الرئيسية » مقالات » مقابلة جريدة هآرتس مع أناركي إسرائيلي أوري غوردون

مقابلة جريدة هآرتس مع أناركي إسرائيلي أوري غوردون

مؤلف كتاب “الأناركية حية !” يقول أن الانهيار الاقتصادي علامة على أن الرأسمالية قد بلغت حدودها القصوى و يشرح لماذا لن يصوت أو يخدم في أي جيش .

لم يظهر على التلفون أن أوري غوردون كان يشعر بالانتصار لكن بالنسبة لأناركي مثله فإن التطورات الاقتصادية المزلزلة للأسابيع الستة الأخيرة لا بد أنها منحته بعض الرضا . ففي نهاية الأمر يثق الأناركيين المعاصرين من خطأ النظام الرأسمالي المعاصر مع اتجاهه الحتمي نحو تركيز أكبر للثروة العالمية في أيدي قلة تتناقص باستمرار . معظمهم يرى أيضا الحاجة لتغيير جذري في علاقة الإنسانية بالبيئة , و هو إدراك جرى تبنيه في معظم الغرب في الأشهر الماضية عندما أصبحت آثار استنزاف النفط و التغير المناخي محسوسة .
غوردون البالغ من العمر 32 هو مؤلف لكتاب “الأناركية حية ! : السياسات اللا سلطوية من الممارسة إلى النظرية” ( مطبعة بلوتو , 183 صفحة , 16 جنيه استرليني ) و هو تحليل رفيع للأناركية المعاصرة . غوردون الذي نشأ في حيفا حصل على درجة الدكتوراه في النظرية السياسية من جامعة أوكسفورد عام 2005 و قد استفاد من أطروحته كأساس للكتاب . لكن كما يشرح في مقدمة الكتاب فإنه قد وصل إلى المملكة المتحدة في نهاية عام 2000 بعد أن بدأت الحركة المناهضة للعولمة تجتذب عشرات الآلاف إلى مظاهراتها , و بفترة قصيرة قبل المظاهرات الضخمة في أوروبا ضد غزو الحلفاء الوشيك للعراق . سرعان ما وجد نفسه يقضي نفس الوقت على المتاريس مثل ذاك الذي كان يقضيه في المكتبة . لقد حل النزاع الظاهر كما كتب عندما أدرك أنه “يمكنه أن يؤول بسهولة نشاطه على أنه في العمل الميداني , و أن يدفع عمله الأكاديمي بالفعل وفقا لحاجات الناشط” .
يتعامل كتاب “الأناركية حية !” مع معظم الأسئلة الكبرى التي قد يحملها القراء محبو الإطلاع عن الحركة : علاقتها بالأناركية الثورية العنيفة في أوائل القرن العشرين , و آراء الأناركيين المعاصرين عن العنف , موقف الأناركيين من التكنولوجيا و القضايا البيئية , و لماذا أن الكثير جدا من المحتجين على جدار الفصل بين إسرائيل و الضفة الغربية يتضح أنهم أناركيون – و هو جزء من النقاش العام حول الأناركية و القضية الفلسطينية – الإسرائيلية . يصف غوردون المفهوم الكامل للأناركيين عن “الفعل الاستباقي” الذي يعني بأبسط العبارات أنهم لا ينتظرون الثورة لكي يبدؤوا العيش حسب معتقداتهم . و حيث أن الحاجة للا مركزة كل جوانب الحياة هي عقيدة أخرى رئيسية للحركة فإنها تجد تفسيرها الأكمل في أن الكثيرمن الأناركيين يعيشون في مجتمعات صغيرة , ويحاولون تحقيق مستوى معينا من التحمل . غوردون مثلا يسكن في كيبوتس لوتان أعلى الطريق من كيتورا حيث يدرس السياسة و الأخلاق في معهد أرافا للدراسات البيئية .

كيف صادف أن أصبحت أناركيا ؟

نشأت في عائلة يسارية رغم أن والدي لم يكونا ناشطين سياسيا . أديت خدمتي العسكرية في إذاعة الجيش و عملت مراسلا في الضفة الغربية أثناء عامي 1996 – 1997 مغطيا إعادة انتشار القوات من المدن . أصبحت مهتما بالقضايا البيئية بعد تسريحي , عندها التقطت كتاب “أرضنا الغاضبة” الذي كتبه اسحق أزيموف و فريدريك بوهل . ساعدني الكتاب على إدراك أن هذه ستكون القضية الأساسية للقرن القادم . بدأت دراسة السياسة و الاقتصاد في جامعة تل أبيب متطلعا إلى القضايا البيئية من منظور فلسفي و اقتصادي , و بدأت أشترك في مجموعات مثل الفعل الأخضر و في النضال ضد الطرق العامة العابرة لإسرائيل . أصبح واضحا لي أن استغلال البشر للطبيعة يرتبط بشكل وثيق باستغلال البشر للبشر .

كيف تلخص المبادئ الأساسية للمعتقدات الأناركية ؟

إننا نعترض على مركزة السلطة , على البنى الهرمية للمجتمع و على مؤسسة الدولة . إننا نعارض الرأسمالية و الطبقات الاجتماعية , و نظام المدارس المصمم لإنتاج عمال و مواطنين مطيعين , و معظم أشكال الدين المنظم . إننا نؤمن بالأشكال الأفقية للتنظيم , و بالاتحاد الطوعي و المساعدة المتبادلة , و نعتقد أن القرارات يجب أن تتخذ على أصغر مستوى ممكن و أكثره محلية .

هل يعني هذا أنك لن تصوت في الانتخابات القادمة في إسرائيل , أو أنك لن تخدم في أي جيش اليوم ؟

من المحتمل أنني لن أصوت . من حيث المبدأ لا أرغب بالتوقيع على قبولي بأن أحكم , أو خضوعي لنظام نختار بواسطته من سيحكمنا بقسوة . تعطي الانتخابات الناس وهم المشاركة الديمقراطية , لكن كما قالت الأناركية اليهودية المعروفة إيما غولدمان : إذا غير الانتخاب أي شيء فإنهم سيجعلونه غير قانوني . و لا , لن أخدم في أي جيش لأي دولة . لو كان كل فرد أناركيا لن تكون هناك أي جيوش و لن تكون هناك حروب .

يبدو أنك تتجاهل الخصائص الأساسية للطبيعة الإنسانية . عندما تمنح حق الاختيار , يبدو أن المجتمعات – حتى الكيبوتس – تفضل الرأسمالية , التي تقوم على اللا مساواة كما قد تكون . و يبدو أن البشر عدوانيون بالطبيعة , أليس كذلك ؟

لا أتفق معك . لو سألت الناس , فيم إذا كانوا يريدون أخذ الأوامر أو أن يفعلوا الأمور لوحدهم , أن يتنافسوا أو يتعاونوا – أعتقد لو أنه كان لديهم الخيار ليفكروا في هذا بدلا عن أن يجري تلقينهم من مجتمع يقوم على المنافسة و التراتبية الهرمية , فإنهم سيختارون التعاون . يقول الأناركيون أن أشكالهم للتنظيم غير جديدة . إن معظم العلاقات البشرية أفقية و تعاونية بشكل طبيعي . هناك فرق بين النظام و بين التراتبية الهرمية . الأناركية هي أيضا شكل من النظام , لكنها تقوم على الاتفاق عوضا عن الأوامر . على القواعد المتفق عليها عوضا عن القوانين المفروضة التي تحمي أصحاب الامتيازات من الأكثرية .

لكن فقط انظر إلى الطريقة التي يتصرف بها الناس في إسرائيل , يقودون سياراتهم – و يوقفونها – و كأنه لا يوجد أي شخص آخر في الشوارع ؟

يتصرف الناس بالطريقة التي يفعلون بسبب ثقافتهم و توقعاتهم المتبادلة . من غير المفاجئ أنه في ثقافة تعلمنا أن نتنافس مع بعضنا البعض و إما أن نأمر أو نطيع , فإنك تجد الناس يحاولون أن يشقوا طريقهم بالقوة و أن يفعلوا أي شيء بمقدورهم لصالحهم الخاص . تدعو الأناركية إلى ثورة في الوعي و الثقافة , ثقافة ستطلق العنان للغرائز الإنسانية الاجتماعية , باتجاه المساعدة المتبادلة .

كل هذا يبدو جيدا , لكن ماذا لو كان كل واحد أناركيا بالفعل ؟ هل سيكون لدينا مؤسسات مثل المستشفيات الجامعات , أو حتى خطوط الطيران ؟

الاقتصاديات الممركزة أو المركزية ليست الطريقة الوحيدة لتنظيم الإنتاج و الخدمات . في نظام أناركي فإن أي شكل من النشاط الإنتاجي سيملك و يدار مباشرة من قبل العمال , عوضا عن السادة أو المدراء الخاصين أو الدولة . سيكون الإنتاج من أجل الحاجة , لا الربح . ستقوم مؤسسات عمالية مختلفة بالتعاون فيما بينها لتضطلع بأية مهام كبرى . الفكرة الأساسية هي أنك إذا تركت الناس لوحدهم , فإنهم سيتنظمون بشكل جيد , و أن الأشكال المركزية للتنظيم من الأعلى إلى الأسفل هي في مكانها لتحافظ على الأنظمة القائمة للامتيازات و الهيمنة , و ليس لكي يتم إنجاز الأشياء .
انظر إلى كاتالونيا أثناء المراحل الأعلى من الثورة الإسبانية عام 1936 . كان هناك نظاما أناركيا جيد التنظيم . امتلك الفلاحون الأرض , سير عمال الترام عرباتهم , و سار كل شيء على ما يرام – جرى هذا وسط حرب أهلية . كانت فكرة الكيبوتسات ( التعاونيات ) أناركية أصلا حتى لو لم تدعو نفسها كذلك . في دغانيا قال المؤسسون أنهم يحاولون خلق مجتمع دون مستغٍلين أو مستغًلين . إننا نريد الديمقراطية المباشرة , من كل حسب قدرته و لكل حسب حاجته .

تقول أنك لن تخدم في الجيش اليوم . لكن ماذا لو قال كل إسرائيلي ذلك – من المؤكد أنك لا تنكر أن لإسرائيل مخاوف دفاعية حقيقية ؟

إنني أعتقد أن الاحتلال يخلق الإرهاب و ليس العكس . لو كان عند كل الإسرائيليين الوعي السياسي ليرفضوا الذهاب إلى الخدمة العسكرية لوصلنا بالفعل إلى وضع ثوري . هذا سيعني أنهم سيضعون جانبا مخاوفهم الاصطناعية المختلقة و سينهضوا ضد مستغليهم .عموما رغم أنه عندما يناقش الناس السياسة فإنهم يضعون أنفسهم مكان السياسي , تصور ما الذي يمكنهم أن يفعلوه . لكن أشخاص مثلك و مثلي لا يسألون عما نعتقد ما الذي على الدولة أن تفعله . مهما كانت الاتفاقات التي ستنتهي النخب السياسية إلى توقيعها فإنها لن تكون نهاية الصراع . إنها فقط بداية عملية السلام . ما يهم في هذه المرحلة هو بناء علاقات التعاون و التضامن بين الشعبين , أن يكون لدينا حركات قاعدية تسعى لتظهر و تعبر بأفعالها و حياتها أن شرق أوسط مختلف ممكن . لا يجب أن تكون أناركيا لتوافق على أنه يمكن تحقيق السلام من خلال العلاقات اليومية . لذلك عندما نذهب أنا و أصدقائي إلى قرى الفلسطينيين التي يتم الاستيلاء على أراضيها لبناء جدار الفصل , فإننا نظهر بأجسادنا أن شيئا ما أقوى من التهديد المستمر الذي يمارسه الطرفين على كل أقسام الطيف السياسي . نظهر أنه لدينا قيم تتجاوز كل أشكال الفصل .

هل ترى الانهيار الاقتصادي كإثبات لأفكارك ؟

أعتقد أن الأزمة المالية العالمية هي مؤشر قوي بالتأكيد على أن الرأسمالية تبلغ حدودها القصوى و لذلك فإني مقتنع بأن الجهود المختلفة “لشراء الوقت” بهذا المعنى لن تتمكن من تجاوزها . من جهة إننا نقترب من حدود كوكب محدود الموارد نعيش عليه – المصادر التي نستخرجها , و التلوث الذي نبعثه – و من جهة أخرى نظام رأسمالي يقوم على المضاربة بالديون المستقبلية غير قادر على الاستمرار بعد اليوم . المخرج ليس بأن تقوم الحكومات بإنقاذ البنوك بل بأن يقوم الناس بخلق بنى قاعدية مكتفية ذاتيا و التي ستسمح لهم بأن يفصلوا أنفسهم عن كل من الرأسمالية و الدولة .

إننا نتحدث قبل الانتخابات الأمريكية مباشرة , لكن يخيل إلي أنك ربما لا تكترث لمن سيفوز ؟

في الواقع أريد أن يفوز أوباما لأنني آمل أنه عندما يحطم قلوب الجميع عندها سيستيقظ الناس على حقيقة أنه لا يهم فيم إذا كانت هناك دمية زرقاء أو حمراء بيد الرأسمالية . في نفس الوقت على المدى القريب كان لدينا 8 سنوات من إدارة يمينية جدا في واشنطن جرت العالم بأكمله إلى وضع سيء جدا و مجرد التخلص منها سيحدث فرقا في حياة الكثير من الأمريكيين و الكثير من العراقيين , و أرجو أيضا الفلسطينيين و الإسرائيليين .


ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن www/.haaretz.com/hasen/spages/1040507.htm 
 24 – 11 – 2008