الرئيسية » مقالات » شهادات تأبى النسيان

شهادات تأبى النسيان

سمعت بالحادث عندما كنت اتناول الشاي عند بائع متجول في مدخل سوق الاستربادي المقابل لباب القبلة لصحن الامامين الكاظمين . كنا نقف بجانب مكتب ” الحملدار ” حجي سوادي في بداية السوق , و” الحملدار” هو من ينظم السفرات الدينية للاماكن المقدسة , احد المارين نادى الحاج سوادي واخبره : شب حريق في احد دور الكاظمية وماتت فيه امرأة لم يستطيعوا تخليصها . سوق الاستربادي السوق الاهم في الكاظمية , والزائر يجد فيه كل ما يريد , والكثير منهم لابد ان يتسوقوا من سوق الاستربادي , وبعضهم يأتي للتسوق منه اساسا ثم يكملها بالزيارة .

كانت الكاظمية عبر تاريخها الحديث احدى القواعد الرئيسية للفكر التقدمي واحد معاقل الحزب الشيوعي , لذلك ركز عليها النظام الصدامي واذاقها الكثير من المآسي . بعد اجتيازي للسوق , وعند نهايته المطلة على كراج بلد والشارع المتوجه الى مدينة الشعلة التقيت بصاحبي عبد الوهاب , وهو مقاول بناء ثانوي , ترك العمل في الحزب الشيوعي عام 1973 بسبب الخلاف حول اقامة الجبهة مع البعثيين , حيث وجدها مبرراً معقولا لاقناع نفسه واقناع الآخرين بتركه العمل التنظيمي . ويذكرني بالعديد من الشيوعيين الذين تركوا العمل الحزبي ايضاً عند انشقاق ” القيادة المركزية” في نهاية ستينات القرن الماضي , فقد وجدها بعضهم الفرصة السانحة لتمثل الترفع عن الصراعات الحزبية , رغم ان بعضهم الآخر كان صادقاً فيها . وعبد الوهاب رغم علم البعثيين بتركه العمل الحزبي قبل عدة سنوات , الا انه لم يسلم من استجوابه في الامن واخذ التعهد منه بالتوقيع على الاعدام في حالة عودته لممارسة العمل الشيوعي في حملة البعث الدموية على الشيوعيين عام 1979 .

اخبرني عبد الوهاب بأن الحريق الذي شب في احد المنازل اليوم يعود لعائلة طيبة ( شيوعية ) طوقت من قبل الامن , ويمكن ان يكون الامن احرق البيت لزيادة ارهاب الآخرين . وهل توجد عائلة ( طيبة ) لم تتمزق لحد الآن ؟! لقد حولوا البعث ومنظماته (الجماهيرية) من طلبة وشباب ونساء وعمال الى مخبرين في خدمة اجهزتهم الامنية , وعندما استنفذوا عمل المراقبة للعوائل الشيوعية , اعادوا الكرّة مرات ومرات في استدعائهم , واستخدام مختلف الاساليب لمعرفة اخبار ابنائهم الذين تمكنوا من الافلات من عجلتهم الدموية , وباتوا يشكلون خطراً على نظامهم الذي تورط في الحرب مع ايران , سواء في حركة الانصار في شمال العراق او في الخيوط التنظيمية التي تمكن الحزب الشيوعي من اعادت بعضها في المدن العراقية المختلفة, وقد نجحوا في كشف بعضها نتيجة بعض الاندساسات . كان الصراع شديد الضراوة بين سلطة لا تعرف غير التصفية الدموية لكل من يعارضها , وبين المعارضة التي جردت من ارضية عملها , واصبحت العقوبة تطال القريب من الدرجة الرابعة , وتحول المجتمع الى بؤر للوشايات . وكان علينا نحن المختفين عن اعين السلطة ان نتحول الى كتلة آذان , وعيون , وتوجس , وقلق من المبيت ليلة اخرى في نفس المكان . يا الهي , كم تعذب هذا الشعب واهين , وتحول عنده مجرد البقاء الى كسب يحسده المعذبون والاموات عليه .

الغريب ان الكثير من العراقيين نسوا حجم الخراب والدمار الذي لحق بهم . والاغرب , اني وجدت شابين استطاعا ان يسجلا لوالدهم المدرس شريطاً يتهجم فيه على صدام , وسلماه الى الامن . كان هذا قبل الاجتياح الامريكي واسقاط نظام صدام بفترة قصيرة , وبالتحديد نهاية عام 2001 . وبعد اسبوع اعادوه اليهم جثة هامدة , ومنعوهم من اقامة الفاتحة بأعتباره خائناً . وبعد اسقاط النظام تمكنا من الانتماء لاحد الاحزاب الشيعية التي تقود السلطة , وحصلا على كل التعويضات التي اقرت لانصاف عوائل الشهداء عن والدهم الشهيد .

الكثير من الاقرباء يبحثون اليوم عن مقتبسات الحكم التي صدرت بحق اقربائهم الفارين والمعدومين – ولغاية الدرجة الرابعة ايضاً – للاستفادة منها في التعويضات والتفضيل على غيرهم في التعيينات الحكومية بعد ان كان بعضهم هم المطاردون لهؤلاء الاقرباء , واذاقوهم واذاقوا عوائلهم مر الهوان . والانكى ان بعض هؤلاء الاقرباء حصلوا على ( حقوقهم ) كونهم اقرباء ضحايا بمساعدة تزكيات بعض الاحزاب المتنفذة , والضحايا وعوائلهم لم يحصلوا على اي تعويض . لا بل لا يزال قسم منهم لم يتمكنوا من استعادة جنسياتهم وشهادة الجنسية وباقي الاوراق الثبوتية الاخرى لحد الآن . ومن هؤلاء قسم كبير من الانصار الشيوعيين الذين توجهو الى منافيهم في مختلف اقطار المعمورة بعد انتهاء سنوات نضالهم في صفوف البيشمركَة , ليكمل اغلبهم في هذا العام ثلاثين عاما بالتمام والكمال .

اخبرني عبد الوهاب في اليوم الثاني , ان العائلة المنكوبة بالحريق لم تكن معروفة بأنتماءآت اخرى معادية للسلطة , ولديها طالب اعدادية في الاتحاد الوطني , واخوهم الكبير صاحب متجر في السوق يبيع فيه انواع الشموع والبخور والتوابل . كان عندهم ضيفة من اقربائهم جاءت للعلاج من محافظة اخرى , وهي التي حوصرت بالنيران التي شبت في المطبخ واودت بحياتها . الا ان العائلة بالكامل اخذها الامن بعد اخماد النيران . هذا ما اخبرته به شقيقته التي تسكن في ذات الشارع .

كان عليّ العودة بعد اسبوع الى الاراضي المحررة في كردستان , وكلما اقترب الموعد تزداد حدة المشاعر والتوتر المرافق لها . فمن ناحية سأودع القلق والتحفز المتواصل , والانتباه لكل صغيرة وكبيرة كي لا اقع فريسة بأيدي السلطة , سأودع النظرات الذئبية الحاقدة التي تريد الايقاع بك , وبالذات من بعض الذين كانوا شيوعيين وتعاونوا مع السلطة بالكامل . سأنام ملئ العين تحت رعاية الرفاق والانصار , سأفترش الحنان والرفقة الحقيقية , ومع كل هذا النعيم سأتوسد سلاحي الشخصي ” الكلاشنكوف” الحبيبة . ومن ناحية أخرى تكثيف الحركة لمعاينة نقاط الارتكاز التي ستتركها , ورغم قلتها الا ان بعضها كان يتطلب السفر الى مدن اخرى . اضافة لمخاطر العبور وكثرة السيطرات الحكومية , وبالذات الجحوش الذين كان بعضهم بيشمركَة كردية ويعرفوننا بالوجوه , وهذه السيطرات منتشرة على طول الطرق الموصلة للمناطق المحررة . وفي بعض الاحيان كان العبور اشبه بلعبة القمار , حيث لا يوجد اي شئ مضمون .

كان العراق يغلي في بداية عام 1984 , وكالعادة طلب الرفاق مني بعد وصولي بيومين لمقر قاطع السليمانية ان ادون كل الملاحظات والمشاهد كي ترسل الى مجلة ” رسالة العراق ” لنشرها , وهي المجلة التي يصدرها الحزب في الخارج . طلبت من الرفاق الانتقال الى مقر فرعي “هزارستون” كونه اكثر هدوءا من مقر القاطع. كانت الاحداث كثيرة , واهم ما فيها هو كيفية توضيح انعكاس هزيمة الجيش العراقي الكبيرة في معركة الشوش , وما تركته من تراكمات انعكست في محاولات انقلاب حقيقية قام بها بعض الضباط انتقاماً لعار الهزيمة وللذل الذي وقعت فيه القطعات العراقية , والخسائر الكبيرة بالمعارك مع الايرانيين ومع فرق الاعدام التي نشرها صدام خلف القطعات وعلى طول الحدود , وبين محاولات انقلابية غير حقيقية روج لها النظام وبث الدعاية عنها لتخلق قناعة بعدم وجود اية امكانية لقلب النظام .

بعد ثمان ساعات من السير على الاقدام وصلنا مقر”هزارستون” , كان الرفيق والصديق ابوذكرى اول من شاهدت ومن مسافة ليست بالقصيرة , كان يجلس على حجرة يتابع من القادم في الطريق , كان ينتظر زوجته وهي تعمل في منظمات الداخل ايضاً . كان يتوقع قدومها معي ان لم يكن قبل ايام , سألني عنها رغم معرفته باننا لا نعمل في منظمة واحدة , هي في الفرات الاوسط وانا في الوسطى , لكن شوقه اليها هو الذي غلف السؤال , واعاد السؤال ثانية بعد ان ردد احدى اهازيجه الجميلة : يعني ما شفته للاسمر ؟ كانت ام ذكرى متوسطة الطول , مربوعة بعض الشئ , وذات بشرة سمراء صافية واقرب للون الحنطي , وبياض عينيها المتألق حتى ان ابو ذكرى كان دائما يردد بيت الشعر : عيون المها بين الرصافة والجسر . ابو ذكرى وام ذكرى من السماوة , وليس لديهم اطفال حالهم حال اغلب عوائل البيشمركَة , كان الرفاق يحسدون ابو ذكرى على هذه الانسانة الرائعة , لم تسئ لاحد , وطيلة وجودها في المقرات تساعد الرفاق الخفر يومياً في اعداد الطعام وغسل الصحون , كانت اكثر من اخت لكل الموجودين , وغيابها في الداخل كان واضحا في الفراغ الذي تركته في المقر وفي حياة ابو ذكرى الذي يذكرهم بها طيلة الوقت.

بعد خمسة ايام على وصولي جاء احد الرفاق المسؤولين وانفرد بابو ذكرى وطلب منه الذهاب الى المقر الرئيسي للحزب في لولان . عرفنا بعد ذهاب ابو ذكرى ان التي استشهدت في البيت الذي اخبرتهم عن احتراقه في الكاظمية كانت الشهيدة ام ذكرى ( بشرى صالح ) , وهي التي سكبت النفط على نفسها واشعلت النار فيها وفي البريد الحزبي الذي كان معها بعد ان تأكدت بانها لن تفلت من ايدي الوحوش الذين طوقوا البيت . ارسلوا في طلب ابو ذكرى كي يخبروه ويواسوه في قيادة الحزب . كانت خسارة كبيرة لكل الرفاق ولكل من عرفها , ولزوجها ( ناظم عبد الملك ) الذي لم يرغب بالزواج بعدها مرّة اخرى .

الألم في البيشمركَة يكون مضاعفا نتيجة الحميمية التي يرتبط بها الجميع , ونتيجة هذه الحميمية والعيش المشترك تتوضح التفاصيل الصغيرة للتكوينات الشخصية . ولعل ابرز المتضررين من العيش المشترك بعض القياديين في الحزب , حيث تنكشف النزعات الفردية , والامكانيات البسيطة والمحدودة التي غلفها سلم الدرجات الحزبية , واستمرت تدعي بصحة تفسيراتها حتى بعد الانكشاف المر للواقع . وبالمناسبة حصلت منذ شهرين على كتاب مذكرات ابوتانيا (عدنان عباس) . ولما كنت اكن له المودة فقد كنت متشوقا لقراءة مذكراته , واكثر ما شد انتباهي هو الاسلوب السهل والمتمكن في ايصال المعنى , والذي يدل على خبرة كبيرة في الكتابة لم نكتشفها لديه عندما كنا نعيش سوية في كردستان .

والشئ الغريب الذي طرحه ابوتانيا وينتقد الحزب عليه , هو الضغط على كل الرفاق في اليمن الجنوبية لغرض ارسالهم الى كردستان بمن فيهم العجزة والمرضى واصحاب العوائل وغير المؤهلين للعيش في الحياة الصعبة للبيشمركَة , مما اثقل حركة الانصار بصعوبات اضافية كان الغرض منها افشال الحركة . كل الذين كانوا في اليمن يؤكدون على ان ابوتانيا بالذات هو الذي كان يمارسها عندما كان مسؤول المنظمة هناك , وبالتنسيق مع السيد باقر ابراهيم مسؤول تنظيمات الحزب في تلك الفترة حيث قادها لما يزيد على العشرين عاما , والمعروف عنه ( باقر ابراهيم) رفضه للكفاح المسلح , ودفاعه لحد الآن عن ضرورة استمرار الجبهة الوطنية حتى بعد غدر البعثيين وارتكاب ابشع الجرائم بحق الشيوعيين والعراقيين عموما . والملفت للنظر ان السيد باقر ابراهيم يكتب في مقدمة كتاب ابوتانيا : انه كتب هذه المقدمة نتيجة رغبة وطلب ابو تانيا , في تعالي واضح لم ينتبه اليه ابو تانيا الذي يعتبر باقر ابراهيم عرابه .

ابو تانيا نزل الى الداخل , وكان يكايد اعضاء اللجنة المركزية الآخرين بانه الوحيد الذي نزل من كردستان الى الداخل لعدة اسابيع , واشرف بشكل مباشرعلى تنظيمات منظمته ” الفرات الاوسط ” والتي كانت تعتبر من اقوى منظمات الحزب . نزل برفقة ساعده الايمن ابوهيمن الذي كانوا يعدوه ليكون عضو لجنة مركزية , وقد تبين ان ابو هيمن متعاون مع الامن كما ثبت للحزب , وكان السبب في تفليش منظمات الفرات الاوسط والسبب في اعدام الكثيرين , ومنها حادثة كشف البيت الذي لجأت اليه الشهيدة ام ذكرى . ومن الغريب ان لا يتطرق ابو تانيا لهذه المشكلة والتي تعتبر الاهم في حياته , وان الكتابة بشأنها واستعراض صيرورتها وتطورها , والآثار الدموية التي تركتها, اهم بما لا يقاس بالشئ الذي كتبه , والذي لا يختلف عن اغلب الذين تنصلوا في مذكراتهم عن اخطائهم الشخصية من قيادات الحزب الشيوعي .

الحوار المتمدن – العدد: 2469 – 2008 / 11 / 18