الرئيسية » المرأة والأسرة » تعديل قانون الأحوال المدنية في كوردستان خطوة نحو تحرر المرأة

تعديل قانون الأحوال المدنية في كوردستان خطوة نحو تحرر المرأة

عقد المجلس الوطني الكوردستاني (البرلمان) يوم 13/11/2008 جلسة لمناقشة مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية المرقم (188) لسنة (1959). المعروف عند غالبية المواطنين في العراق و كوردستان، أن هذا القانون يحدد العلاقة الزوجية بين الزوج و الزوجة وكذلك حقوق الزوجة في حالة الطلاق. إن هذا القانون قد مضى عليه نصف قرن دون إجراء أي تعديلات عليه. من جهة أخرى نرى أن المرأة في دول العالم المتحضر و في مسيرة حياتها خلال هذه العقود التي مضت، حصلت على جانب كبير من حقوقها المهضومة من قبل الرجل. في الدول النامية، فأن المرأة كافحت كفاحاً عتيداً والذي نتج عنه نيلها بعض المكاسب. في السنين الأخيرة من القرن الماضي أصبحت المرأة في هذه الدول جنبا إلى جنب الرجل تخترق جميع المواقع الريادية في الدولة في المجالات السياسية و الاقتصادية و القضائية و في شتى المجالات و المناحي الحياتية الأخرى حيث رأيناها رئيسة جمهورية و رئيسة وزراء و وزيرة و عضو ة في البرلمان و سيدة أعمال و الخ.
كما ذكرت، فأن برلمان إقليم كوردستان حيث ناقش تعديل هذا القانون و ثم تم طرحه للتصويت، بجهود الأعضاء البرلمانيين المتحضرين، نساءً و رجالا، حصلت على أكثرية الأصوات و حققت المرأة الكوردستانية بعضاً من حقوقها التي امتهنت و كرامتها التي أهدرت على مر التاريخ. بالرغم من هذا المكسب الخجول الذي حققته المرأة الكوردستانية، إلا أن هناك طريقاً طويلاً و شاقاً أمامها للوصول إلى ركب الرجل و الحصول على كافة حقوقها التي نصت عليها بنود الأمم المتحدة التي تتضمن المساواة بين الرجل و المرأة. لا ننسى أن هذه المنظمة الدولية قد أعلنت الخامس و العشرين من نوفمبر من كل عام يوماً عالمياً لمناهضة العنف ضد المرأة.
هذا الإنجاز البسيط الذي حققته المرأة الكوردستانية لم يرق للدول الإسلامية في الشرق الأوسط، هذه الأنظمة اتخذت من الدين وسيلة للحكم و استعباد الآخرين و احتلال أراضيهم. حول القانون المذكور،شاهدنا أن وسائل إعلام هذه الأنظمة كعادتها تتلاعب بالكلمات و تصوغها كما تشاء بعيداً عن الحقائق لتحقيق مآربها ثم تبثها بصورة غير نزيه و غير مهنية. هذا الأسلوب التضليلي الذي ينم عن حقد دفين على الأمة الكردية على سبيل المثال لا الحصر، نشرات الأخبار في قنواتهم الفضائية كانت كل الآتي: ( البرلمان الكوردستاني يقيد تعدد الزوجات). الإعلام العربي على مدى تاريخه يتجنب ذكر اسم كردستان لكن إذا كان هناك خبراً عن هذه الأمة لا يدخر جهداً لقلب الحقائق و تشويه اسم الكرد وكردستان لكي يضلل المواطن العربي. يجب على المواطن الكوردستاني أن يقرأ ما بين السطور و ما خلف السطور حتى يعرف كيف تتم محاولة تشويه صورته عند الآخرين، بهذا الأسلوب الميكافيلي يوجه الإعلام العربي عقلية المواطن لمعاداة الكورد،مدعياً بطريقة غير مباشرة أن الكورد يصدرون قوانين خلاف العقيدة الإسلامية. المعروف جيداً لدينا نحن الكورد أن هَم هؤلاء ليس الإسلام و إنما يريدون استغلاله ضد الكورد لأنه بضاعة رائجة في دولهم، و ليس هناك أحد يخالف العقيدة الإسلامية في العالم كالأنظمة الإسلامية ومن ضمنها بلا شك الأنظمة العربية. رأينا في الآونة الأخيرة الإهانة و الازدراء الذي جرى للإسلام على يد الحزب الإسلامي الحاكم في (تركيا) و الذي أصدر قانون إباحة الزنا أي الدعارة في جمهورية الأتراك،و سن هذا الحزب الذي يملك الأغلبية في البرلمان قانون يعاقب بالسجن على كل من يقف ضد نشر الدعارة في (تركيا). في الجانب الآخر من سلسلة جبال طوروس حيث تقبع الأنظمة العربية ليست هي أفضل من الأتراك، فحدث عنها ولا حرج في أعمالها المشينة التي تخالف عقيدتها الإسلامية، أبسط ما يقال عنها أنها تبيح شرب الخمر في السر و العلن و تباع في المحلات التي لها ترخيصات رسمية صادرة من الدولة. هل القرآن يسمح بشرب الخمر و بيعه في المحلات أ ليس هذا العمل خلاف القرآن و الدين. شواطئ بالدانهم التي تعج بالنساء العاريات أ هذا مباح في الدين الإسلامي؟ لماذا لا يذكر الإعلام العربي هذه الأعمال المنافية للإسلام الخارجة عن الدين و الشريعة. نحن لسنا من الذين ندعو إلى تحديد حريات الإنسان إلا أننا هنا نرد فقط على الكلام الملفق و بنفس السلاح الذي يستخدم ضدنا وهو التذرع بالمعتقدات الإسلامية الذين يريدون بها تكبيل و تقيد نساءنا و شل النهضة الديمقراطية الفتية في كوردستاننا. لماذا ينقل الإعلام العربي الخبر و يحشر فيها كلمة “التقيد” بكل بساطة لأنها حسب فهمهم تتعارض مع الآية (3) في سورة النساء التي تقول: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع فإن خفتم أَلا تعدلوا فواحدة أَو ما ملكت أَيمانكم ذلك أَدنى أَلا تعولوا. يلاحظ هنا أن كلمة “التقيد” تتعارض مع مضمون الآية في مثنى و ثلاث و رباع و ما ملكت أيمانكم. بعد كل هذا عن المرأة يقولون أن الإسلام كرمها و صان حقوقها. أين وكيف ومتا لا أحد يعلم، ربما في ملكات اليمين التي ليس لها أي حق من الحقوق لأنها تحمل معناها و دلالتها معها و هي كلمة ذات معنيين الأول هو: عندما تأخذها أثناء الغزو في يدك اليمنى و الثاني هو: عندما تباع في سوق النخاسة، سوق بيع السبايا و تُدفع ثمنها باليد اليمنى، لذا سميت بملكات اليمين، حيث تباع وتشترى كالسلعة سوف نعرض مضمون هذه الآية و نرى ماذا يقول أهل التفسير في تفسيرهم لها و على وجه الخصوص حول ملكات اليمين من الإماء، تفسير الجلالين: اقتصروا على “ما ملكت أيمانكم” من الإماء (1) إذ ليس لهن من الحقوق ما للزوجات.
بعد الكلام المستهجن الذي نشرته وسائل الإعلام غير الكوردية و التي تدل على أنه أوامر و تعليمات آتية عبر الصحراء الغربية، للوقوف ضد أي عملية سياسية التي تخدم الكوردستانيين و تعكس الوجه الناصع لهذا الشعب الذي يتم تشويهه من قبل المحتلين على مدى قرون. نشاهد من خلال الفضائيات الكوردستانية بعض الملالي كيف يلجأون إلى السيد رئيس وزراء كوردستان لثنيه على قانون الأحوال المدنية و إعادته إلى برلمان كوردستان. نقول هنا بكل وضوح وشفافية أن تغيير حياة المرأة في الدول النامية و على وجه الخصوص في الشرق الأوسط، قادم لا محال و لا مفر سيتم تحرير المرأة من قيود الذل و الإهانة في المنطقة فلينطق فاتحت هذا التغيير على سواعد الكوردستانيين وعندها سيعلم العالم المتحضر أن شعب كوردستان و حكومته و برلمانه لا تختلف نظرتهم إلى المرأة عن نظرتهم للرجل فيما يخص حقوقها المدنية.
إن هؤلاء الذين قضوا جل حياتهم في التكايا و الخانقاهات، يستكثرون على المرأة الكوردستانية أن تحصل على بعض حقوقها التي ترفع ولو جزءً بسيطاً من الحيف الذي وقع عليها طيلة عهود طويلة. حسب عقلية المتخلفة لهؤلاء التي تجاوزها الزمن، لا يجوز لبرلمان كوردستان أن يصدر قوانين تخالف مفاهيم بعض الشيوخ للعقيدة الإسلامية. هؤلاء الكهنة يتصورون أن أي قانون يرفع من شأن المرأة هو خلاف للقرآن و العقيدة لأن مبدأهم مبنى على (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) هذا الحديث قيل في حالة خاصة بعيدة عن حالة نساءنا و في زمن بعيد عن زمننا. نود هنا أن نسأل شيوخ و علماء الدين في كوردستان: هل هم يتعاملون مع زوجاتهم وفق نص الآية (34) في سورة النساء (واضربوهن)؟ أيقومون بتطبيق هذه الآية على زوجاتهم في حالة عدم إيفائها بمتطلباته الزوجية التي تحصل بين الزوج و الزوجة في مثل هذه الحالات، و أن لم يطبق الشيوخ نص الآية فهل يجوز أن نقول لهم أنهم قد ارتكبوا إثماً أو خروجاً عن الدين؟!. لدينا في كوردستان عدد من الوزيرات و عضوات في البرلمان و في مواقع قيادية أخرى و هن وأزواجهن من معتنقي الدين الإسلامي. هل يحق للزوج ضرب الزوجة الوزيرة في حالة عدم القيام بواجباتها الزوجية تجاه الزوج و خاصةً إذا أهملته بسب انشغالها بأمور الوزارة أو في عقد الندوات و المؤتمرات التي تخص وزارتها.
نود هنا أن نشير إلى آية أخرى وهي الآية (22) من سورة الروم التي تقول: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين. هذه الآية التي تخص في مضمونها عالم الدين بالذات الذي يتخذ العربية دون لغته الأم، الشعب الكوردي يعلم جيداً أن عدداً ليس بقليل من رجال الدين الكورد قد هجروا لغتهم الكردية واعتنقوا الإسلام ديناً و العربية لغةً و لا يجيدون لغة أخرى سواها. السؤال هنا يطرح نفسه، هل يحق لنا أن نقول لهم أنهم بعملهم هذا قد خرجوا عن الإسلام لأن الآية صريحة و واضحة حيث تقول أن الله خلق البشر بألوان و لغات مختلفة فأي إنسان يحاول أن يمس هذه الهوية التي وهبها الله له، لقد يمس حكمة الخالق لأن الله عندما وهب الإنسان لغة ما فأنه لم يهبه اعتباطاً و يضعه في فم الإنسان بل للخالق العزيز حكمته في ذلك إذاً ما حكم مَن يهجر لغته و يتخذ لغة أخرى بدلاً منها؟ رُب قائل يقول أن العربية لغة القرآن فواجب رجل الدين تعلمه. نعم بإمكانه أن يتعلمه إلى جانب لغته الأم وإلا لكان القرآن لا يذكر اسم الشعوب و القبائل. لنرى أحد كبار المفسرين ماذا يقول في هذه الآية الذي هو ابن كثير، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير قرشي بُصري ولد في دمشق سنة (701) هجري قمري و توفى فيها سنة (774) حيث يفسر الآية و منها هذه الجزئية ( واختلاف ألسنتكم) أي اللغات، يقول ابن الكثير عن “ألسنتكم” كل الآتي: فهؤلاء بلغة العرب، و هؤلاء تتر، و هؤلاء كرج، و هؤلاء روم، و هؤلاء فرنج، و هؤلاء بربر، و هؤلاء حبشة و هؤلاء هنود، و هؤلاء عجم، و هؤلاء صقالبة، و هؤلاء أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله من اختلاف لغات بني آدم و اختلاف ألوانهم، وهي حلاهم فجميع أهل الأرض بل أهل الدنيا منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة، كل له عينان و حاجبان وأنف وجبين وفم وخدان وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمة أو الهيئة أو الكلام، ظاهراً كان أو خفياً يظهر عند التأمل. كل وجه منهم أسلوب بذاته، وهيئته لا تشبه أخرى ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح، لا بد من فارق بين كل واحد منهم وبين الآخر. الشيء الجميل في التفسير أن ابن الكثير قد ذكر اسم الكرد من ضمن أسماء الشعوب المذكورة لولاه ربما هؤلاء الذين أنكروا كرديتهم لقالوا ليس للكرد لغة، بينما هذا المفسر الجليل الذي ذكر الكرد في سياق الأسماء التي ذكرها بتفسيره هذا ضرب على أفواه المشككين باللغة الكردية العريقة. من سياق تفسير ابن الكثير للآية يتضح أنها لا توجد هناك لغة أفضل من لغة أخرى لأنه ذكر الجميع بسياق و مستوى واحد لأنها جميعها وضعها مصدر واحد.
في بعض المجتمعات العربية و الإسلامية، تقوم الحكومات بسن قوانين مخالفة للشريعة الإسلامية ولم نر أحد من شيوخ وعلماء الدين في تلك المجتمعات يرفع صوته احتجاجا على مشرعي تلك القوانين على سبيل المثال وليس الحصر تحديد سن الزواج أو تحديد النسل أو زواج البنت في سن مبكر جداً كالذي رأيناه من خلال وسائل الإعلام، زواج بنت في سن خمس سنوات في باكستان أو منع تعدد الزوجات في تونس الإسلامية:( ينص الفصل 18 من مجلة الأحوال الشخصية على أن “تعدد الزوجات ممنوع” كما نص على عقاب من يخالف ذلك. كما وضع القانون حداً لحق الجبر الذي كان يتمتع به الأب و أصبحت المرأة تزوج نفسها و لو كانت بكرا ) (2).
أثناء نشاطات أسبوع مناهضة العنف ضد المرأة، التي نظمتها حكومة إقليم كوردستان، مع عدد من منظمات المجتمع المدني و الناشطات في مجال حقوق المرأة و دعوة رئيس وزراء كوردستان المشاركة فيها بفاعلية، لم نر احد من الشيوخ و علماء الدين في كوردستان أو بعض الأحزاب الإسلامية الكوردستانية المشاركة ولو رمزياً في هذه النشاطات، عدم مشاركتهم في مثل هذه المبادرات لدعم المرأة يظهر و كأنهم لا يقفون بنفس المسافة بين الرجل و المرأة.
ماذا يقول الشيوخ و رجال الدين في كوردستان عن مئات الآيات المنسوخة في القرآن و التي لم تبق منها سوى خطها أما حكمها لا تؤخذ بها. هناك الكثير من هذه الآيات المنسوخة التي نسخ حكمها وبقي خطها و التي نسخ خطها و بقي حكمها و التي نسخ خطها و حكمها معاً الخ. قد ينكر البعض، أن مسألة الناسخ و المنسوخ لا يشمل القرآن أعتقد أنها واضحة في سورة البقرة، آية (106) “ما ننسخ من آية أو نُنسها نأتي بخير منها أو مثلها”. القصد من سردنا لبعض التفاسير و غير ذلك ليس الهدف منها إظهار جانب الخطأ أو الصواب في الإسلام، لكن قيل قديماً أن “القرآن حمال أوجه”. المذاهب الإسلامية المختلفة لها تفسيراتها العديدة أهل السنة لهم تفسيراتهم و أهل الشيعة لهم تفسيراتهم كل مذهب من هذين المذهبين لا يقبل الآخر. الذي يهمنا نحن شعب كوردستان أن لا يستكثروا علماء الدين في كوردستان على المرأة أن تنال جزء بسيط من حقوقها و إعادة الاعتبار لكرامتها التي امتهنت على طول التاريخ. في القرن الواحد والعشرين أصبح تمتع المرأة بحقوقها في أي مجتمع كان هو رمز التحضر و التقدم لذلك المجتمع و نحن أبناء وبنات كوردستان لا نريد أن يشار إلينا بأصابع الاتهام بأننا شعب متخلف نهضم حقوق المرأة و نحط من كرامتها في عصر إعتاقها من قيود الذل و الإهانة نقول لكل كوردي شطر وجهه نصفين و تثقف بثقافة غريبة على المجتمع الكوردستاني نقول له باللغة التي يجيدها و يفهمها بأننا شعب كوردي وهبنا الله وجهاً واحداً كوردياً لا غير و لساناً كوردياً و أرضاً هي كوردستان نريد أن نحيا عليها في حب و مودة و مساواة و احترام الآخر كائن من كان هذا الآخر، هذه الخصال ورثناها من أجدادنا منذ آلاف السنين في هذا الوطن الشامخ شموخ هامات جباله التي لا تنحني.
(1) الإماء: امرأة مملوكة ضد الحرة
(2) مقال: محمد الشرفي