الرئيسية » مقالات » المناضل ديلي

المناضل ديلي

من الأيام التي لا تنسى ولا زالت عالقة في الذاكرة رغم مضي ما يقارب النصف قرن عليها التشيع الرسمي الكبير لأول شهيد شيوعي في مدينتي القاسم ،شاهدته طفلا ورسخ في مخيلتي لان التعلم في الصغر كالنقش في الحجر لذلك لا زالت شخوصه وإحداثه ماثلة أمامي وكأني أشاهد فلما سينمائيا رغم إن ذاكرتي المنهكة بفعل الأيام لا تحتفظ بشيء من أحداث الحاضر وتتناسى الكثير منها لصعوبة الحياة وتعقيداتها ،وما فرضه العمر المثقل بالكثير من المنغصات والمزعجات .

بعد ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة والمد الثوري الذي رافقها يوم سارت الجماهير العراقية خلف حزبها الشيوعي العراقي المناضل ،صاحب اليد الطولى في الثورة والمحرك الجبار لأحداث التاريخ ،وزخم الحركة الوطنية عندما كانت الأحزاب تعد على أصابع اليد الواحدة فكان الحزب الشيوعي البارز منها بفضل نضال أبناءه الذين هزؤوا بالمستحيل وزرعوا النواتات الأولى للنضال الوطني في العراق فكانت الأحزاب الماثلة والمؤثرة في الشارع العراقي أبان العهد الملكي الشيوعي العراقي والوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال أما الأحزاب الأخرى فهي دكاكين سياسية يديرها هذا أو ذاك من جلاوزة السلطة وعملاء البلاط،فكان أن اخذ الحزب بناصية النضال الوطني واندفعت الملايين تسير خلف لوائه حالمة بالوطن الحر والشعب السعيد وكانت المنظمات الديمقراطية بأكملها تسير خلف الحزب الشيوعي لما يحمل من مصداقية لا زالت رصيده الخالد رغم تغير العهود والأزمان،وكانت البرجوازية الصغيرة والوطنية والمرتبطين بشكل أو آخر بعجلة النظام البائد هم رموز السلطة والعاملين في أجهزتها الإدارية،وبعد القرارات الثورية التي اتخذتها حكومة الثورة بتأثير الحزب الشيوعي وجماهيره الواعية أخذت المساحة الحزبية تتمدد وتتسع وكانت فورة جماهيرية لاهبة اندفع فيها العمال والفلاحين والمثقفين الثورين لمؤازرة ممثلهم الشرعي الذي قاد النضال من اجلهم لعقود مما حدا بالرجعية وبقايا الإقطاع النتن أن يعقدوا حلفهم غير المقدس لواد الثورة والقضاء عليها وإلغاء انجازاتها الثورية في تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية كالقوانين المنصفة للعمال وقانون الأحوال الشخصية وقانون الإصلاح الزراعي وغيرها من القوانين الحاسمة التي جاءت لمصلحة الأكثرية وأضرت بالأقلية التي لا زالت تمتلك وجودها في أجهزة الدولة والمجتمع ولم يجر تطهيرها والقضاء عليها ،فكانت ذيول العهد البائد تدبر المكائد بمساعدة الدول الغربية والإقليمية للقضاء على الثورة الوليدة ،وكان لابد لهم من أضعاف رأس الرمح الوطني الحزب الشيوعي العراقي فانعقد الحلف غير المقدس الذي تجمعت خلفه قوى الظلام فكانت الردة القاتلة التي أنهت أي أمل بعودة العجلة إلى مسارها الصحيح وأدت إلى ولادة الدكتاتوريات المتعاقبة التي فرخت وأينعت ولا زالت ترفع رأسها يوما بعد يوم.

وبعد صدور قانون الإصلاح الزراعي ونزع ملكية الأراضي من كبار الأقطاعين وتوزيعها على الفلاحين وبداية التحرك الرجعي قام أحد الأقطاعين باغتيال الشيوعي الفلاحي (ديلي) الذي أسمته أمه تبركا بالقائد الإنكليزي المهزوم ديلي الذي هرب أمام الإرادة الشعبية في ثورة العشرين الوطنية فقالت الشاعرة:

شارد من أهل الفوس مالك يديلي

جربت يوم الكون حيلك وحيلي

فكان أمل تلك الوالدة أن يكون أبنها كسميه القائد الإنكليزي معروفا كبيرا بين الناس فكان كما أرادت ،وأصبح أبنها من قادة الجمعيات ألفلاحيه والناشطين في العمل السياسي ضمن تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي ولم يكن كسميه جبنا ووقف بوجه الإقطاع عندما حاول الالتفاف على القرارات الشعبية بتوزيع الأرض ،وقام بتحريض الفلاحين على أعطاء المالك الحصة المقررة قانونا ومعاملته كند وليس كمالك وفلاح أو سيد وعبد ،ولخشية الإقطاع من الثورة الجماهيرية وتنمر الفلاحين عليهم ولغرض الالتفاف على القانون بدعم من الإدارة المحلية التي كانت إلى جانب الإقطاع والرجعية وتعمل ضد مصالح الفلاحين فقد حيكت مؤامرة دنيئة شاركت فيها أطراف عديدة من هؤلاء ،وفي ساعة الظهيرة عند عودة المزارعين لمنازلهم كان ديلي يعمل في أرضه فجاءه الإقطاعي محاولا استفزازه ،ومنعه من العمل في الأرض العائدة له فتلاحيا بالكلام ،فانتهز غفلة منه ووجه إليه بندقيته وأطلق عليه النار فارداه قتيلا وفر إلى جهة مجهولة.

في دقائق معدودة وصلت الأخبار إلى منظمة القاسم للحزب الشيوعي فأعلن النفير العام وهبت الجماهير الغاضبة لمواجهة الهجمة الشرسة بما تستحق،ولكن الروح الشيوعية النبيلة حالت دون الهجوم المتوقع وتركت للقانون أن يأخذ مجراه الطبيعي بعد الأوامر الحزبية المشددة بعدم الرضوخ للاستفزاز ومقابلة العمل الجبان بما يستحقه من فعل قد يؤدي بأرواح كثيرة ولزرع القيم النبيلة في الريف بعدم اللجوء للثار فمان أن انسحبت القوة ألفلاحيه المهيأة للرد المسلح،حتى تهيأت الجموع الغفيرة لتشييع شهيدها بما تستحقه الشهادة وما تفرضه روح الفداء والتضحية،فانطلق آلاف الفلاحين لجلب جثمان الشهيد البطل وحمل النعش على الأكتاف من قريته إلى مركز المدينة حيث طاف المشيعون شوارع المدينة وقد رفعت اللافتات المؤبنة للفقيد وقام الفلاحون بترديد الأهازيج الثورية التي جعلت الثعالب الرجعية تضطر للاختفاء عن الأنظار خشية ما لا تحمد عقباه وكان يتقدم المشيعين قيادة الحزب في بابل وممثلي الإتحاد العام للجمعيات ألفلاحيه ويحدو أمام الجموع (محمد سلمان الموجد) وهو يردد بصوته الجهوري (لك الخلود يا شهيد جمعياتنا ألفلاحيه) (الخزي والعار للقتلة والسفاكين) (نطالب بقطع الرؤوس العفنة التي دبرت الجريمة) وكانت لمجاميع ألفلاحيه تردد أهازيجها الثورية التي لم أحفظ منها شيئا ولم أتمكن من الحصول على نصوصها لبعد الزمن وفقدان الكثير ممن كانوا مساهمين في التشييع ،وسارت الجموع من المدينة متوجهين إلى النجف الشرف وعند الوصول إلى مدينة الحلة خرجت الجموع الحلية من عمال وفلاحين وكسبة وطلاب وشبيبة لاستقبال جثمان الشهيد وأنزل نعشه لتتلقفه الأكف ويسير خلفه عشرات الآلاف من المشيعين وهم يرددون الأهازيج الثورية ويمجدون الشهادة والفداء ويهزجون بالأناشيد الشيوعية الثورية،وبعد مسيرة طويلة أعيد النعش إلى السيارة لتنطلق سيارات المشيعين في رتل كان أوله قريبا من ناحية الكفل وأخره على مشارف الحلة ،وفي ناحية الكفل تلقت الجماهير نعش الشهيد البطل لتسير مواكب المشيعين وهي تردد الأناشيد حتى وصلوا إلى خارج المدينة ومن هناك أنطلق الموكب إلى مدينة النجف فتلقته الجماهير بما يليق بشرف الشهادة وكبريائها وطافت الجماهير شوارع النجف ووهي تردد الهتافات والأهازيج الوطنية ،وبعد أن وصلوا إلى مقبرة وادي السلام وري جثمانه الثرى لتنطوي صفحة لامعة من صفحات المجد الشيوعي ،وتختم حياة هذا المناضل بما جعله مع الخالدين ،وصانعي تاريخ الحركة ألفلاحيه في العراق.