الرئيسية » مقالات » نجوم مضيئة في سماء الوطن

نجوم مضيئة في سماء الوطن

كثيرة تلك الوجوه التي تتعرف عليها في غربتك الطويلة وخاصة اذا طالت لعقود ثلاث مع التغيير في المحطات والمراسي، ولكن القليلة منها تلك التي تنطبع في القلب والذاكرة الى الابد.

كانت مدينة عدن محطتي الاولى في الغربة الطويلة- وجدت نفسي فيها ،وانا لم أفكرحتى بمغادرة مدينتي ،ربما لعشقي والتصاقي بالامكنة عند تعودي عليها حتى اشعر انها باتت جزء مني لا اريد مفارقتها ، فكيف ببغداد حيث الاهل والاصدقاء ومرابع الصبا والشباب. كانت أزقة عدن يومها تعج بمئات العراقيين (فجأة دون سابق أنذار) ممن لم يجدوا لهم ملاذاً من بطش الطاغية سوى في هذا البلد العربي البعيد على حافة الخليج – والذي كان قد تحول بفضل ابناءه الثوار وتجربتهم النادرة الفريدة (التي للاسف لم يكتب لها العمر الطويل نتيجة تأمرالجيران وسذاجة الاخوان؟؟!!) الى مركز لحركات التحرر.

كان لقائنا في عدن اوائل عام 1979، عرفتها بصراحتها ووضوحها وببساطتها منذ اللحظة الاولى ، قالت لي ضاحكة اخذنا عنك نظرة مخالفة لما عن الحقيقة ، كنا نراك من بعيد ، لا تحبين الاختلاط  فلقبناك ب”البرجوازية” ، ضحكنا معاً ذلك اليوم ، كما لم افعل منذ مغادرتي الوطن ؟؟؟!!!
كان لقائنا ذاك بداية لصداقة فريدة عميقة وخاصة مع استمرارنا في السكن في نفس الفندق ومن ثم انتقالنا للسكن المشترك. انجذبت لها لعفويتها وصدقها وروحها المرحة ، لم تكن تفارقها النكتة في احلك الضروف وأقساها،

عرفت انها من السماوة ولدت وترعرعت فيها في كنف أخوالها بعد ان رحل والدها مبكراً وفي ضروف صعبة لم يتقبلها ابنائه ، كان الوالد قد ذهب للعمل في الكويت كحال الكثيرين من ابناء الجنوب ، مع تأسيس دولة الكويت ، وعاد في نعش (تابوت) الى عائلته، تلك الفرقة المبكرة للاب وهي طفلة أثر كثيراً في نفسيتها ، وكان يعمق من احساسها بالغربة وربما بالذنب تجاه اسرتها ، لانها و رغم تفوقها الدراسي ، ارتضت لنفسها ان تلتحق بمعهد المعلمات لتختصر الطريق ، وتتولى رعاية اهلها مبكراً . كانت قد اضافت الى عاتقها تربية ابنة خالتها الصغيرة – والتي كانت شديدة التعلق بها و دائمة الاشتياق لها – لم تصدق يوم استلمت صورة من اهلها –والتي اصبحت سلوتها الوحيدة، كانت تخاطب كل من في الصورة في صباحاتها كأول عمل تقوم به ، وكذلك قبل ان تخلد الى النوم.

تعرف اليها زوجها ، في مقر الحزب في السماوة فأعجب بها ، لم تستطع الرفض عندما تقدم لخطبتها ، لانها تصورت انه أمر حزبي ؟؟؟!!! او هكذا كانت تتندر ، أنتظرت مولودها كثيراً ، لعله يضئ حياتها ، ولكن القدر كان قاسياً عليها مجدداً – اصيب وليدها بمرض مفاجأ بعد ولادته لم يمهله طويلاً– لا يمكن وصف معاناتها – وهي تراه يرحل عنها رويداً رويداً..

تلك المعانات خلقت منها انسانة جادة قوية طيبة القلب رقيقة، كما كانت مبدعة في عملها ، احبها جميع زملائها وزميلاتها في المدرسة حيث كانت تعمل وكذلك طلبتها واولياء امورهم. كانت مثالاً للألتزام . كما ساهمنا معاً في فتح مراكز لتعليم الكبار، فيما كان يتبقى لنا من وقت فراغ وفاءاً لشعب استقبلنا كأبنائه.

من المواقف التي لا تنسى – حضر الى عدن المفكر اللبناني الشهيد حسين مروة – ولدى تذكره العراق ومدينة النجف حيث تتلمذ وتخرج من مدارسها ، لم يكن لنا بد سوى ان نعيد له بعض من ذكرى تلك الايام ، فوجهنا له دعوة للغداء – في فندق لا يسمح لنا فيه بالطبخ – فتركنا الامر لها – فلا نعلم كيف تحايلت على عمال المطعم واقنعتهم بالسماح لنا ، ولحظات وجدناها قد عادت الينا بادوات الطبخ وموادها ، لنقوم بواجب العزيمة ونحن نطبخ في شرفة غرفة في فندق 5 نجوم؟؟؟ ولا يمكن ان ننسى كيف ادخلنا السرور الى قلب مضيفنا الذي ذاق ( القيمة والفسنجون) النجفية بعد هذه السنين الطوال؟

والموقف الاخر – كانوا قد قرروا الانتقال لمسكن جديد ، وجاءت لحظات الوداع ، تعانقنا معاً والدموع تغمرنا – كأننا لا نريد الافتراق – استمر عناقنا طويلاً – حتى تحامل الأزواج علينا – مستنكرين فعلتنا – لانها سوف لا تبتعد كثيراً ، ولا بد ستكون هناك زيارات متبادلة – ولكن يبدوا ان حدسنا كان هو الاقوى – فكان الوداع الاخير الذي لم يأتي بعده اي لقاء؟؟؟

في أوائل الثمانينيات كانت العودة المعاكسة لارض الوطن ، في أوجها وخاصة للشباب غير المتزوج او العوائل دون أطفال ،كانت تلتحق بحركة الانصار ، بعد تهيئة لبضعة شهور تحت سرية تامة ، ذات مساء استلمت منها بضع كلمات وداع مع اعتذار اودعتها مع زوجي لانها لا تتمكن من زيارتي لضيق الوقت ولانها ذاهبة بمهمة سرية ؟؟؟!!!

انتظرت أخبارك طويلاً أيتها الغالية .. عرفت انك ستكونين نصيرة رائعة وانت تتمتعين بخصال نادرة من نكران الذات مع ذكاء متقد ونشاط وحيوية و أيمان كامل بمبادئك – لم يكن غريباً ان تصبحي آمرة لحضيرة النصيرات مع وصولك لقاعدة بهدنان عام 1981، ولا أن تدرسي في المدرسة الحزبية في بشت آشان وانت خلقت لتلك المهمة النبيلة منح الغير علموك، ولا ان تعملي بمهمات حزبية خاصة في قاطع السليمانية، وانت صندوق سر أمين، ولا ان تلتحقي بتنظيم الحزب في الداخل ، وانت التواقة للعيش بين الجماهير. ولكن ما لم انتظره اني سأعرف بعد سنين وبالصدفة خبر استشهادك- كنت اعلم انك ستعملين جاهدة لتعودي الى احضان وطن احببته بعشق. ولكن ما لم افكر به رغم علمنا ببطش الطاغية وحكمه وازلامه، ان خيانة ووشاية ستدفعك الى ان تضحي بحياتك وانت في عنفوان ربيعك السابع والعشرين من اجل استمرار حياة الاخرين .. لم ترتضي ان تقعي فريسة سهلة ، بايدي اوغاد وجلاوزة المخابرات البعثية ، وانما وبشجاعتك المعهودة لم ترجف لك يداً وانت تتناولين قنينة ( النفط) و اعواد الثقاب ، لتشعلي النيران في ما تحملينه من وثائق وأسرار، و في نفسك ايظا وهو اعز ما يملك الانسان ( والجود بالنفس اسمى غاية الجودِ ).

في مثل هذا اليوم من عام 1983، كان حبيبك ورفيق دربك ، ينتظر وصولك ، لكن دون جدوى فقد وصل الخبر المفجع ، ان بشرى– سوف لن تعود – فلم يرتضي لليوم انك سوف لن تعودين – فأنه ما زال ينتظر ..

فالف تحية لك ولذكراك يا أروع الصديقات – ضحكتك ما زالت ترن في اسماعي ، وكذلك ذلك النشيج وتلك الدموع التي ودعنا به بعضنا في آخر لقاء؟؟؟

ذكراك خالدة في نفوسنا ونفوس من وعرفوك واحبوك – ذكراك شاخصة في ذرى كوردستان – كما تسأل عنك سهول الجنوب- ونخيل السماوة، تسأل عنك بغداد بكاظميتها – حيث رحلتِ من أزقتها الضيقة في هذا الشهر من عام 1983.

د. منيرة أميد
27 تشرين الثاني 2008