الرئيسية » مقالات » ضمير امرأة !

ضمير امرأة !

توقفت عند خبر في صحيفة (بيلد)الألمانية ضمن زاوية الأخبار المحلية تحت عنوان فقدان فرخة بط والبحث لا زال مستمر!! وأثارت دهشتي بقوة وكان الخبر كالآتي.. ببالغ الحزن والأسى نعلم زوار الحديقة العامة بأن إحدى فراخ ألوزة البيضاء قد فقدت منذ يومين حسبما أبلغتنا بها السيدة(ماركريته بونماريجه 71عاماً) المتطوعة في الرعاية والاهتمام بطيور الحديقة التي تقول.. منذ يومين وأبويها تصيحان وتبحثان عنها وأنا أيضاً لم يهدأ لي بال وفتشت عنها في كل مكان لكن وللأسف الشديد لم أجد لها أي أثر، حقاً كانت كتكوته جميلة والكثير من الزوار كانوا يأتون الى هنا بصفة خاصة كي يلتقطوا الصور للوزة الأم والأب والفرختين من حولهما تمرحان وتضيف: يبدو لي أن الأمل والرجاء في العثور عليها بات مستحيلاً، فمنذ الأمس أتساءل مع نفسي هل يا ترى سقطت الفرخه فريسة كلب هرب من صاحبه أم أن ثعلباً باغتها وافترسها ؟ وتكلمت شخصياً مع موظف الحديقة بصدد الموضوع ويقول بأنه أيضاً لا يعلم عن مصيرها شئ لكنه وأكد بأنه لأجل الاطمئنان قام بحجر بقية الإوز والبط في مكان آمن لحين التوصل الى ملابسات الموضوع.

انتهى الخبر لكن بالنسبة لي لم يكن ينتهي وقد قذفني وسط أمواج التفكير المتلاطم وملأ صدري ألما وقيحاً وفجّر أشجاني، ثم تساءلت مع نفسي.. كتكوته صغيرة يركزون عليها كل هذا الاهتمام وينشرون خبر فقدانها في الصحف بشكل درامي ويطالعه عشرات الآلاف من القراء؟ واقتنعت أخيراً بأن وخز الضمير يملي على الإنسان بتقدير النفس حتى لو كان حيواناً… حسناً لكن وماذا مع المجرمين الذين تفرغت ضمائرهم من العطف والتنكر للكرامة والقيم الإنسانية بقتلهم أطفال ونساء ورجال العراق؟ وشر البلية ما يضحك عندما تجدهم يتلذذون بأفعالهم النكراء ويخترعون لها مسميات يختارونها حسب رغباتهم الشاذة.

يا ترى هل سمعت ماركريته بأن تتار القرن العشرين قاموا بانتهاك مقاييس العدل وزجوا ألآلاف من شباب الكورد الفيليون في رهبة معسكرات الاعتقال بلا ذنب أو خطيئة ورموا بأهلهم وذويهم خلف الحدود الجرداء وسلبوا منهم ما كسبوه بالكدّ وعرق الجبين وأوقعوهم بين براثن الفقر والشقاء وصومعة الغربة بوحشية تقشعر منها الأبدان ولم يجدوا من يعزيهم عن المظالم التي لحقت بهم أو من يفضوا إليه مشاعر آهاتهم للتنفيس عن غمّهم من غير أن يرتكبوا جرم أو جريرة إلا لجريمة انتمائهم الى أمة الكورد التي كانت ولا تزال تقض مضاجع الكثيرين وتظل كابوساً تجثم على صدورهم؟. وتلت جريمة أخرى للحاقدين على الكورد فقد أبادوا هذه المرة أكثر من عشرة آلاف من الكورد البرزانيين الأبرياء حتى أنهم لم يفصحوا عن مكان جريمتهم وهل يصح أن يباد الآلاف من البشر على أساس انتمائهم القومي.
همجيتهم ضد الكورد لم تكن الأخيرة طالما رموا بضمائرهم في بركة آسنة ليكرروا أبشع جريمة دونت في الزاوية المخصصة لأصحاب الصفحات السوداء من سجل التاريخ البشري عندما قصفوا سكان حلبجة الآمنين بأقسى أنواع الأسلحة فتكاً ودماراً لينهوا في غضون دقائق معدودة أرواح أكثر من خمسة آلاف من البشر ويحرقوا أجساد أعداد مضاعفة أخرى ويعكّروا صفو آلاف العائلات التي تشردت من منازلها والمحزن أن الطغاة الأشرار كانوا يتباهون بفعلتهم النكراء ولم ترتج ضمائرهم من داخل المياه الآسنة ولو بفقاعة تأنيب واحدة لا نرى في الأمر غرابة طالما هم مبرمجين على الشر واللؤم.
ثم تدحرجت ذاكرتي الى مدينتي (خانقين)التي زرعوا فيها الويلات ودفنوا العشرات من شبابها خلف دوائر الرعب المتمثلة بمركز استخباراتهم أو دائرة أمنهم ليفرغوا المدينة من سكانها الأصليين بتهجير المئات من العائلات بحجج واهية لا تمت الى الحقيقة بصلة وهرب من استشعر بدنو الخطر على حياته. ثم تواصل ظلمهم على أبناء الكورد فقد قاموا هذه المرة بهدم آلاف القرى وحشر سكانها في معسكرات الإبادة الجماعية لم يفرقوا بين طفل أو عجوز امرأة أو رجل تحت ما سموها بعمليات الأنفال.
من المعلوم جداً أن من تكمن في غرائزه ميول عدوانية لا يأبه الى عواقب الغد الذي يترقبه المظلوم مهما طال أمده ولم يدرجوا في حساباتهم أن المكائد الخبيثة ترتد على أصحابها. هذا وتحتفظ ذاكرتنا للكثير من همجية النظام المباد ضد الكورد من غير أن تنال من إرادتهم قيد أنملة بل زادتهم رسوخاً وصلابة بالغد المنشود بسواعد مناضليهم الأبرار.
وغرقت في صمت رهيب ولم أستطع الإفلات من صخب التفكير في المظالم التي لحقت بأبناء جلدتي إلا بشق النفس لأن معاناة الظلم تسّبب ألماً عاطفياً وقد أثرت سلباً في هدوء بالي، ثم استدرت التلفاز بشكل عفوي على فضائية نوروز لتسعفني بالسكينة والهدوء وامتلأ قلبي بالفخر والترفع من خلال متابعتي للقاء أجري مع امرأة كوردية مناضلة من خانقين الباسلة هي الكاتبة أحلام صبري وهي تروي بهدوء ورصانة عن أيام كفاحها ومدى اعتزازها بالقضية الكوردية العادلة مع رفيقة دربها الشهيدة ليلى قاسم، في الحقيقة إنني لم أنبهر في حياتي من حديث مشوق إلا لحديث هذه السيدة الكوردية وزادت من افتخاري بها عندما أنهت اللقاء بأمنية قالتها بصوت مبحوح ..أتمنى أن أرى مياه الوند الأسيرة تجري من جديد، وحبس الحزن والاحتقان أنفاسي وسالت من عيناي دموع دافئة وتمنيت أن لا تسمع السيدة ماركريته ما يجري الآن لأهل العراق لربما تصرف انتباهها عن الطيور وتقوض من بحر عواطفها وفيض محبتها التي تكنّها لهم ولم أرتاب في الأمر أبدا لأن السواد الأعظم من وقتها تقضيها في العناية بهم فطوبى لأصحاب الضمائر الحية.