الرئيسية » مقالات » مات الإنسان والصديق الذي حمل في قلبه وعلى كتفيه همّ الشعب والعراق , مات أبو مالك !

مات الإنسان والصديق الذي حمل في قلبه وعلى كتفيه همّ الشعب والعراق , مات أبو مالك !

صورة الدكتور عبد الخضر عبد الحسن (أبو مالك)

[[ قبل يوم واحد من وداعه الأخير تحدثت معه عبر الهاتف واعتذرت له عن عدم إمكانيتي على السفر لزيارته بسبب مرضي , كما تحدثت معه زوجتي , وكان الوداع الأخير. أخبرنا بأنه سيذهب غداً إلى المستشفى لسحب الماء المتجمع في صدره وحين عودته سيتصل بنا. كان تعباً حقاً واختصرنا الحديث معه , ولكن إغرورقت عينانا بالدموع لأننا أدركنا بأنه الحديث والوداع الأخير لإنسان عزيز لن يعود..!]] ك. حبيب
************************
ولد الأخ والصديق ورفيق النضال الصادق من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمستقبل الأفضل للشعب العراقي الدكتور عبد الخضر عبد الحسن (ابو مالك) في مدينة الناصرية في العام 1945. ومثل الكثير جداً من أبناء هذه المدينة المقدامة شارك في وقت مبكر بالحركة الطلابية العراقية وانتظم في صفوف الحزب الشيوعي العراقي قبل مغادرته العراق للدراسة. حين انتفض الجيش والشعب في العام 1958 كان أبو مالك ما يزال صبياً , وشارك مع بقية التلاميذ وأهل المدينة بالمظاهرات وإعلان الفرحة بقيام الجمهورية. تميز بالحيوية والنشاط المميز بين الزملاء في إنجاز المهمات والمشاركة في فعاليات اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية وفي المنظمة الحزبية في هذه مدينة الناصرية ذات التراث الثوري اليساري.
بعد أكماله الدراسة في ثانوية المدينة وبتفوق حاز على بعثة حكومية لدراسة الطب في ألمانيا الاتحادية ووصلها في العام 1963 , وكان عمره لم يتجاوز 18 سنة. وبعد سنة تحضيرية قبل في كلية الطب في جامعة فرانكفورت/أم ماين , وأكمل الدراسة في الوقت المحدد وبتفوق. تعرف على زوجته الفاضلة وصديقة العراقيات والعراقيين , گوترون , في العام 1968 وعاشا سوية حتى رحيله الأبدي , وكان محباً ومخلصاً لها.
بعد تخرجه بفترة وجيزة غادر إلى العراق ليعمل هناك ويتزج من عزيزته گوترون في مدينته الناصرية وبين أهله ومحبيه في العام 1973. ولد لهما في العام 1977 أبناً سموه “مالك”. عاد بعد فترة قضاها في العراق إلى المانيا وعمل طبيباً ثم رئيس أطباء في أكثر من مستشفى , ثم استقر في مستشفى المدينة التي عاش فيها , فوتسن هاوزن , القريبة من مدينة گوتنگن التي عمل فيها حتى العام 2002 , أي إلى أن أحال نفسه على التقاعد بعد أن أصيب بمرض في القلب , إضافة إلى إصابته فيما بعد بمرض السرطان الذي أجهز عليه واختطفه من عائلته ومن جميع أصدقائه ومحبيه في وقت مبكر جداً.
على امتداد أربعة عقود لم ينقطع هذا الإنسان عن الابتسامة وفي أحلك الظروف , تلك الإبتسامة الساحرة والمحببة التي كانت تحتضن حزناً داخلياً عميقاً وهماً ضاغطاً على وضعه النفسي والصحي , بسبب ما كان يعاني منه الشعب في العراق في فترة الدكتاتورية الغاشمة , ومن ثم في أعقاب سقوط النظام في العام 2003 , حيث سقط العراق في مستنقع الطائفية البغيضة التي اعتبرها الطامة الكبرى التي سيعاني منها الشعب كثيراً وطويلاً. رفض الاحتلال , ولكنه رفض الإرهاب الدموي واعتبره سبباً في استمرار وجود القوات الأجنبية في العراق.
لم ينقطع يوماً عن المشاركة في احتفالات وفعاليات جمعية الطلبة العراقيين في ألمانيا الاتحادية أو في فعاليات منظمة الحزب الشيوعي العراقي في ألمانيا أو في الخارج وفي الندوات والنقاشات التي كانت تدور فيها. كما شارك بحيوية في جميع الفعاليات الكبيرة لنادي الرافدين الثقافي العراقي في برلين ومنظمات وجمعيات أخرى في ألمانيا. ولم يكف عن ذلك حتى في العام 2008 حيث شارك في الأسبوع الثقافي في برلين رغم ما كان يعاني من ضغط المرض وآلامه الشديدة. كان لقاؤه مع قسم من الجالية العراقية الديمقراطية تنعش روحه وتعيد له الصفاء والحيوية.
كان الراحل الغالي مناضلاً متحمساً للتغيير بوعي ومسئولية , وكان واعياً ومقتنعاً بالفكر الماركسي الذي يحمله ويناضل على هداه وبذهن متفتح غير جامد وغير معقد. كانت زوجته التي قضى معها قرابة اربعة عقود حبيبته المخلصة وأم ابنه مالك وصديقة عمره التي رافقته في أغلب فعاليات ونشاطات العراقيات والعراقيين واعتنت به حتى آخر لحظة من حياته المليئة بالحركة الدائبة والنشيطة. لقد كان يعتز بزوجته الطيبة , ومن جانبها لم تبخل بشيء من اجل توفير الراحة له حتى آخر لحظة من حياته حين فارق الحياة وهو بين يديها ويدي ابنه مالك. لقد كان الراحل فخوراً بابنه الدكتور مالك وبحفيده. لقد كان عاشقاً لعائلته ومحباً لإصدقائه.
لم يكن مناضلاً شيوعياً يسكت عن الخطأ أو يتجنب النقد بل كان شجاعاً وصادقاً في التعبير عن رؤيته وأحاسيسه , ولهذا لم يُفهم أحياناً من بعض رفاقه في ألمانيا حين كان يشكو لي همه وحزنه من مسئول المنظمة الأسبق الأصغر منه سناً والأقل منه ثقافة ووعياً والمريض نفسياً الذي أساءَ إليه مرة بسبب ممارسته النقد , في حزب يعتبر النقد والنقد الذاتي أحد عناوينه البارزة , حين صرخ في وجه ابي مالك : ” من أنت لتنتقد سكرتير الحزب؟ لقد فوجئ بهذه الوقاحة , ولكنه استقبلها بهدوء وقال له : أنا إنسان , وهذا وحده كاف لأمارس حقي في النقد ما دمت مقتنعاً بصوابه , وصراخك لن يقنعني بعكس ذلك!
كان الهمُّ العراقي عموماً وهمًُ الحزب الشيوعي وأوضاعه في العراق خصوصاً شغله الشاغل. كما كانت معرفته بطبيعة حزب البعث وسلوكه السياسي هي التي جعلته لا يستسيغ التحالف مع البعث بل يرفضه , إذ كان يخشى على الشعب والحزب من قيادة هذا الحزب المتوحشة والعدوانية , ولم يكن مخطئاً في ذلك , بل كنا نحن في قيادة الحزب حينذاك على خطأ كبير وفادح!
قبل رحيله الأبدي بخمسة أيام اتصل بي الراحل هاتفياً وقال لي بأنه دعي إلى إلقاء محاضرة في مدينة فرانكفورت عن طبيعة حزب البعث وممارساته في العراق. اعتذر عن المشاركة بسبب مرضه وملازمته المستشفى والبيت , ولكنه أبدى استعداده لإعداد محاضرة تلقى نيابة عنه يبحث فيها عن طبيعة حزب البعث الصدامي ويمليها على زوجته بسبب عجزه عن الكتابة لضعف جسمه. وإذ كنت اعرف وضعه وقرب وداعه الأخير لنا , شجعته على ذلك , إذ كان الأمل في البقاء والانتصار على المرض يتدفق من كل جوارحه , شريطة أن لا يجهد نفسه كثيراً وأني مستعد للمساعدة في ذلك إن اقتضى الأمر. لم يمهله المرض لإنجاز هذه المهمة التي كانت تدور في باله طويلاً. وحين استفسرت منه عن امتلاكه مصادر كافية لهذا الغرض قال لي نعم , ولكن من المؤسف حقاً قمنا بوضع أغلب الكتب العربية في صناديق وأنزلناها في السرداب , ولكن سأخبر زوجتي في أن تكون هذه الكتب لك لأنك تستفيد منها في البحث بدلاً من بقائها في صناديق مغلقة. لقد شعرت بحزن عميق على خسارة إنسان يفكر بهذا العمق والوعي وهو في النزع الأخير ومع ذلك يدرك بأن الحياة لن تنتهي , وأن على الآخرين مواصلة الدرب والنضال من أجل القضايا العادلة التي التزم بها وناضل من أجلها.
كان حين يأتي إلى برلين ينول ضيفاً عزيزاً في شقتنا , وغالباً ما كان صديقنا المشترك الدكتور غالب العاني معنا أيضاً. كانت أحاديثه شيقة وذكرياته عن الناصرية وأهلها طرية يتحدث عنها بحيوية وروح إنسانية عالية , وكنا نقضي ساعات الليل الطويلة بأحاديث النضال والهموم المشتركة.
كان منشغلاً بأحداث العراق وكان يخشى على التجربة الكُردستانية من الضياع إن لم يحسن المسئولون التعامل مع المنجزات التي تحققت للشعب الكردي. سيطر هذا الهم عليه , إذ أنه كان يربط بين نجاح التجربة وتجلياتها الطيبة على العراق كله , وأن فشلها يعني فشل احتمال تحقيق الديمقراطية في العراق , ولهذا كان ينتقد المظاهر السلبية في االوضع في العراق وفي كردستان في آن. وكان في رؤيته للأمور أعمق وأبعد بكثير ممن كانوا يدافعون عن كُردستان ببصيرة مغلقة وضيقة ودون وعي بالمخاطر المحيطة بها أو الإحساس بالأخطاء التي ترتكب هناك. ولم يُفهم أحياناً من بعض الكُرد القوميين من ذوي النظرة الضيقة والأفق المحدود , إذ كانوا يعتقدون بأن الرجل قد تغير ولم يعد صديقاً للشعب الكُردي , في حين كان الذي تغير هم وليس العزيز الراحل أبو مالك الذي حافظ حتى الرمق الأخير على عدة مسائل جوهرية:
– حبه للوطن وللشعب العراقي بكل مكوناته القومية.
– قناعته بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره بنفسه وبالفيدرالية الكُردستانية في ظل الديمقراطية.
– قناعته بقدرة الشعب على الانتصار وعلى زوال الاستغلال والقهر السياسي والاجتماعي وسيادة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية لا في العراق فحسب , بل وفي العالم.
– لقد كان الراحل وطنياً وأممياً في آن واحد , لقد كان مقتنعاً بوعي بالمنهج المادي الجدلي وبالماركسية كنظرية هادية وليست عقيدة جامدة.
– وكان أخيراً إنساناً صادقاً مع نفسه وعائلته وأصدقائه , وكذلك مع الحزب الشيوعي العراقي الذي انتسب إليه منذ نعومة أظفاره ولم يتخل عنه.
كان الراحل يهيء الأقراص الإلكترونية بمواد كثيرة ويرسلها لنا للاستفادة منها في بحوثنا أو مقالاتنا. كان في السنوات الأخيرة , وبسبب مرضه , يقضي وقتاً كثيراً خلف الحاسبة الإلكترونية والإنترنيت ليجمع المقالات المهمة ويرسلها لمجموعة من أصدقائه.
كان حتى اللحظة الأخيرة مليئاً بحب الحياة والأمل , وهو الذي أبقاه ست سنوات إضافية على قيد الحياة بعد أن قدر الأطباء له عيشاً لا يزيد عن سنتين لا غير , بعد أن انتهوا من فحصه في العام 2002.
من التقى به لم يشعر بمريضه أو معاناته من آلام السرطان المبرحة , إذ كان يحاول كظمها ولا يتحدث عن مرضه كثيراً. غادرنا بهدوء والابتشسامة لا تزال مرتسمة على محياه المحبوب بعد معاناة طويلة ومرهقة , غادرنا ولم يترك خلفه سوى الذكر الطيب..
وداعاً أيها الصديق العزيز والمحب , وداعاً أيها الإنسان الشجاع , وداعاً أيها المناضل , وداعاً أبا مالك ..

26/11/2008 كاظم حبيب