الرئيسية » مقالات » هل يعلن عن << المنطقة الخضراء >> إقليما وفق دستورنا الاتحادي ..؛؛

هل يعلن عن << المنطقة الخضراء >> إقليما وفق دستورنا الاتحادي ..؛؛

لقد شخصنا جوانب قصور تجربتنا الديمقراطية منذ البدء ، وحذرنا من تداعيات التعصب دينيا كان أو قوميا أو طائفيا، وهو الذي تجذر في النهاية بالفعل ، وأصبح دستورا للعمل حتى قبل أن يشرع الشعب دستوره . وعندما شرع دستور البلاد لم يكن مصادفة ، ولا غير متوقعا ، أن يكون انعكاسا لذلك التعصب بأشكال ودرجات مختلفة. و كان واضحا أن مساومات خطيرة على حساب مصالح وطنية كبرى ، قد تم تبادلها بين القوى الكبيرة خلف الكواليس بإشراف ومباركة أمريكية ، وهو ما فتح باب جهنم على العراقيين ، وما الدخان الذي يتصاعد الآن في أجواء العراق إلا نتيجة لتلك الصفقات. وبدلا من دولة عراقية يحكمها ديكتاتور واحد ، سنشهد عدد من الديكتاوريين على رأس دويلات عديدة تنفيذا لمبدأ التعددية والديمقراطية. ولن يحدث ذلك عن طريق الانقلابات بل عبر صناديق الانتخاب ووفق الدستور. وتعزيزا لحرية تشكيل الأقاليم ، فلم يضع الدستور سقفا لعددها المسموح به ، بل تركه مفتوحا إلى اللانهاية ، ما يعني أمكانية تشكيل ألف إقليم أو أكثر ، ووفق الدستور سيكون بإمكان ” المنطقة الخضراء ” في بغداد أن تعلن نفسها إقليما. وبناء على ذلك فإن ما أعلنته القاعدة بتأسيس ” دولة العراق الإسلامية ” كان قد تم وفق دستور العراق الجديد. وقبل أيام طالب السيد وائل عبد اللطيف النائب عن البصرة بالاعتراف بمحافظة البصرة إقليما ، يكون له كامل الحقوق كما إقليم كوردستان في الشمال العراقي ، وهو بذلك ينفذ نصا دستوريا ديمقراطيا واضحا. إن الخطأ إذا ليس في الناس أو في مشاعرهم الطائفية أو القومية أو المنطقية ، وإنما في الدستور، وفي نوايا أولئك الذين صاغوا بنودا فيه تقود شعب العراق إلى مثواه ، مقسما يتنازع أفراده الكرد والعرب على هذا المتر من الأرض في خانقين ، و الشيعة والسنة على تلك البوصات من مياه دجلة التي تفصل بين المدينتين المقدستين.

لكن من حسن الحظ وإن جاء متأخرا ، أن يفصح رئيس الوزراء عن الرغبة في إجراء التعديلات على الدستور التي كانت لحد الآن حبيسة داخل النفوس والقلوب والتي لم تكن ممكنة شهورا مضت. والشيء الجيد في هذه الرغبة في هذا الوقت بالذات ، أنها أتت من شاهد من أهلها ، حيث أسهم المالكي نفسه في عملية صياغة الدستور. وبصرف النظر عن الصورة التي يريدها رئيس الوزراء للدستور العراقي ، التي أعلن عن بعض ملامحها في منتصف تشرين الثاني الماضي ، فهي تشكل بارقة أمل لتطويره إلى الأفضل ، على أن يؤخذ بنظر الاعتبار قضايا أساسية كانت لجنة الصياغة قد تجاهلتها أو همشتها مثل حقوق المرأة ، أو إقحام الدستور في قضايا فقهية ما كان يجب النص عليها في صلبه ، والقضية الأهم هي نصه المثير للخلاف حول حرية إقامة الأقاليم وصلاحياتها التي تتعارض كليا مع وجود سلطة مركزية تمثل مصلحة الأمة وتحميها.

وإذا لم يفلح رئيس الوزراء في تنفيذ إصلاحاته على الدستور التي ينبغي أن تضع القيود على تشكيل الأقاليم ، فعليه العمل على تحديد صلاحيات الأقاليم والمحافظات ، و بدون ذلك ، فلن يكون بالمستطاع كبح جماح الداعين لتشكيل الأقاليم ، وإقامة دويلات تبحث عن مصالحها الأنانية الخاصة ، وهي الحالة التي سيواجهها الشعب العراقي بعد انتخابات مجالس المحافظات ، والتي ستقود البلاد كلها إلى كارثة لا يمكن إصلاح تبعاتها أبدا. ولذا فأن وقف العمل بالنص الدستوري الخاص بتشكيل الأقاليم فورا وحالا ، يشكل ضرورة ذات أولوية قصوى ، ويجب أن يتم الآن وليس غدا. لأنه لو أجريت انتخابات المحافظات كما مخطط لها ، فإن دعاة الأقلمة لن يتأخروا ساعة عن إعلان تمردهم على السلطة الاتحادية ، وعندها لن يكون بالإمكان وقف الكارثة.

ولتسليط الضوء على المشكلات التي ستلي المباشرة بتشكيل الأقاليم ، نوجه الأنظار إلى الآتي:-

أولا : إن بعض المحافظات ستعلن عن نفسها إقليما ، والبدء في مطالبة الحكومة المركزية لزيادة ميزانيتها المالية ، ليبدأ العد التنازلي لمرحلة جديدة من الفساد المالي والارتزاق على حساب الشعب. ومن جانب آخر ستقوم سلطة الأقاليم بدعوة الشركات الأجنبية للتنقيب عن الثروات الكاربوهيدراتية وغيرها ، والتوقيع معها على عقود طويلة الأمد لتقاسم الإنتاج وربما الاحتياطي النفطي أو الغازي في أراضيها ، ما يعني ذهاب الجزء الأكبر من موارد النفط لتلك الشركات.

ثانيا : ولأن التنافس على عقود النفط والغاز سيكون حادا ، طمعا بالحصول على موارد سريعة ، فإن شركات النفط الأجنبية ستعمل جهدها للحصول على أفضل الشروط ، مستغلة جهل المتعاقدين العراقيين الذين تنقصهم الخبرة والوطنية في التعامل مع تلك الشركات الجشعة. وستتفق الشركات النفطية الاحتكارية العالمية فيما بينها على سياسة تعاقدية واحدة ، حيث سيواجه الجانب العراقي نفس الشروط التعاقدية أينما اتجه. دون حرص أو حس وطني للحفاظ على مصالح الشعب .

ثالثا : البحث عن الموارد النفطية والغازية والموارد الطبيعية الأخرى في المحافظة أو الإقليم سيدفع قياداتها إلى ضم مساحات تعود أو لا تعود للأقاليم المجاورة ، وهذا سيدفع إلى الدخول في مشاكل إعادة ترسيم الحدود فيما بينها ، ويقودها عاجلا أو آجلا إلى صراع طويل الأمد قد يكون دمويا أحيانا ، وسينتصر فيه الأقوى تنظيما ، وربما الأكثر كثافة سكانية أو دعما خارجيا. وهذا سيورط بعض المحافظات أو الأقاليم لاستمالة دول الجوار في المكاسب التي ستتحقق فيما لو دعمت جهة ضد أخرى ، ويضطر الجميع للتسلح والدخول في حروب أهلية طويلة لا نهاية لها ، تستهلك البشر والموارد الشحيحة التي قد تتحصل عليها من شركات النفط.

رابعا : سوف تلعب شركات النفط والغاز الأجنبية التي تفوز بعقود في مختلف المحافظات والأقاليم دورا رئيسا في تجارة السلاح والتسليح ، لفرض توفير الحماية المحلية ، وتشجيع عدم الاستقرار في مناطق بعيدة عن مناطق التنقيب والإنتاج حفاظا على بقائها أطول فترة ممكنة ، ولجعل قيام حكومة موحدة قوية تمثل شعبها وتدافع عن مصالحه مستحيلا. ولأجل ذلك تقوم بدعم زعامات على حساب أخرى مقابل مكاسب مادية لهذا الزعيم القبلي الشيعي ضد جاره رئيس القبيلة السني ، أو تقديم إغراءات بمكاسب لهذا الطرف من الطائفة أو القومية المعينة ضد آخر من نفس الطائفة أو القومية. إن هذا السلوك الإجرامي مارسته وتمارسه الشركات الأجنبية في الكونغو أغنى بلد في أفريقيا والعالم. فالكونغو قد دخلت في سلسلة من الصراعات الدموية بين قادتها ، قام بالتحريض عليها تلك الشركات ودولها الاستعمارية منذ إعلان استقلاله عام 1961. وقد عملت الشركات ودولها الاستعمارية على إدامة عدم الاستقرار خلال تلك الفترة ، وهي مصممة على الدفع بهذا الاتجاه حتى يستنفذ البلد على أيديها كل ثرواته وخيراته. وفي سبيل ذلك ، لم ينجو أي من زعماء التمرد الذين حظوا بدعمها من تآمرها عليهم ، والإتيان بصنائع جدد يخدمون مصالحها خلال نصف القرن الماضي. فهي بعد كل حرب أهلية تدفع بزعيم قبلي الى سلطة الحكم لأشهر ، ثم ما تلبث هي نفسها لتطيح به وتصفيته ، لتحل آخر محله. وهكذا تعاد الكرة من جديد ودورة دم وموت جديدة في ذلك البلد الذي يعيش شعبه في الملاجئ وسط الأحراش على هامش الحياة يواجه الموت والجوع والتشرد ، فيما تستمر الشركات الأجنبية في استنزاف ثروات البلاد دون توقف أو ضجة أو احتجاج من دول العالم.

خامسا : إن شركات السلاح وعصابات سرقة الآثار وتزوير العملات وتجارة المخدرات ، وشركات النفط والغاز الاحتكارية العالمية ، تنتظر إشارة البدء بتنفيذ مشروع الأقاليم ومزاولة مجالس المحافظات صلاحية إبرام العقود ، عند ذاك لن يكون بعيدا موعد بدء الحروب الأهلية ، فمخططها على الأكثر معد وجاهز ، واحتفالية تنفيذه والإعلان عن زعاماته في مراحله الأخيرة. إن مادة تلك الحروب ووسيلتها هي العشائر التي يتنافس على شرائها قادة الأحزاب الطائفية بالمال والنفوذ والسلاح والوعد بالجنة ، وهي ستكون الفتيل لإشعال الحرب الأهلية ، طبقا للنموذج المرسوم “العراق الفيدرالي ” طبقا لنموذج ” الكونغو الديمقراطية “.

سادسا : أن الغرض الحقيقي من إقامة الأقاليم في الوسط والجنوب والغرب هو إحياء الإمارات الإقطاعية التي ألغاها قانون الإصلاح الزراعي الذي صدر عام 1959 ، وحيث ستعاد الأراضي الزراعية للإقطاعيين السابقين بعد تجريد المزارعين الفعليين من ملكيتها التي وفرتها لهم قوانين ثورة تموز 1958 ، بينما تتقاسم فروع الأحزاب الطائفية السلطة الفعلية والنفوذ والمصالح المالية والتجارية فيما بينها . و سيكتشف المواطنون زيف وعود زعاماتهم ، فيما تتضاءل الفرص أمامهم للحصول على قوت يومهم ، و سيكونون شهودا على الكذب والدجل ولكن بعد فوات الأوان.

إن مراجعة المخاوف السابقة وأخذها بجدية عالية ، يجعل من مطلب إجراء تعديلات على الدستور موضوعا بالغ الأهمية ، ينبغي دراسته بعناية وتجرد والإصرار عليه ، حتى إذا تراجع المالكي عنه تحت ضغوط ومساومات الآخرين. لأن المطالبة بالتعديلات لم تأتي من المالكي فقط ، و ليست بالضرورة تخص إقليم كوردستان التي انبرى رئيسها غاضبا منددا ومتحاملا على الداعين لتك التعديلات. فالمطالبين بإعادة النظر ببعض ببنود الدستور التي تخص الأقاليم عديدين ، وقد طالبوا بذلك منذ أمد طويل قبل أن يبدي المالكي ملاحظاته ، ومنهم الحزب الإسلامي و جبهة التوافق والحركة النسائية ومنظمات المجتمع المدني الأخرى ، وقد تشكلت لجنة من ممثلي القوى السياسية لبحث التعديلات المقترحة ، ولم تنتهي من أعمالها بعد ، بسبب العراقيل الكثيرة التي وضعت في طريقها. فهي مطلب قديم وكل ما فعله المالكي هو وضعها على الطاولة للمناقشة.

وعلى عكس لهجة رئيس الوزراء الهادئة والمسئولة ، جاءت ردود السيد البرزاني مخيبة للآمال ، فهي إضافة الى نبرتها العدائية المتعالية ، اقترنت بحملة واسعة شاركه فيها مسئولون كثر من تحالفه ، لتأليب الرأي العام الكردي ضد حكومة المركز ، واتهامها بتنفيذ حملة أنفال جديدة ضد شعبه ، مستخدما بذلك أسلوب العزف على المشاعر القومية المتطرفة لتعزيز وجهة نظره ، التي حوت الكثير من التجافي ولي الحقائق ، فكيف سمح لنفسه لقول ذلك. لقد ذهب البرزاني بعيدا في تصريحاته تلك ، حيث رسم فيها صورة قاتمة جدا لمستقبل النظام الاتحادي الجديد في العراق ، في حين لم تبدأ بعد عملية تشكيل أقاليم جديدة في الوسط والجنوب على غرار إقليم كوردستان. وبذلك قد أعطى دليلا آخر على صحة مخاوف الكثير من القوى السياسية من تعميم تجربة إقليم كوردستان في أنحاء أخرى من العراق.

لقد أحاط السيد البرزاني نفسه وإقليمه بسلسلة من الخطوط الحمراء ، وأضفى عليها مسحة قدسية وضعتها بمنزلة الآيات القرآنية. لقد دفع هذا الأسلوب الذي كان شائعا وساريا في الإمارات الإقطاعية أزمنة مضت ،أطرافا عدة في الحكومة والمجلس النيابي إلى التساؤل عن شرعية وواقعية تلك الخطوط ، ومبرراتها وتبعاتها على مستقبل الروابط التاريخية وعلى الشراكة الأزلية بين المكونات القومية والإثنية في الوطن العراقي.

إن تعديلات الدستور باتجاه تعزيز وحدة البلاد وتماسكها ، هي مهمة الجميع بما فيهم كتلة التحالف الكردستاني. وبما أن هذه الوحدة مهددة جديا من خلال السير قدما بتنفيذ البنود الدستورية حول تشكيل الأقاليم في هذه الظروف الحالكة غير الملائمة ، فإن ذلك يعني ببساطة وضع أجزاء واسعة من البلاد في أيدي الطفيليين والجهلة وسارقي المال العام الذين لا يردعهم ضمير أو دين أو أخلاق ، فلا ينبغي للبرزاني أن يتجاهل ذلك بحجة تعرض إقليمه للتهميش وهي شكوك مبالغ فيها.

علي ألأسدي

البصرة