الرئيسية » مقالات » ما هكذا تقلب الحقائق ويزور التاريخ

ما هكذا تقلب الحقائق ويزور التاريخ

نشرت جريدة الزمان التي تصدر في لندن وتباع في بغداد!! مقال للسيد سيف الدين الدوري في عددها الصادر الأربعاء 19-10-2008 (كيف ومن قتل الباشا نوري السعيد) أستقى الكثير من مادته من مذكرات الدكتور صالح البصام وعصمت السعيد،وما تداولنه الأوساط القريبة من النظام الملكي وتعبر بانحياز تام عن توجهات ذلك العهد لأنها جزء منه ،ولا أدري ما هو الغرض من وراء هذه المقالات ،هل هو تجميل الصورة الكالحة للنظام الملكي ،أو تحسين صورة رجاله وقادته ومن أداروا أمور البلاد تلك الأيام بسياسة شوهاء تابعة لأكبر قوة احتلال غاشمة في ذلك الزمان ،وهل الغرض تجميل صورة الحكم وإظهار زعماؤه بمظهر القادة النجب والحكام الشرفاء الأبرياء الذين قتلهم الشعب الغوغائي لا لذنب ارتكبوه وإنما لأن هذا الشعب مطبوع على القتل ،وأن هذه الحملان الوديعة سيقت الى الموت دون أن ترتكب جرما أو تخون شعبا،ولعلها مقدمة لتجميل صورة النظام السابق على طريقة هؤلاء في تناول الحقائق وقلبها ،ومغالطة الوقائع وحرفها فيصبح القاتل قتيلا والمجرم بريئا وفي ذلك جناية كبرى تمرس عليها الطغاة وكتابهم عبر التاريخ عندما يكتب البعض ان الحسين خرج على أمام زمانه ،معترفين بإمامة يزيد منكرين لثورة الحسين وهذا التلاعب سياسة كتبة التاريخ العربي عبر العصور فهو تاريخ حكام لا تاريخ محكومين ووجهة نظر زعماء لا رأي جماهير غمطت حقوقها وبيعت بمزاد التاريخ ومهزلة الواقع.

ولا أريد هنا مناقشة جميع ما ذكر في المقال أو في مذكرات البصام وعصمت السعيد فهذا أمر يطول وسبق أن تناولت أطراف منه في مقالات عدة نشرت في الرد على الدكتور عبد الجبار الملا صالح الذي أطرب القراء بثنائه على الحكم الملكي ورجاله وصولته الباطلة على الجماهير التي نعتها بشتى النعوت وقلب الحقائق وجعل الشعب قاتلا والباشا مقتولا متجاوزا عواطف الملايين التي أسندت ثورتها وأدت دورها في إنهاء ذلك النظام البغيض،ورسمت تاريخا جديدا للعراق حرفته القيادات البعثية والقومية التي هيمنت على الحكم وأحالته من نظام جمهوري إلى نظام عشائري طائفي بغيض ،وهيمن أبناء القرية من المتخلفين والرعاة على مقدرات العراق وساقوا أبناءه إلى ميادين الموت ،وهم امتداد للنظام الملكي العاثر وتابعين أذلاء له لتشويه صورة الثورة الحقيقي التي أنهيت من قبلهم ليعملوا القبائح باسمها في مسعى لتزيين صور القتلة والسفاكين،واليوم عادوا لممارسة ذات الدور في وضع العصا في عجلة التقدم في تمهيد لعودتهم إلى السلطة من خلال ارتباطاتهم التي لا تخفى بجهات لها مصالحها في تخلف العراق وإعادته إلى الوراء ،حيث برزت على السطح ذات القوى التي كانت تعمل في النظام املكي لتتسيد على العراق فنرى أبناء أولئك هم حكام العراق وما من وزير أو نائب في العهد الملكي أو ألعارفي إلا وأعطيت له حصة في حكم العراق وهذا قتل لأي مبادرة يمكن أن تقود إلى حكم وطني ديمقراطي يبنى على العدالة والمساواة .

ومما هو جدير بالإشارة أن إلقاء القبض ومحاكمة نوري السعيد في تلك الأيام هو في مقدمة اهتمام الثوار لمعرفتهم المؤكدة بـن بقاءه حيا سيؤدي إلى فشل الثورة أو الانقضاض عليها لما يمتلك من علاقات قوية بالدول الغربية ودول المنطقة التي يسوئها أي تغير وطني يحصل في المنطقة ولتجربة سابقة في حركة مايس 1941 عندما هرب الوصي ونوري السعيد واستنجدوا بالجيش البريطاني لإعادة الأوضاع ،لذلك كان قتله من أولى مهمات الثورة ونجاحها ،ويقول الكاتب أن (صديقه الشيخ محمد العريبي يسكن في البتاوين، فربما يمكنه الوصول إليه متخفيا مشيا علي الأقدام فيندمج مع رجال القبيلة، ويذهب معهم إلي الحدود للوصول إلى إيران وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. إذ كانت الأخبار الصادرة من العراق تخفي مقتل فيصل الثاني عند هجوم المعتدين علي قصر الرحاب خوفا من إثارة الشعب الذي كان يحمل للعاهل الشاب المحبة والولاء فظل بعض الأمل عند نوري في إمكان إنقاذ الحكم الهاشمي في العراق إذا كان الملك حيا يرزق) وفي ذلك ما يظهر أن السعيد كان يحاول من خلال هروبه التآمر على الثورة الوليدة وبالتالي فأن قانون البقاء يحتم على الثوار القضاء عليه لما يشكل وجوده من خطر على الثورة،وما يشير إليه الكاتب أن الثورة تخشى ثورة الشعب فلم تعلن مقتل العائلة المالكة من المغالطات لأن الشعب الثائر خرج صبيحة الثورة مباركا لها مدافعا عنها وقام بالكثير من الأعمال البطولية(الغوغائية) !! التي رسخت من أقدام الثورة وضمنت نجاحها ،وبالتالي فأن الحكم الصادر على هؤلاء هو حكم شعبي قوبل بالإجماع من الأكثرية ورفض من الأقلية التي كانت تعيش على حساب الآخرين وترتبط بعلائق نفعية مع النظام البائد.

ويحاول الكاتب الإيحاء بأن الأخبار عن مكان تواجد نوري السعيد جاء نتيجة خيانة أقدم عليها شاب وشقيقته طمعا بالجائزة ناسيا أو متناسيا أن غالبية العراقيين والشباب المتحمس منهم كانوا مع التغيير والثورة فكان الأخبار ليس طمعا لجائزة أستحقها هذا الشاب البطل عن جدارة وإنما أيمان بقضية وخلاص لشعب ،بعكس من حاول أخفاء نوري السعيد ونقله من مكان إلى آخر فهؤلاء يرجون نفعا بعودة السعيد إلى الحكم وانتصاره لما سيمنحهم امتيازات أضافية لامتيازاتهم السابقة وأن آل الأستربادي والدكتور البصام من الذين أثروا في العهد الملكي والمنتفعين من وجوده،لذلك فأن أطماع هؤلاء لا توازي ما سيحصل عليه شاب من جائزة قد لا تكون هدفا له لقيامه بهذا العمل العظيم.

ولا يكتفي البصام بمغالطاته الكثيرة ومحاولاته إسباغ البطولة على نوري السعيد بالإدعاء أنه مات منتحرا بمسدسه على ما أخبره عند وجوده في كرادة مريم،فلو كان السعيد بطلا كما يحاول أن يصوره البصام لواجه القوة التي حاولت إلقاء القبض عليها وقاتلها وينتحر بآخر أطلاقة وهو الذي كان يحمل مسدسين وكأنه رنكو بطل أفلام رعاة البقر،وهذا هو الوقت المناسب لإظهار الشجاعة والبطولة التي يفتقر إليها هؤلاء الأذناب،ولما أرتدي الملابس النسائية التي لا تليق برجل أو زعيم بمقام نوري السعيد كان مالئ الدنيا وشاغل الناس ورجل بريطانيا الأول في المنطقة ولكن حياة الأبهة التي عاشها جعلته جبانا خائفا يلجأ إلى أخس الوسائل للخلاص وعدم مواجهة الموت ،ولعل حادثة انتحاره من الأمور المقصودة التي لجأ إليها أذناب النظام الملكي لإظهاره بمظهر البطل وإخفاء حقيقته المتهاونة،ومحاولة الإساءة لرجال الثورة عندما يورد أتباع الملكية رواية مختلقة بقيام الشهيد البطل وصفي طاهر أطلاق الرصاص عليه وهو ميت وأن يوردوا المثل الشعبي القديم (كتال سبع الميت) الذي يرجع تاريخه إلى بدايات الحكم الملكي على أنه أهزوجة رددتها الجماهير فيقول(.أرسل عبد الكريم قاسم وصفي طاهر المرافق السابق لنوري علي رأس المجموعة العسكرية حتى لا يلتبس الأمر علي الآخرين، وفجأة لمح نوري سيارة عسكرية في آخر الطريق وعندما نزل منها وصفي طاهر شخصيا للبحث عنه اتضح جليا بأنه جاء للقبض عليه وحينئذ ألح نوري علي النساء بتركه فأسرعت الخادمة بالفرار ولكن أم عبد الأمير ظلت ثابتة في مكانها بأمل أن وصفي ربما يحمي الباشا الذي قضي في خدمته عمرا كمرافق ولكن هيهات ويبدو إن نوري تذكر في تلك اللحظة ما حدث لسمو الأمير عبد الإله والتمثيل والتشنيع الذي أصاب جثته كما روتها الأخبار وبناءا علي ذلك رفضت نفسه الأبية للتعرض والتنكيل والاهانات حيا، فاخرج مسدسه من جعبته وافرغ ما فيه في صدره المكلوم، ولما وصل وصفي إلي مكان الحادث كان نوري علي وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة فصاحت له أم عبد الأمير مستنجدة بصوتها الجهوري : هذا باشتنا يا وصفي ، هذا أبوك وأبو الكل أنقذوه، وكان صوتها خشنا يشبه صوت الرجال فظن وصفي إنها رجل متنكر في ثياب امرأة فقضي عليها رأسا وكانت هذه هي نهاية أم عبد الأمير ولما أحس وصفي بان أنفاس نوري السعيد لم تتوقف تماما رغم غيبوبته اخرج الرشاش الذي كان يحمله واخذ يدك الرصاص في جثة كانت علي آخر رمق من الحياة بوحشية بالغة. لقد ادعي وصفي بفخر في الصحف والإذاعات فيما بعد بأنه الرجل الذي قبض علي نوري وصرعه. ولكن الأهازيج الشعبية التي سجلها التاريخ لقبت وصفي باستهزاء (قاتل السبع الميت) وأخذت تردد لعنة عليك سبع لعنة جتال السبع الميت ويقال إن وصفي اخذ الجثة إلى وزارة الدفاع وان عبد الكريم قاسم أمر بدفنها وبالفعل دفنت في المقبرة القريبة من السجن المركزي المواجهة لدائرة الطب العدلي ولكن بعض العناصر المأجورة نبشت القبر في اليوم الثاني وأخذت تسحل الجثة في مختلف شوارع بغداد الى أن أوصلتها الي منطقة الوزيرية بجوار السفارة المصرية)ولا أدري من أين لهذا الرواية هذا الوصف الدقيق لعملية القتل وما هي مصادر معلوماته وهو ليس من المشاركين فيه أو المشاهدين لها،وكيف له إنكار الروايات الأخرى التي أوردت مقتل نوري السعيد،وهل يصعب على قائد عسكري كبير كالعقيد وصفي طاهر قتل رجل وهو يحمل رشاشا،وهل من الغريب أن يقتل نوري السعيد برصاص المهاجمين أم أن رصاص الأسلحة لا يقتل المحصنين بالحي القيوم من أمثال السعيد،وأرجو من صاحب المذكرات أن يورد لنا المصدر الذي انتقى منه معلوماته عن هتافات الجماهير ،وأين هي الجماهير التي كانت تؤيد الحكم الملكي يوم تموز الخالد ،أليس من يؤيدون النظام هم الشيوخ وكبار الموظفين وجل هؤلاء أغلقوا بيوتهم واختبئوا في أوكارهم خشية ثورة الشعب الذي قاده الظلم الذي أحاق به إلى ممارسة عمليات غير سليمة في الانتقام من قتلته دفعه إليها حقده على العصابة التي أذاقته الويلات،وحكمته بالحديد والنار لعقود من السنين،ولا أدري كيف لكاتب ربما يدعي الوطنية هذه الأيام أو يدعي الجماهيرية والتأييد الشعبي أن يطلق على الجماهير كلمة (المأجورين) فالقائمين بسحل نوري السعيد وعبد الإله هي الجماهير العراقية دون أن يدفعها لذلك دافع غير الانتقام والانتقام هو مسرة الآلهة كما تقول الأساطير لذلك يكون للانتقام الشعبي بعده الوطني لأنه يمثل رأي الأكثرية والأكثرية لا يمكن أن تكون الأقلية المعزولة أفضل منها ،لذلك فالحكم الشعبي كان الفيصل في الانتقام وحبذا لو يكون جزاء جميع الحكام الدكتاتورين هكذا لأنه انتقام عادل يستند لحق مضاع.

وأكتفي بنقل هذا الخبر الذي نقله الكاتب عن عصمت السعيد وأناقشه على ضوء الواقع لأبين للقارئ الكذب الظاهر والدجل المفضوح يقول(ولما وصلت الجثة الي الميدان أراد قائد القوة العسكرية أن تسحق الجثة قبل اشتعالها فأمر سائق الدبابة بشراسة أن يسحقها، ولما تردد الرجل في التنفيذ هدده بالمسدس فرضخ للأمر وحرك الدبابة ولكن عندما ضغطت العجلات علي القسم الأسفل من الجثة انتصب القسم الأعلى فجأة بشكل مرعب ففزع السائق ووقع مغشيا عليه من فوق الدبابة.أما الجثة فقد تم إشعالها فيما بعد وعندما تفتت وخمدت النار جمع احد المارين ما تبقي من أشلاء بالية في كيس وحملها الي الكاظمية حيث دفنها الي جانب مقبرة السيد حسين السيد يونس حسبما ذكره عبد الهدي الجلبي فيما بعد حينما التقي بهذا الرجل).

أولا : أن العسكر كما هو معلوم ينفذ الأوامر الصادرة إليه ولا يمكن لعسكري مهما كان عصيانها وخصوصا في ساحة المعركة أو في مثل هذه الحالات الطارئة ومن الغريب الادعاء أن سائق الدبابة رفض أن يسحق جثة القتيل نوري السعيد فهدده الضابط بمسدسه، لأنه لا يوجد في الطبقات الدنيا من المجتمع أو العامة كما يقول عنها وعاظ السلاطين ونطلق عليها نحن الجماهير من يكون إلى جانب الملكية وخصوصا ساعات الثورة الأولى لأن جميع الطبقات الشعبية أو الغوغاء كما يسميهم البصام والملا صالح منحازين إلى الثورة والتغيير.

ثانيا :أما قوله “وعندما ضغطت العجلات على القسم الأسفل من الجثة انتصب القسم الأعلى فجأة بشكل مرعب ففزع السائق ووقع مغشيا عليه، وأود أن أوضح هنا للكاتب المحترم أن الدبابة فيها سرفة حديدية لا إطارات أو تايرات ،وأن الجثة لا يكن لها الانتصاب لأنها كانت في ذلك الوقت مهشمة لقيام الجماهير بسحلها وتقطيع الكثير من أجزائها ،وأما وقوع السائق مغشيا عليه فهل كان السائق واقفا على الدبابة فأغمي عليه أم جالسا خلف مقودها،وكان على الكاتب تبرير انتصاب الجثة بالادعاء أنه من أولياء الله الصالحين !!!أو المقربين من رب العالمين!!! أو من العشرة المبشرين!! أو من الأتقياء العابدين !! فيضفي على الأمر بعدا شعبيا وهو ما يوافق أراء الناس وتفكيرهم في أسباب حدوث الخوارق ولعل عدم معرفته بعادات العراقيين جعله يفتقر إلى تبرير لكذبه يكون مقبولا لدى ضعاف العقول.

أن ما ورد في المقال من أمور حرية بالنقاش والتدليل على اختلاقها ولأن الأمر يحتاج إلى أطالة اكتفيت بمداعبة بسيطة ولكني أتساءل ما هو الغرض من أيراد هذه المقالات هل هو تجميل صورة العهد الملكي أم غسل عاره وإعادة كتابة تاريخه وتحسينه،أو هو تمهيد للقول أن الجماهير دائما على ضلال لأنها غوغائية وأن القيادات العليا سماوية جعلها الله تتحكم بهؤلاء وأن على العباد طاعتها والرضوخ لأهوائها ،وهو تزيين للباطل وإضاعة للحقائق،وهل يتوقع هؤلاء أن الملكية ستعود إلى العراق ليعيدوا أمجادهم بسرقة أموال الشعب الذي أصبح ديدن الحكام في العراق ،والى متى يبقى الحاكم العراقي منزلا من السماء وشعبه يعيش بين الهوام ،وهل فلسفة الحكم العراقية أن يعيش الأقوياء على دماء الضعفاء ويسرق الأغنياء أقوات الفقراء ،ومتى يعي الشعب الحقائق ويعرف طبيعة الأشياء ويعلم أن هؤلاء لا يعنون بمصالحه بقدر عنايتهم بمكاسبهم وما سيحصلون عليه ،ومتى ينتبه لينتخب ويختار الأمناء الشرفاء من حملة الفكر الوطني وينبذ الدعاوى البغيضة التي يدعيها هؤلاء المرجفون،وهل سنشهد في القريب القادم تغييرا لصالح الشعب وترمى هذه النفايات خارج الحدود.