الرئيسية » مقالات » وثيقة الإصلاحات السياسية والمصلحة الوطنية

وثيقة الإصلاحات السياسية والمصلحة الوطنية

تضمنت وثيقة الإصلاحات السياسية التي قدمتها بعض الكتل السياسية بإدارة نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، مطالب وطنية عامة مهمة منها: تفعيل قانون العفو العام، والعمل على إعادة المهجرين إلى العراق، وضرورة إعادة مناقشة الدستور، وضمان نزاهة الانتخابات، ودمج عناصر الصحوات في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، وإعادة بناء القوات المسلحة على أسس مهنية غير سياسية. كذلك تضمنت مطلبين جوهرهما إعادة الاعتبار إلى أعضاء حزب البعث عبر تحويل إجراءات اجتثاث البعث إلى عملية قضائية وإيقاف ملاحقة التيارات السياسية. وكان بينها مطلب وحيد له المساس المباشر في قضية حث مجلس النواب للموافقة على الاتفاق بين جمهورية العراق و الولايات المتحدة الأميركية بشأن انسحاب قوات الولايات المتحدة من العراق وتنظيم أنشطتها خلال وجودها المؤقت فيه. وهو مطلب عرض الاتفاقية على الاستفتاء الشعبي. و بذلك تعمدت هذه الكتل ربط تحقيق مصالحها الفئوية وهي على أبواب الانتخابات المحلية، مع قضية هي من أهم القضايا التي شغلت الرأي العام العراقي والإقليمي تحديدا، قضية الاتفاقية العراقية الأمريكية.

إن الإيمان بالممارسة الديمقراطية السليمة تمنح هذه الكتلة أو تلك حق عرض مطالبها والسعي لتحقيقها عبر السلطات التنفيذية والتشريعية، ولكن الذي جرى عشية طرح موافقة مجلس النواب على تلك الاتفاقية، يوم الخميس 27/11/2008، يؤشر بدلالات قاطعة أن هذه الكتل السياسية أكدت أنها بعيدة عن الهم الوطني العام، ولن تتردد باقتناص أي منعطف سياسي هام واغتنامه لتمرير أهدافها الخاصة.

لقد كان بإمكان تلك الكتل في فترة الصراع التفاوضي، رفع سقف المطالب الوطنية المشتركة لتشذيب الاتفاقية العراقية الأمريكية من الصياغات العائمة وتضمينها مطالب عراقية تفرض على الولايات المتحدة التزامات عديدة أخرى تعوض بعضا مما لحق بالبلد جراء عملية الغزو والاحتلال، وضمانة طرف ثالث لتنفيذ بنود الاتفاقية وعند وقوع خلاف حول تطبيق بنودها، ولكن تلك الكتل، وهذا ما كان متوقعا منها، جعلت الهم الوطني العام متراسا لطموحاتها الذاتية، ولجأت إلى ضغوطات وأساليب مساومة مع الكتل الأخرى، في الوقت الذي لم تترد الكتل المتحمسة للتوقيع على الاتفاقية والتي لها أيضا حساباتها وتوجساتها الخاصة،عن مثل تلك الممارسات.

إن مبعث التشكك من الحرص الوطني العام يأتي من توقيت طرح تلك الوثيقة والظرف السياسي المعقد الذي مر به البلد، ولذلك فان تفاصيل مجريات الأيام العاصفة التي سبقت موافقة مجلس النواب على الاتفاقية العراقية الأمريكية، جديرة بالتدقيق والتمعن في عبرها التي من بينها عدم الركون إلى التكوينات الطائفية والاثنية في المضي لبناء العراق الديمقراطي الفيدرالي المنشود .

ولن يكون كلاما مكررا ومملا، التأكيد أن كتلا سياسية بهكذا برامج وسلوك يصعب المراهنة عليها في التصدي لملفات مهمة جدا ومن أهمها ملف تعديل الدستور وتخليصه مما علق فيه من شوائب عديدة. فهل سيكون للناخب العراقي في جولة انتخابات مجالس وأقضية المحافظات القادمة رأي آخر بتلك الكتل ، أم سيمنح صوته إليها مرة ثانية، وسيتحمل هو المسؤولية حقا في إيصالها إلى سدة الحكم والتشريع؟ وعندها سيظل هذا المواطن يتلقى منها الوعود فقط بتحقيق مجتمع العدالة و الرفاهية ولن تعوضه عقودا من الحرمان والاستبداد.

لقد كان المطلب الوطني العام الذي حملته وثيقة الاصلاحات السياسية مطلب عرض الاتفاقية على الاستفتاء الشعبي مطلبا وطنيا مهما، وقد حظي بالموافقة في مجلس النواب ، ولكن هذا المطلب افرغ من محتواه حيث سيتم تحقيقه بعد مدة ثمانية أشهر، وعندها تكون بنود الاتفاقية قد وضعت موضع التطبيق بل و قـُطع شوط في تطبيقها، وليس أدل من فهم وزير خارجية الولايات المتحدة كونداليزا رايس لتنفيذ هذا المطلب عقب إقرار مجلس النواب للاتفاقية بقولها: “بحسب فهمي فان مثل هذا الاستفتاء سيكون بالطبع وفقا لقانون جديد سيصدر لتنظيم الاستفتاء، ولكن في كل الأحوال فانه لن يؤخر تطبيق اتفاقية وضع القوات الأمريكية اعتبارا من بداية العام القادم”..

إن السيدة كوندي قالتها بوضوح : وقـّعْ و رُحْ استفتِ!