الرئيسية » مقالات » هزيمة الرطانة

هزيمة الرطانة

عندما وقع المنتصرون في الحرب العالمية الثانية اتفاق يالطا المشهور ارتفعت في كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا اصوات، كل واحدة من زاويتها “الوطنية” تطعن بوطنية زعمائها الذين بصموا الاتفاق،وتتهمهم بالخيانة، لكن واحدا منهم، هو رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرتشل، تجرأ على ان يعترف، بعد سنوات، انه وقع بيده ما لم يكن مقتنعا به، لكن لم يكن له بد من التوقيع “لأن عدم التوقيع آنذاك بدا لي يشبه الهلوسة” ومعروف ان الاتفاقية التي نظمت حقوق و”مغانم” المنتصرين ووضعت اساسا للحرب الباردة، مهدت الى وجود قواعد عسكرية امريكية “طويلة” الامد في بريطانيا وفي كثير من الدول الاوربية، حتى اليابان.

وإذ لا يمكن تشبيه اتفاق يالطا بالاتفاقية الامنية العراقية(الزمن. الاهداف. توازن القوى. طبيعة المصالح) إلا في حالة كونهما اطارا لترتيب اوضاع ما بعد الحرب في التزامات محددة، غير ان الباحث في ردود الافعال يجد تشابها كبيرا في “الجملة الاعتراضية” التي اطلقها معارضو الاتفاقيتين، وتقوم، بعبارة واحدة، على ازدراء فكرة التوافق بين الدول عند حدود معينة من المصالح المشتركة، في ظروف تتسم بالحراجة، لا بديل عنها إلا الفوضى، وليس من دون مغزى ان يتكرر(الآن) ما كان يتردد بعد ستين سنة من توقيع اتفاق يالطا القول انه “لا تعنينا تفاصيل الاتفاق بل النيات” وهو اعتراض قد يصلح على اتفاق يالطا والاتفاقية الامنية العراقية الامريكية وجميع الاتفاقات والعهود الدولية بما فيها ميثاق الامم المتحدة، وبالنتيجة، حسب هذا المنطق،فان العالم لا يحتاج الى معاهدات واتفاقات طالما ثمة طعون في نيات الموقعين عليها.

مقابل ذلك، فان حقائق التاريخ المعاصر للعلاقات الدولية، قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، سجلت الكثير من الحالات التي مزقت فيها الاتفاقات والمواثيق بين الدول، وثمة الكثير من التطورات التي اسفرت عن تنصل دول عما وقعت عليه، لكن كل ذلك جرى ويجري على خلفية اشتباك مصالح، او حالات حروب او تغييرات في النظم السياسية (لنتذكر انهيار المنظومة الاشتراكية) بل ان عواصف عاتية القت بدول كبرى(وليس مواثيق فقط) الى قارعة الطريق، ما يرسخ مفهوما صحيحا في علم السياسة بان الاتفاقات بين الدول(وحتى حدود وسيادات الدول) ليست مقدسة في هذا العصر، كما لم تكن مقدسة في الماضي، وان مفتاح ضبط العلاقات الدولية هو التوافق في عهودِ يجري احترامها من قبل موقعيها.

وطوال اشهر من المناقشات(الحامية) لجهة توقيع الاتفاقية العراقية الامريكية كان المعارضون قد توزعوا على طائفة من الاسباب، لكن سرعان ما اختزلت الاسباب الى طائفة من الشعارات التي تخندقت في التخوين وسوء النيات، وانتهت الى رطانة عن مستقبل العراق الافضل من غير اتفاقية تقضي بجدولة انسحاب القوات الامريكية، ولا ضرورة لترسيم التزامات الطرفين حيال قضايا الامن والاقتصاد.. وتحملنا الرطانة الى خرافة الاتكال على الصدف، والتواكل على صبيان يتظاهرون ضد اتفاقية لم يقرأوا نصوصها.
ـــــــــــــــ
.. وكلام مفيد
ـــــــــــــــ

” في الظلام تتساوى الالوان”.

حكيم اعمى