الرئيسية » مقالات » الجواهري … جدل الشعر والحياة

الجواهري … جدل الشعر والحياة

تحت هذا العنوان نشر د. عبد الحسين شعبان كتاباً بنحو ثلاثمئة وسبعين صفحة، وصدر عن دار الكنوز الأدبية، بيروت عام 1997… وفي التالي التمهيد الذي قدم به المؤلف لكتابه ذي الأربعة فصول، والمرفقة بها مختارات من قصائد جواهرية عديدة.

“المتتبع لحياة الجواهري، يشعر وكأنه يتحرك في منطقة شائكة، وعلى أرض مزدحمة بالشعر والهمّ العام، وكأنهما متلازمين لا ينفصمان. وسرعان ما يدرك من القراءات الأولى، أنه ليس أمام شاعر فحسب، بل هو أمام “حالة شعر” بكل معنى الكلمة… بطقوسها وفضائاتها وعبق شذاها، حتى تكاد القصيدة تسيح، طازجة شهية، فتدلك على مملكة الشعر أو صومعة الشاعر، حيث يمارس عملية الخلق، بجو أقرب إلى التبجيل والاحتفاء وبمعاناة فائقة، فتأتي شفيفة ومعافاة، تدخل القلب وتحتل مكانها في العقل.

من نبرته الأولى يُعرف الشاعر، فما بالك ونحن أمام واحة شعرية تحفل بكل الألوان والأصناف ولكل المناسبات، قوامها نحو عشرين ألف بيت، متوزعة على أكثر من سبعة عقود ونصف من الإبداع. فوراء كل شيء يقف الشعر شاخصاً، بأدواته المطواعة التي يستخدمها الشاعر بدقة وانسيابية، وخلف لهجته الجميلة ووجهه الحاد الملامح، المتغضن بأنفاس الشعر، وأصابعه الممدودة يستحضر عملاق الشعر في داخله، لينطلق مثل شلال هادر، ثم ليسير بعذوبة دجلة والفرات، راسماً أو معيداً رسم حياتنا، لا بصورتها المتخيلة أو وهمها فحسب، بل بتفاصيلها وشخوصها وألوانها، مع نكهة حب ومذاق تحد، كانا السمة الأبرز لشاعرنا الكبير الجواهري، بتناقضه المحبب وجمعه الأضداد بهرمونية وتناسق باهر، بصعوده ونزوله، بجوانبه المشرقة والمضيئة، ونقاط ضعفه الانسانية، في شبابه وشيخوخته، أردت أن أقدمه للقراء، ليس ببحث أكاديمي تقليدي، بل من خلال شعره وجوانب من حياته، على لسانه تارة، وبالتتبع لحياته وشعره تارة أخرى. وكنت حريصاً على أن أقدم رؤيتي الشخصية لـ “أبي فرات”، كيف كنت أتخيلها في الطفولة وكيف تشكلت ملامحه في فتوتي وشبابي وبمَ ارتبط اسمه، وفيما بعد خلال الصداقة المديدة التي ربطتني به، محاولاً تسليط الضوء على بعض الجوانب اليومية الاعتيادية، الانسانية من حياته وبعض مواقفه. ومستكملاً ذلك بحوارات كثيرة ومختلفة، كنت قد أجريتها معه في فترات متفاوتة، ومن خلال صحبة طويلة.

لم يرغب الجواهري بالجلوس على مقاعد مطلية بالذهب، ولم يخترها أو يفكر بها يوماً، لأن خياره، بل هاجسه الأول، ذهناً ومزاجاً وفناً، كان الجلوس على قمة الشعر، إذ هو الأكثر استحقاقاً، حين يُكنّى بشاعر العرب الأكبر، بل هو حامل لواء الشعر الكلاسيكي “المعاصر” والماسك بحلقته الذهبية بجدارة، ليس أقل منها جدارة أن يدرك القائمون على “جائزة نوبل” حقيقة الشعر في حياة العرب، وحقيقة شاعر كالجواهري، ورغم أنه عربي العقل والهوى والمشاعر، إلا أنه خارج حدود التصنيف التقليدية الوطنية والقومية، لكونه شاعراً تجاوز زمانه ومكانه بنزعته الانسانية وإبداعه المتميز.

وحسبي هنا أن أردد ما قاله الشاعر الكبير عمر الخيام:

“إلهي قلْ لي من خلا من خطيئة وكيف ترى عاش البرىء من الذنبِ

إذا كنتَ تجزي الذنب مني بمثلهِ فما الفـرق ما بيني وبينـك يا ربّي”