الرئيسية » نشاطات الفيلية » حوار مجلة آراء مع الاستاذ الدكتور سيّار الجميل حول الثقافة والمثقفين

حوار مجلة آراء مع الاستاذ الدكتور سيّار الجميل حول الثقافة والمثقفين

سيّار الجميل يقول :

ـ اسوأ مرحلة سحق فيها المثقف( العراقي ) كانت في الثمانينيات من القرن الماضـــي!..

ـ الاحزاب هي التي تأكل المثقفين الحقيقيين ..

ـ ان المثقف هو من يخدم مجتمعات الانسان لا ان يخدم سياسات انظمة او احزاب..

ـ الثقافة كلما كانت جديدة واصيلة ازدادت قيمة صاحبها المثقف بين الناس..

ـ المثقف : ان يبدع في احترافه للاشياء ، وفي مهاراته ، وفي كتاباته ، وفي افكاره ، وفي اسلوب حياته.

ـ المثقف الحقيقي له ثقافة، وهي مكانة وقدرة وليست صنفاً او سلاحاً !

ـ وكما اكرر دائما بأن لنا في العراق صورة من خطين متباعدين ولكنهما يتوازيان منذ الاف السنين: خط سياسي مغرق بالدماء والاحتضار ، وخط حضاري بالغ الروعة والازدهار .

ـ ان الوعي لدى الناس لا تصنعه الاذاعات ولا الفضائيات ، بقدر ما تصنعه النخب وابداعاتها وافكارها.

ـ النخب المثقفة هي التي يستلزم ان تقف في المجتمع العراقي على رأس المجتمع وفي قيادته نحو الافضل.. في حين يجعلونها في الدرك الاسفل من الدولة كي لا تتنفس ولا تتحرك..
ـ اما اليوم ، فان المثقف العراقي يتشظى وهو يتآكل من دواخله الصعبة ، ويعاني ويكابد كثيرا ، ولكن ينبغي ان يتصدّى للتحديات مهما كبر شأنها .. لقد اصيبت الثقافة العراقية في الصميم نتيجة التناقضات الجديدة التي ولدت بعد العام 2003.


أجرى الحوار / هيئة تحرير مجلة آراء

19 / 11 / 2008

تقديم

عالم الثقافة والمثقفين عالم شاسع والحديث عن الثقافة حديث ذو شجون ففي عالمها بنيت حضارات وبمعاولها هدمت قيما ودمرت اوطانا منها كانت مصادر خير ورخاء بنت النفوس ومنها زرعت الشر لتتحول الى اداة موت وفناء فما حصل في العراق كانت نتيجة ترسيخ ثقافة الحرب والموت والمحصلة كانت صراع قوميات ومذاهب واديان . فحول الثقافة كمفهوم يدل على الفولكلور والشعر والادب الى الثقافة كهوية شعب ضمن فترات تاريخية كانت لنا سياحة مع مفكر كرس حياته لخدمة اكسير يسمى ” الثقافة ” انه الاستاذ الدكتور سيار الجميل…


س: ما رأيك أن قلنا فكر المثقف أرض خصبة يتقبل أكثر من غيره الأفكار فتنال ثمارها الرضا والاستحسان فيما لو يجيد تسويقها ؟


ج: مثلما فكر المثقف ارض خصبة تتقبل الافكار، فمن الضروري ان يجيد المثقف تسويقها، والا انه لم يعد مثقفاً ! المثقف حزمة ابداع وديمومة عطاء واداة خلق .. لا يمكن ان يكون كذلك من دون امتلاكه الاداة الفعالة للتفاعل.. انه يأخذ وعليه ان يعطي.. كل من يأخذ ولا يعطي، فهو ليس بمثقف حقيقي او بمثقف عضوي.. المثقف وجوده كله من أجل الآخرين، لا من أجل نفسه او ذاته. المثقف لا اعرفه ابدا مهما اغترف وأخذ، ولكنني افرزه من بين المئات او الالآف من خلال ما يمنحه لي وللمجتمع وللعالم كله. الارض الخصبة، لا يمكنها ان تكون كذلك ان لم تتوفر فيها عناصر اساسية، كي تقوم بمهمة الانتاج، فهي ارض معطاء لا يستغني عنها الانسان. وكما يحتاج الناس الى ان تطمعهم الارض الخصبة، فهم يبحثون عن مثقف حقيقي من بينهم كي يمنحهم ما يحتاجونه منه. ان المثقف هو الذي يحمل هموم مجتمعه كي يقدم اليه ما يراه مناسبا من نصوص وافكار واشعار وخطاب واساليب ومناهج وابداعات.. وكلما كانت جديدة واصيلة ازدادت قيمة المثقف بين الناس..


س: كيف ترى الثقافة.. سلاح ذو حدين أم ذو حدٍ واحد ؟


ج: انها مسألة نسبية تتحمل صورة هنا في بيئة معينة، وتتحمل صورة من نوع آخر في بيئة اخرى.. وهكذا. انني اعتقد ان الثقافة بمعناها الواسع هي السلاح الذي له حد واحد عندما تعطي للثقافة قيمتها، ويشعر المثقف انه الأهم والمهم في آن واحد، ليس في المجتمع وحده، بل في الدولة ومؤسساتها.. ولكن عندما ينظر للثقافة والمثقف نظرة عادية تختلف العملية هنا رأسا على عقب.. الشئ الاساس الذي يغيب عن الرؤية عند العرب اليوم ، منحهم صفة المثقف لكل من هبّ ودبّ، فالمثقف غير المتعلم وغير المختص وغير السياسي وغير وغير .. انه يحمل مهمة كبيرة، وهو خزين هائل ليس من المعلومات وحدها، بل له القدرة على الابداع.. ان يبدع في احترافه للاشياء وفي مهاراته وفي كتاباته وفي افكاره وفي اسلوب حياته. المثقف الحقيقي له ثقافة، وهي مكانة وقدرة وليست صنفاً او سلاحاً !


س: ماذا تقول إن قلنا أن ثقافة المجتمع تعني الهوية لأنها تحوي على الحالة الفكرية العلمية وطبيعة العلاقات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والمعتقدات وقابلة للتأثير والتأثر؟


ج: هذه مسألة عالجتها في اكثر من مكان، فالثقافة التي تقصدها في سؤالك هذا هي ليست الثقافة التي تحدثت عنها في السؤالين السابقين. انها ازمة مصطلحات وتعابير في عربيتنا ولغات اخرى. الثقافة عند النخب المثقفة هي غير ثقافة المجتمعات. الاخيرة هي (الكالجر) وما يتميز اي مجتمع بثقافة معينة تخص اسلوب حياة الناس وعاداتهم وتقاليدهم وفولكلورهم واغانيهم واكلاتهم والبستهم وموسيقاهم.. هذه هي ثقافة اي مجتمع يختلف عن الاخر، ومنها تلتصق هوية كل بيئة ثقافية او بلد معين بطابع ثقافته القابلة للتغير والتغيير.. ولكن ثقافة النخب هي اساليبهم وافكارهم وابداعهم ونصوصهم وخطابهم .. الخ


س: المثقف هو من يقوم بتفعيل الثقافة بمعناها الإنساني، إلى اي حد ترى الأحزاب تـُفعِل الثقافة بمعناها الإنساني ؟


ج: هناك انواع من المثقفين، اقصد النخب المثقفة، على العموم، المثقف انسان او مواطن حر لا يتحزّب سياسيا، ولكن ثمة مثقفين قد تحزبوا وتخندقوا، فاما تجدهم مثقفي سلطة او مثقفي معارضة ! على العموم، انا لا اجد هناك اي ضرورة لتحزب اي مثقف، اي ان مجرد تحزبه اي بمعنى تخندقه مع هذا او ذاك.. واذا تخندق المثقف اصبح اداة سياسية يستخدمه الحزب او السلطة او المؤسسة.. والمعروف ان المثقف هو من يخدم مجتمعات الانسان لا ان يخدم سياسات انظمة او احزاب.. انني اعتقد بأن المثقف متى ما تحّزب انتهى كمثقف واصبح برجل سياسة! وعليه، فان الاحزاب هي التي تأكل المثقفين الحقيقيين، ولا يمكنها ان تفعّل الثقافة لا بمعناها المحلي ولا الانساني.


س: تأريخ العراق الحديث مر بمراحل، في أية مرحلة منها حـُجـِمَ المثقف ؟


ج: ان ذروة ما وصل اليه المثقف العراقي هي التي تقف عند منتصف الخمسينيات من القرن الماضي .. وان اسوأ مرحلة سحق فيها المثقف ولم يحجّم فقط هي في الثمانينيات من القرن العشرين وقد سبقها عقد من السنين الصعبة واعقبتها عشر سنين من السنوات الاصعب . اما اليوم ، فان المثقف العراقي يتشظى وهو يتآكل من دواخله الصعبة ، ويعاني ويكابد كثيرا ، ولكن ينبغي ان يتصدّى للتحديات مهما كبر شأنها .. لقد اصيبت الثقافة العراقية في الصميم نتيجة التناقضات الجديدة التي ولدت بعد العام 2003.


س: التلوين الإثني الذي يمتاز به بلدنا، الى أي حد ساهم بتزيين الثقافة العراقية وبالعكس، وهل لدينا تأريخ يجمع خصوصيات وعموميات الطيف العراقي؟


ج: ساهم بذلك الى حد كبير.. صحيح ان الثقافة العراقية هي عربية كتابة ونشرا وتحريرا وتعبيرا وخطابا ومقول قول.. اذ ان اللغات الاخرى محلية منها من لا يخرج عن نطاق اقليم او محافظة كالكوردية المنقسمة على نفسها الى قسمين : بهديناني وسوراني.. وهناك التركمانية التي لم تجد نفسها الا منحسرة في بيوت واسواق بلدات معينة.. والآرامية القديمة التي لا تجد انفاسها الا في كنائس معينة ايام الآحاد وبعض القرى في سهل نينوى وجبال كوردستان.. وعليه ، فان المثقف العراقي مهما كان انتماؤه فثقافته وابداعه واضح في مدى نجاحه بالعربية. فالعربية في العراق هي الام الجامعة لكل الالوان والاطياف. ان ميزة ثقافة العراق هي في هذه الفسيفساء التي تضم خصوصيات مختلفة.. افكار متنوعة.. اجواء وفضاءات ملونة.. ادوات تعبير متداخلة.. ان الاثنيات العراقية قد نجحت نجاحاً باهراً في تشكيل لوحة عراقية ثقافية رائعة، ولكنها فشلت فشلا ذريعا في مجرد تأسيس لوحة عراقية سياسية متواضعة.. وكما اكرر دائما بأن لنا في العراق صورة من خطين متباعدين ولكنهما يتوازيان منذ الاف السنين: خط سياسي مغرق بالدماء والاحتضار وخط حضاري بالغ الروعة والازدهار .


س: لكل شريحة معاناة، ما هي معاناة النخبة المثقفة العراقية وهل شيخوخة الفكر واحدة منها ؟


ج: النخبة العراقية المثقفة تعامي دوما من الجحود والاهمال.. تعاني من التهميش والقسوة.. هذه النخبة ليست صاحبة تفكير قاصر كثلة من الضباط الانقلابيين، او مجموعة من الحزبيين في وكر من اوكار الهزيمة.. هذه النخبة ليست فريقا من فرق القتل والموت.. هذه النخبة ليست مليشيا دولة او احزاب.. النخب المثقفة هي التي يستلزم ان تقف في المجتمع العراقي على رأس المجتمع وفي قيادته نحو الافضل.. في حين يجعلونها في الدرك الاسفل من الدولة كي لا تتنفس ولا تتحرك.. ان الوعي لدى الناس لا تصنعه الاذاعات ولا الفضائيات ، بقدر ما تصنعه النخب وابداعاتها وافكارها.. ان معاناة النخب العراقية المثقفة كبيرة كونها تختلف عن بقية النخب الاخرى، وثانيا، لأنها تجد نفسها دوما منسحقة من جراء الفاقة والحاجة والهجرة والصمت وكلما ازداد وعيها وتقدم اعضائها بالسن، كلما زادت مكابداتها وفجائعها التي لا يمكن لأحد تخيلها.


س: كتاباتك الكثيرة فيها مساحة كبيرة تتناول ستراتيجيات تفكير العرب والمسلمين، ماهي إشكالية هذا التفكير وآليات التغيير في عراقنا اليوم ؟


ج: نحن العراقيين حالنا حال غيرنا من مجتمعات الشرق الاوسط.. ربما تقدمنا عنهم خطوات في بعض الفترات وربما تأخرنا عنهم في فترات اخرى .. ولكنني ارى ان الاستراتيجيات واحدة ، ولا تختلف الا في التفاصيل التي هي بامس الحاجة الى تدابير وتكتيكات من اجل تأسيس تاريخي جديد. انني اعتقد ان المساحة الكبيرة التي تجدونها في كتاباتي هي التي كنت وراء صنعها وبنفسي، اذ لم أكن صنيعة لأي احد ، ولم يكن هناك اي دور لأي مؤسسة علمية، او فريق عمل، او حتى سلطة مؤسسة او حكومة او دولة من وراء هذا الانجاز.. وبالتالي لم يصنعني احد، بل كنت وراء صناعة هذا كله .. انه ليس كتابات كثيرة، بل جملة معتبرة وصعبة من الافكار والمشروعات والرؤى والنقدات والاستحداثات ونحت مصطلحات راجت اليوم.. انك تسألني عن اشكالية هذا التفكير، فاقول ان اشكاليات متنوعة ومتعددة نجحت ـ وبتواضع كبير ـ ان اثيرها في الثقافة العربية المعاصرة، وطالبت بالتأمل فيها، ومنها: فلسفة ” الاشكالية ” ومصطلحها نفسه، و” الازدواجية ” في مفهوم الثقافة، و ” التناقضات والمركبات الاجتماعية ” ، ودراسة ” التكوين التاريخي الحديث “، وايضا دراسة ” البقايا والجذور ” ، و ” ثلاثية المجتمع العراقي ” ، وفكرة ” الدواخل والاطراف ” في دراسة تواريخنا.. ونظرية ” سلاسل الاجيال” ( او المجايلة).. وصولا الى ما اثرته بصدد الجغرافية الثقافية للعراق الحديث، ونظرية ” الابعاد الاربعة” ودور نهر دجلة.. الخ

ان ما تسألني عنه بصدد آليات التغيير في عراقنا اليوم، فهذا موضوع آخر لا علاقة له بما تحدثت عنه. ان آليات التغيير في العراق لا يمكنها ان تعمل في ظل احزاب ومجموعات دينية، فهي بحاجة الى مناخات مدنية صرفة.. وهي بحاجة الى فضاء وطني صرف تتنوع فيه الافكار، ويزاول فيه الوعي، وتمارس فيه الحريات في ظل القانون والنظام.. ان آليات التغيير في العراق بحاجة ماسة الى افراغ البلاد من السلاح ومن المرتزقة ومن كل المليشيات والجماعات المسلحة.. انك ان سعيت ، كي تجعل العراق مدني وهادئ، فقد خلقت الظروف المناسبة لبدء حركات اجتماعية وابداعات ثقافية واساليب حضارية.. ان استطعت ان تخلص العراق من اية مشكلات سياسية واثنية وطائفية وقومية.. الخ، فان آليات التغيير ستبدأ تعمل من جديد في ظل ظروف مسالمة وآمنة وطبيعية..


س: أنت حائز على جائزة أفضل كاتب بالشأن العراقي، هناك من يقول أن الكثير يتكلمون عن العراق والقليل هم من يدركون واقعه، الى أي حد ترى صحة لهذا الرأي ؟


ج: نعم، صدقت، ان القليلين هم الذين يدركون واقع العراق ومأساة العراق.. لقد تراكمت عشرات بل مئات الاسماء للكتابة والتحدث باسم العراق عن العراق، ولكن قلما تجد كّتاب احتراف من العراقيين. ان الكتابة وكتابة المواقف السياسية هي مسموح بها كتعبير عن وجهات نظر، وصياغة رأي عام، ولكن اختلط الحابل بالنابل في معالجة الشأن العراقي، وتظهر علينا كل يوم عشرات المقالات الركيكة، وقسم منها يفت في عضد الوطنية العراقية، وقسم منها ليس له الا السباب والشتائم التي يرددها بعض المسؤولين العراقيين ايضا.. وليكن معلوما، ان ليس من الاهمية بمكان ان تكون قابعا في العراق، ولا تعرف ما الذي يجري في اقرب قرية مؤهولة بالسكان والمشاكل.. في حين، ان من يمتلك الاحتراف له القدرة على التغلغل في الحدث، اذ يطّل على المشهد عموديا من فوق على عكس ما يراه الجالس في قلب العراق وهو بعيد جدا عن كل ما يحدث فيه وفي افقه القريب او البعيد .



هيئة تحرير مجلة آراء

مؤسسة شفق