الرئيسية » مقالات » مرح بقاعي … رذاذ فلسفة ترطب عراء أرواحنا السليبة

مرح بقاعي … رذاذ فلسفة ترطب عراء أرواحنا السليبة

ينتصب العقل واقفا في ذروة الشذى يفتح ذراعيه لأول مرة يطلب من الروح أن يضمه بعد طول خصام , كراهب بوذي بعد طول شقاء وجد سبيلا يقوده إلى الله , لينهض عاريا من جسده على ذرى الهيمالايا منتشيا بلذة التجلي , يفتح روحه ذراعا لا متناهيا ليضم السماء والأرض في كمشة تصوف , كي يحتوي الله حين يصادفه جسدا ينبض بوحدة الوجود , ليفتح مسامع منفاه للريح حين تهب من جهات قلبه محملا بأفق نبضة حائرة بين سفوح غيبته وشطآن حضوره , تحيله حينا إلى ريشة يرفعها نسيم الجبل كجنح فراشة , وحينا تحيله إلى جبلا سقف العالم يعن تحت ثقله , فلا يبقى له موضع للصلاة غير معابد دهشته التي شيدها طيف من أثير , جعل طقوس الحقيقة محل التباس ليغري الخاطر بملامسة نهد التفاسير , وحين جاءه الطيف بالمسافة مذهبا , سقط بعد إلحاده العنيد في حومة العبادة , صريعا يلهج نبرة المحاولة ليلتقط أسرار المسافة حيث تكمن في جنباتها آلهة من رذاذ , قليلا ما استطاع فتح أغلفة مخاوفه فاندرج في قراءة وصايا أنبياء الضجر, سآمة تغلق عليه باب ذاته التي طالما اشتهى التلصص عليها , و قليلا ما غامر بالخروج إلى كوامنه غير مرات عابرة إلى ما وراء ثرثرة الإلهة لينزلق عقله إلى حواف أفكار وعرة طالما رغب بها ليصير انكسار أيامه فلسفة محكومة بالترحال حيث خواطر الروح لا تجبر .
يمد العقل الجريح جناحيه أملا يطير , في فضاء مرح بقاعي المصقولة بمسافة مشحونة بتجاذبات أخرى غير الزمان والمكان , امرأة لها طاقة الخلق , كواكبها مرصعة بأنوار من نبيذ معتق , تنثره رذاذا على هيكل وطنا آيل للسقوط , علها تسعفه في اللحظة الحرجة بلمسة أرجوانية لينهض من رماده جنة طالما حلمنا بها , هي كائن يسموا فوق معاني الأنوثة والذكورة , منزلة فريدة مجردة في الوجود , لها حيزا سحري شديد الخصوصية , تحوم من حولها الآلهة ويتشبث بها الأنبياء وينشغل الفلاسفة بالحديث عنها , حيز من هيولى الوجود الأول يحمل في أثيره سديم الحقيقة التي تلاشت في ذواتنا غبارا من بقايا عجلات عربة سلطان ارعن , فلم نحصد غير العذاب , فلا غرابة من أن يطير احدنا في سماء مرح بقاعي حين يصادفها للوهلة الأولى , لأننا نجد فيها ذواتنا الأولى صافية نقية , قبل أن يدوسها حذاء العسكر ويلوثها بروث المخاوف المزروعة فينا وراثيا , نحب مرح بقاعي فسحة نادرة تنقذنا من ذاك الحيوان الرعديد المستنسخ فينا عنوة , من كثرة ما كرهناه كرهنا أنفسنا , وكلما حاولنا الانتحارهربا من وحش كريه يستعمر قلوبنا وناظرينا وغرفة نومنا , تأتينا البقاعي وتنتشلنا من فم هاوية يأسنا , وتمدنا بجرعة إصرار تعيد لنا برهة من الحب تحررنا من كوابيس الواقع التي تطاردنا وتصادر منا حياتنا وأحلامنا , ولكننا مفعمين بها نحاول النهوض , فقد أنبأتنا البقاعي بالقيامة وبعودة مؤجلة , والكائن منا مهما أبعدوه عن ذاته الأولى يظل في حنين قاتل إليها تواقا إلى كينونته الشفيفة , التي تظهر له صورته على انه إنسان .
كجرم تائه متصدع في وحشة الذات , وجدت ضالتي في مرح بقاعي , حيزا كونيا جذبني إلى أفلاكه لأحس من جديد أن لحجارة الفكر التي تتطاحن في راسي ملجأ تلوذ به , فلم اعد أخاف عليها أو على نفسي من التفتت والزوال , فقد صار لنا عشقا ننتمي إليه , وبحر نلوذ به كلما ضايقنا هواء ملوث بدخان سيارة لا نرى من بداخلها ولكن تبرز لنا فوهات البنادق , تجبرنا على كره أصحاب الأيادي التي تحملها و تصوبها نحو صدور أطفالنا بغطرسة جوفاء تلوذ بالخنادق كلما سمعوا طلقة خلبية على الحدود .
مرح بقاعي خلطة من حشائش العقل و أعشاب التأمل ونبات الوعي , جمعتها ذاكرة متقدة تعج بأنوثة عشتار التي لم تنسى الموضع الذي ,, اختبرت فيه رعشتها الأولى وقصيدتها الأولى ,,لتختمر غلالها في خوابي ثقافة رفيعة , داهمها الخطر, خطر,, اعتلال الحياة المدنية في دمشق ورجاحة كفة “العسكر هناك حيث كانت تشهد الوقفة المذلة لأهل الحي أمام باب الفرن لتنبت أشواك وعيها السياسي مبكّرا ,, فغادرت بنفائس أفكارها شطر النجاة , لتطحن في رحى حريتها كنوز الشرق وسحره بلسما يداوي العقول فكرا وشعرا وعلما وسياسة , أينما تضع مرح بقاعي بلسم فكرها فأنها تشفي , ولو أني آمنت بالأقداس لقلت أنها معجزة القداسة , هي السحر تلعب لعبتها مع بديهيات المكان والزمان وتتحايل على علم المسافات , لتسجل حضورها المبهر في البعيد الخالي من وجودها العضوي , وتغيب عن القريب الذي يحتوي حضورها المادي , وإذا شاءت فأنها تحضر الاثنين معا موزعة عقلها وقلبها بين الجانبين , وفي الحالتين فأنها لا تنسى رغم البرودة التي تلف كيانها أن تخصنا بالدفء العميم .
كثيرات مثلها هاجرن ينشدن الخلاص وما أن وصلن حتى رمين الأهل و الأوطان بحجر بعدما ذقن طعم النجاة والترف , وحدها استنكرت أن توصف بالمهاجرة بل اجتهدت واعتبرت نفسها مغادرة , إشارة منها إلى تصميمها على العودة , لذلك لم تستطع أن تلغي الوطن كأرض وشعب من كيانها , بل أصرت على أن يبقى الوطن بكل معانيه الجميلة والحميمة متجذرا فيها , مجسدة نموذج الإنسان الذي نصبوا إليه ونتطلع إلى الاقتداء به , بعدما شوه المستبد صورة آدم فينا وصيرنا أقزام مخلوقات متحولة نخاف النظر إلى ذواتنا , فنعود إلى مرح بقاعي نستأنس بصورتها التي نجت من التشويه , فنجد فيها ذكرياتنا حين كنا مثلها بشرا , هي ذي عبر مسافات الفصل والقطع تكتسح قلوب الأكراد فصاروا لها أتباعا , والكردي يرفض أن يتبع حتى أباه ما لم يكن مؤمنا بدعواه , وحين التحقوا بركب بقاعي فقد آمنوا بأنها تحمل نفس الصورة التي يجالدون من اجل رفع حذاء العسكر عنها , فنحن الأكراد يتامى العالم , لدينا عقدة المعاناة من تجاهل الآخرين لوجودنا , وحين نجد واحدا من هؤلاء الآخرين خاصة من أخوتنا العرب و الترك و الفرس, يخالف المألوف ويغامر بالتعاطي مع الهم الكردي , فأننا نفرح ونرقص ونحتفل ولا نكتفي بذلك , بل سرعان ما يصبح صاحب المغامرة محل تقديرنا واحترامنا , ما يدفعنا إلى متابعته, وهذا ما قادني إلى الأستاذة مرح بقاعي فقد ركبني الفضول في التعرف على موقفها من المسالة الكردية , ولكنني ذهلت حين رأيت نفسي أمام نموذج نادر من الفكر والفلسفة والشعر والأدب والسياسة اجتمع معا في شخصيتها , التي تتميز فوق هذا وذاك بامتلاك ثروة هائلة من المعرفة الموسوعية والقدرة العجيبة على صياغة أفكارها بأسلوب مبتكر يستسيغه العقل , لا أنكر أنني متسرعا أعجبت بها , حتى نسيت غايتي الأصلية من تتبع أعمالها , كي لا أفوت على نفسي متعة تذوق فلسفة جميلة اكتشفتها توا فلم ارغب تعكير رذاذها بغبار السياسة بل شربتها هكذا مجردة , ومع الرشفة الأولى أدمنت مرح بقاعي , ورغم ندرة معلوماتي عنها فقد كانت كافية لرسم ملامح شخصيتها فكانت اكبر بكثير مما تصورت , إذ اقل ما يقال فيها أنها مبدعة, وما يميز كافة نتاجاتها هي تلك المسحة الفلسفية الراقية التي تخلق بين الفكرة البديعة والعبارة البليغة فضاء هارموني شفاف , وما بين هذا وذاك تترك لنا مساحة وجودية للرأي تجبر المتلقي على الارتماء في عوالمها للتمتع والتزود بمعارفها التي لا تنضب وجديدها الذي لا يبور , كل مرة تفاجئني مرح بقاعي بشيء جديد .
مرح بقاعي تمارس فلسفة الفراشات البهية حرية نفتقر إليها , تعلمنا الغوص في أعماق لم تصلها هفوات المعاني , في ذاك المجرد المشغول بغصون الضياء تمتحن وجاهة المطلق , لتحوك مرعز أفكارها شراعا لصارية مركب عودتها , وفي قسماتها الواثقة بحر موسمي الرياح يسوق مركبها إلى خلجان خواطرنا ورؤوس آمالنا محملة بأبجدية الإنسان .