والتخطيط للمستقبل الا أبناء المحافظة أنفسهم ، فكيف يمكن أن نلغي دور المسيحيين والأيزيديين والمندائيين من هذه المساهمة في تلك المحافظات ؟

من يخشى من المسيحيين والمندائيين والأيزيدية لايخشى على العراق !! ومن يتعمد في ظلمهم وغبنهم لايحرص على مستقبل العراق !! ومن يساهم في إنقاص أهمية مساهمتهم واشراكهم الفعلي في الحياة السياسية يدفع الى الاختلال الذي يحصل للعراق في عدم التوازن وحقه المشروع في التطلع نحو المستقبل متخلصا من كل الأمراض التي تحيق به في هذا الزمن .